قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

على مدار حلقتين من برنامجي التلفزيوني المباشر "خارج السرب" والذي كان يقدم عبر شاشة تلفزيون الإمارات، شرفت باستضافة عدد من الفعاليات الفكرية والسياسية السودانية. كان هذا الأمر قبل ثلاث سنوات أو أكثر بقليل. كان همنا الأساسي في الحوار هو النظر بعيداً في مستقبل السودان، هذا الوطن الجميل الذي خاض أطول حرب أهلية في التاريخ الحديث. وضيوف البرنامج شاركوا حباً أو غضباً أو نقداً، كانوا يمثلون كافة ألوان الطيف السياسي والأيديولوجي السوداني والعربي، وحتى لا أغلب طرفاً على آخر أو وجهة نظر على أخرى فقد كان الجميع تقريباً لا يغرد خارج السرب بل داخله عندما يكون السودان الوطن حاضراً في المهج والقلوب. ولكن رؤية علمية رصينة أدلى بها الأستاذ الدكتور حيدر إبراهيم كان فيها من التشخيص للمشكل، وطرح الاستشرافات ما يؤكد أن هذا السودان الذي ابتلي ثم اشتعل ثم احترق بنار الصراعات الداخلية، والحروب الإثنية والمواجهات العصبية القبلية البغيضة قادر على الإبحار بأشعة الأمل إلى ضفاف النهر، ومن ثم نشر الأشرعة إلى موانئ السلام.
لم يكن الحوار في حلقات برنامج "خارج السرب" نوعاً من الترف الفكري أو التشخيص السطحي للمشكل السوداني، وليت الإخوة في السودان على مستوى القرار السياسي والتحليل الفكري والمنهجي الرصين قاموا بدراسة ما طرح قبل عدة أعوام ليتبين لهم أن الذين يحبون السودان يرونه كبيراً بعيداً عن الصراعات الخفية والمصالح الشخصية الضيقة والمنافع الذاتية.
كان السودان بالنسبة لي وطناً منفتحاً على الأفق الواسع من الأمل والحب، وعرفت السودان عن قرب وخبرته من خلال إخوة وأخوات من السودان، جمعتني بهم علاقات عمل ومسارات فكر، وأكاد أتفق مع أستاذي الدكتور حيدر إبراهيم في تحليله لشخصية الإنسان السوداني ضمن معطيات الطبيعة التي يعيشها بأنه إنسان قدري وخائف على الدوام وقلق على عيشه الذي يسميه الرزق وليس الإنتاج. ويضيف الدكتور حيدر وصفاً وتحليلا نفسياً يؤكد مجمل الصراعات الداخلية التي يمر بها الإنسان السوداني إذ يقول: كان مجال الفرح بالنسبة للإنسان السوداني الشمالي المسلم ضيقاً، ويتم اختلاس هذا الفرح في المناسبات القليلة مقارنة بالقبائل غير العربية –الإسلامية، إذا أن القبائل غير العربية وغير الإسلامية كانت شغوفة بصناعة الفرح وممارسته، وكانت تعوض فقرها المادي بخصب روحي ونفسي غير محدود، فهي قبائل تبتكر للفرح عناوين ومناسبات لغرض استمرار دورة الفرح حتى أن بعض القبائل تحتفل في ذكرى وفاة الأعزاء بالرقص والأغاني وأكل ما لذ وصولا إلى النشوة. وهذا الأمر كان يخلق نوعاً من عدم الرضى والحسد لدى ابن المجاذيب وهو ينظر إلى تلك الجماعات الفرحة المنطلقة لم تقيدها وتأسرها ثقافة وتقاليد ذات وقار منافق وخبيث. لقد مر السودان وطناً والسوداني إنساناً بدورات تاريخية وتقلبات سياسية انتقلت به من النقيض إلى النقيض وأسلمته لمتاهة الفكر السياسي والصراعات القبلية وطوفان الحرب الأهلية، بينما كان السوداني في قرارة نفسه روحاً "صوفية" نقية، فالإسلام السوداني إن جاز التعبير في أصوله الأولى وفق تعبير الدكتور حيدر "إسلام صوفي" التوجه، وذلك بسبب أن السودان الكبير لم يكن منطقة جاذبة للاستقرار والحياة الحضرية، وكان ملجأ لبعض الفارين والمضطرين وعليه فإن المجموعات التي هاجرت إلى السودان من المسلمين العرب لم تكن ذات مستوى ثقافي واقتصادي رفيع ومؤثر، فكان انتشار الإسلام على يد مجموعات تغلب عليها البداوة والجلافة، وكان مستوى علمها الديني متواضعاً وكان لهذا أثره في خلق حالة من التصالح مع الواقع المعيش، واختلاط الكثير من الممارسات والطقوس والمعتقدات الشعبية السائدة بالممارسة الدينية، وهذا يفسر غلبة الطابع الصوفي الشعبي غير الفلسفي على الإسلام الديني، وأصبح أصحاب الطرق الصوفية أقرب كثيراً إلى الوجدان الشعبي والضمير الجمعي للمجتمع السوداني .
لا شك أن السودان وعلى مدى تاريخه قد مر بتحولات ساهمت بقدر كبير ومؤثر في حرمانه من تنمية حقيقية وشطب فكرة كون السودان سلة الغذاء العربية، وعلى أرضية الصراعات الاثنية والعقدية انعقدت رايات كثيرة للحرب، وقبلها وعلى المسرح السياسي بدأت عروض الانقلابات، وهدرت الدبابات في شوارع الخرطوم، وأم درمان، وبدأت حملات شرسة للانتقام من الآخر أو استمالة الآخر. وكان الشارع السوداني رغم قدرته الكبيرة على التصالح يموج بتحولات كبيرة على مستوى الفكر، إذ استغل الجميع فرصة المخاض لفرض الرأي ونبذ الآخر، واستطاعت التوجهات ذات الطابع المرتبط بالإسلام السياسي الوصول إلى سدة الحكم، ولتدخل السودان في دوامة صراعات وتخريجات إقامة دولة الخلافة الإسلامية، وفقدت التنمية المعتمدة على العنصر البشري المؤهل قدرتها على الحراك، وانشغل السودان برمته في حرب تبين أخيراً أنها كانت مجابهات عبثية، دفع السودان ثمنها من قوت أطفاله الذين يقتلهم الجوع في أكثر من جبهة، ولم يسلم السودان وبفعل توجهات الإسلام السياسي من وضعه على خريطة الدول المساندة لـ"الإرهاب" وتوفير ملاذات آمنة للخارجين على الشرعية في دولهم، وامتدت خريطة الإبعاد القهري والقسري لتشمل طاقات سودانية مبدعة توزعت على مرافئ الدنيا شأنها في ذلك شأن الكثير من العقول والطاقات العربية المهاجرة. واستنزفته الحرب الأهلية، حرب قدم لها كل فريق مبرراته وقدم لها السودان الوطن خيرة أبنائه وأموال التنمية وقوت الشعب وخبزه اليومي.
بعد انتهاء حلقة من برنامج "خارج السرب" والتي استضفت فيها السيد ياسر عرمان الناطق الإعلامي باسم حركة الدكتور "قرنق" وكان موضوع إنهاء العمليات العسكرية وتوقيع الصلح قد قطع شوطا لا بأس به. قلت لياسر وبلغة غلب عليها الاحتجاج والألم وأنا أتابع أخبار الأهل في السودان: إلى متى نزيف الدم السوداني؟ إلى متى هذا الهدر في الثروة السودانية؟ أنتم كحركة معارضة ألا يمكن أن تطرحوا برنامج عمل ورؤية لخلاص السودان من هذه الحرب الطاحنة؟ إلى أين ستقودون السودان؟ هل أنتم معول في يد توجهات وسياسات عالمية؟
وأسئلة أخرى لا أتذكرها بحكم السن أو بحكم أنها كانت أسئلة بديهية، ولكن ما أتذكره جيداً وأسجله اليوم معكم بالحرف أن السيد ياسر عرمان احتسى رشفة من قدح القهوة المرة التي أمامه وبادرني بإجابات مختلفة من جملتها: هل تعتقد أن حركتنا وبقيادة الدكتور "قرنق" تسعى لتحقيق مكاسب خاصة على مستوى الشعب السوداني؟ لقد طرح الدكتور منهجه بوضوح وهو يؤمن كما يؤمن كل سوداني مخلص بأهمية وحدة السودان، وبأهمية إعادة خلق التجانس بين أفراد الوطن الواحد، حيث لا غلبة للعرب على الأفارقة ولا غلبة للمسلمين على المسيحيين، إذ لا يعقل أن يكون جنوب السودان يتمترس فوق ثروة نفطية واقتصاد زراعي قابل للاستثمار، ويعيش أهله وناسه في ظل حكومات تعاقبت على السودان وتنظر إليه نظرة دونية.
سيأتي السلام وتتحقق للسودان كل أحلامه.
مرت الأعوام سريعة وها هو السودان ورغم هول ما يجري في "دارفور" يفتح بوابة للأمل، ويؤكد أن المارد السوداني الحقيقي هو إنسان الأرض، وأن السودان مرشح وسريعاً للدخول في عملية تنمية شاملة فهو وطن واعد، واعد بثقله السياسي ودوره المرتقب أفريقياً وعربياً ودولياً، واعد بثقله الاقتصادي كدولة نفطية مستقبلية، ودولة ستغدو قريباً سلة الغذاء العربي كما حلمنا منذ عقود. واعد هذا السودان بأن يكون منطقة لجذب استثمارات عربية وعالمية تقدر بالمليارات. واعد السودان بأن يكون منارة للعلم والثقافة في الوطن العربي فهو طين وماء عجن فأخرج أدباء وعباقرة وفنانين مجدولين مع ضياء الشمس سابحين في فضة القمر.
السودان واعد في فنونه الممتدة في عمق أفريقيا والممتزجة بصوت حادي العيس بالجزيرة العربية وصوت الغناء في خليج عدن. السودان الواعد هو السودان الذي نحب بعيداً عن ويلات السياسة وخناجر الغدر ونفاق الطرح فهل نخبئ سودان المستقبل في سويداء القلب ؟.