قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

معظم عامة الناس يستطيعون التعايش فيما بينهم، لولا السياسة التي ما دخلت شيئا إلا وأفسدته. هذه المرة عايشتها مباشرة أمامي، عندما ذهبت لقص ما طال من شعري عند حلاق الحي. قال لي بحزن إن هذا آخر يوم له في العمل. لماذا؟ سرد روايته بأن رب العمل لبناني، غير راض عن السوريين هذه الأيام، بسبب الخلاف الشائع، وبالتالي قرر استبداله بمن يرتاح إليه سياسيا. ظننتها، كالعادة، مجرد تبرير للعلاقة السيئة في مناخ العمل، وهي تبريرات مألوفة، حتى اعترف صاحب العمل بالشيء نفسه دون تردد، وأنه يريد حلاقا يناسبه سياسيا.
تذكرت هذه الحادثة القريبة، بعد أن قرأت ما تحدث به الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية سليم الحص للزميلة اليومية السفير. قال محذرا من فتنة مصدرها العراق، تضر بكل المنطقة، وأنه يخاف على لبنان من انعكاساتها، لا سيما في ظل انتشار العصبيات في لبنان. وهو تحذير جدير بالأخذ بعين الاعتبار، لأن التطور السياسي في لبنان، يسير سرعة نحو الخندقة، كما وصفها، وانخراط القوى المحلية في اطلاق النار كلاميا على بعضها البعض. ونضيف على قول الحص، بأن العصبيات المقيتة تنتشر بسرعة أيضا في العالم العربي، بسبب التجاذبات السياسية الصريحة، التي يتم تناولها على وسائل الإعلام بلا خجل، وبدرجة أكثر وضوحا في الشأن العراقي. هذا الاصطفاف العصبي أديانا وأعراقا وأيديولوجيات، يسقط خلافاته محليا، كما هو الحال عليه في لبنان أو في الجوار. وليس صحيحا أن هذا من آداب الديمقراطية أو من أصول حرية التعبير، بأن تتنازع الفئات أفكارها بهذه الحدة في إطلاق التهم، والخفة في نشرها. التحفظ على ما يثير النعرات، والابتعاد عن الفكر العصبي التمييزي يجب أن يكون قدر الجميع، وقرار المثقفين والسياسيين منهم بشكل خاص.
فالخلاف اللبناني السوري سياسي، وليس شعبيا، وكذلك التنازع داخل الدولة الواحدة. وعندما يفقد مزين شعر وظيفته، لا لأنه لا يجيد عمله، بل لسبب واحد لأنه سوري أو شيعي أو مغاربي، أو بسبب تمييزي آخر غير مهني، فإن ذلك يرسل لنا إشارات خطيرة في مشروع التعايش الضروري لنا جميعا. أي أن النزاع تسرب من مقاهي ثلة السياسيين المتنازعين، وصار أيديولوجيا شعبية، وعقيدة لا يخجل عامة الناس، حتى من المصارحة بها. هنا لا نستطيع إلا أن نلوم القيادات، على فشلها في أن تكون نموذجا جيدا لمواطنيها، تهديهم نحو التعايش السلمي المثمر.
وعلينا ألا نستكثر ما حدث هذا الأسبوع، عندما ثارت الدنيا يوم ارتدى الأمير الصغير هاري، حفيد ملكة بريطانيا، قميصا عليه شعار النازية في حفلة مزح بريئة. السبب أن القادة وذويهم نموذج لا يقبل منهم أن يروجوا للكراهية، حتى لو من قبيل المزاح، كما هو الحال في شعار النازية الذي يرمز للعنصرية المقيتة.