فاطمة التي نقلت الغناء العربي من"إرخي الستارة" إلى رباعيات الخيام

تحقيق كتبه من القاهرة نبيل شرف الدين: في ذكرى مرور ثلاثة عقود على حضورها المتواصل رغم الموت.. ماذا تبقى لم يكتب عن ثومه.. أو ماذا أبقت هي لغيرها من المطربين..؟
الحب كله‏..‏ إنت عمري..‏ حيرت قلبي..‏ ليلة حب ‏..‏ ودارت الأيام ‏..‏ الأطلال ‏..‏ أمل حياتي ‏..‏ يا مسهرني‏.. ثورة الشك.. هو صحيح الهوا غلاب، بهذه العناوين ومئات غيرها شدت أم كلثوم لتصل إلى ملايين القلوب، ويردد معها العشاق في كل أنحاء العالم أعذب الكلمات وأشجى الألحان، وكانت ولم تزل بصوتها تحلق بالروح إلى عوالم ساحرة من المشاعر النبيلة، والحديث عن "ثومه" لن ينتهي أبدا‏ً،‏ و"دارت الأيام" ومرت "ألف ليلة وليلة"، ظهرت خلالها أجيال جديدة من المطربين والمطربات، لكن لم يعش أحد منهم في وجداننا كما عاشت أم كلثوم ففي مثل هذه الأيام، لكن قبل مائة وخمسة أعوام ولدت "أم كلثوم"، في قرية منسية بدلتا مصر، اسمها (طماي الزهايرة) قدر لها أن تكون أشهر قرية في مصر بفضل ابنتها التي أصبحت المطربة الأولى في تاريخ الغناء العربي، ولم تزل تتربع على عرش الطرب حتى اليوم بكل المعايير، فأغنياتها هي الأكثر توزيعاً حتى اليوم، وعلى مستوى الكمّ لم يصل مطرب عربي إلى الرقم الذي سجلته "ثومه"، أما صوتها إنه فهو من عينة أصوات ليست حبيسة جنسها الأنثوي فحسب، وبوسعه أن يكون مديحا نبويا وتوسلا لله كما أن بوسعه أن يكون مونولوجا موصولا أو حوارا مسرحيا أو إنشاديا أو احتفاليا أو حتى فولكلوريا راقصا، أداء أم كلثوم بهذه الدرامية الحاضرة، يجعل الأغنية عرضا واحتفالا متكاملين وكأنها عمل جوقة، ففيها أكثر من صوت، وفي اللحظة ذاتها أكثر من موقف وإحساس.
شدت ثومة نحو ثلاثمائة أغنية، لأشهر الملحنين مثل محمد عبد الوهاب والسنباطي والقصبجي وغيرهم، كما تغنت بقصائد لكبار الشعراء مثل أحمد شوقي وإبراهيم ناجي والأمير عبد الله الفيصل وغيرهم، ولم يدلل العرب مطربة مثل أم كلثوم، التي صارت تحمل لقب "الست" واستقبلها ملوك ورؤساء الدول ومنحوها أرفع الأوسمة، ولم يتفق العرب على أمر كما اتفقوا على "ثومه"، إذ كانت حفلاتها ليلة الخميس تعد حدثا هاماً في كل أنحاء العالم العربي‏، فالذين فرقتهم السياسة جمعتهم أم كلثوم.
وإذا حاولنا رسم صورة كلية لما قدمته أم كلثوم للغناء العربي فإننا نستمدها مما قالته هي بنفسها "اعتقد أن أهم ما يمكن أن يكتب عني بعد موتي إنني نقلت الجمهور من أغاني (ارخِي الستارة اللي في ريحنا أحسن جيرانا تجرحنا) إلى مستوى رباعيات الخيام"، وأم كلثوم صادقة تماماً في مقولتها، لأنها ساهمت في الارتقاء بالوجدان العربي، وكتب عنها العميد طه حسين إن أم كلثوم بصوتها الفذ في امتيازه، سواء في الجمال أو في سلامة نطق العربية ساهمت عندما غنت القصيدة في إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها حتى في أصعب الكلمات لموسيقى الغناء، وكان لصوتها فضل في انتشار الشعر العربي على ألسنة العامة والخاصة، وكتب نجيب محفوظ يقول: "كانت أم كلثوم فنانة عبقرية وإنسانة عظيمة، تتبين عظمتها الإنسانية في التزامها بالمبادئ السامية والإنسانية"، كما أرسل لها شارل دي غول برقية قال فيها: "لقد لمست بصوتك أحاسيس قلبي وقلوب الفرنسيين جميعاً".

صناعة نجم
"الحب كله‏‏ حبيته فيك ‏..‏ الحب كله، وزماني كله أنا عشته ليك.. زماني كله‏.. ‏حبيبي قول للدنيا معايا ‏..‏ ولكل قلب بدقته حس‏.يا دنيا حبي وحبي وحبي ‏..‏ ا العمر هو الحب وبس"
بهذه الكلمات الرائعة في بساطتها، وغيرها شدت بها أم كلثوم لتصل إلى ملايين القلوب ويرددها العشاق في كل أنحاء العالم العربي، وكانت ولازالت بصوتها تحلق بالروح إلى عالم ساحر من المشاعر،‏ والحديث عنها لا ينتهي،‏ ودارت الأيام ومرت ألف ليلة وليلة، ظهرت خلالها أجيال جديدة من المطربين والمطربات، لكن أحدا منهم لم يعش في وجدان الناس كما عاشت أم كلثوم.
وثومة نموذج لصناعة نجم بجهود ذاتية يقف وراءه شيخ فقير كل ما يملكه في الحياة هو كرامته وإصراره على النجاح‏،‏ وهو والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي‏.‏ وأم كلثوم ولدكما أجمع عدد كبير من المؤرخين يوم ‏30‏ ديسمبر عام‏1898،‏ بقرية طماي الزهايرة مركز السنبلاوين في محافظة الدقهلية بدلتا مصر،‏ وهناك روايات أخرى تقول أن تاريخ ميلادها هو‏4‏ مايو عام‏.1904‏، واسمها الحقيقي فاطمة، وأطلق عليها والدها اسم أم كلثوم تيمنا باسم إحدى بنات النبي‏ (‏ صلي الله عليه وسلم‏)،‏ وشأن معظم جيلها التحقت بكتاب القرية وعمرها خمس سنوات وقضت به ثلاث سنوات أتقنت خلالها حفظ القرآن وتجويده‏،‏ وقد ساعدها ذلك على سلامة النطق وفصاحة اللسان‏.‏ واكتشف والدها الذي كان يقوم بغناء التواشيح الدينية في المناسبات المختلفة بالقرية موهبة أم كلثوم في سن مبكرة‏،‏ وأدرك أنها هبة من السماء،‏ وأصبحت بالفعل فيما بعد هي نجمة فرقة الإنشاد الديني المكونة من الأب والأخ خالد والعم وبعض الأقارب.
وبدأت أم كلثوم رحلة الفن من السفح وشقت طريقها في الصخر بأظافرها‏،‏ وانتقل صيتها من القرية إلى المركز إلى المديرية حتى طافت كل قري مصر على ظهر حمار للغناء،‏ ثم وصلت إلى العاصمة واستقرت بها نهائيا عام‏1923‏ بناء على نصيحة الشيخ أبو العلا محمد أشهر مطربي عصره والذي كان قد سمع أم كلثوم قبل ذلك بإحدى الحفلات في مركز السنبلاوين‏ التابع لمحافظة الدقهلية بدلتا مصر، وتعهدها الشيخ أبو العلا بالرعاية ودربها على الغناء ولحن لها أكثر من‏50‏ لحنا وظل يرعى خطواتها الأولى حتى توفي عام‏ 1927‏.
ويرجع للشيخ أبو العلا الفضل في انتقال أم كلثوم من مرحلة غناء القصائد الدينية، إلى الغناء العاطفي الراقي‏،‏ كما عرفها على شاعر الشباب أحمد رامي عام ‏1924‏، ومنذ ذلك الوقت لم يفترقا وكتب لها رامي حوالي‏30‏ أغنية‏،‏ عكست قصة حبه العميقة تجاه أم كلثوم‏.‏ كما يرجع الفضل إلى رامي في تثقيفها وإمدادها بما يلزمها من كتب الأدب ودواوين الشعر ووصل تذوقها للشعر إلى حد أنها كانت تستطيع ببراعة كاملة استبدال الكلمات الثقيلة على الأذن بكلمات أخرى بسيطة.

مراحل فنية
لأغني وأغني وأغني... وأوري الخلايق فني
الإنسي يقول للجني... والرايح يقول للجيّ
المغنا حياة الروح.. يسمعها العليل تشفيه
وتداوي كبد مجروح.. احتار الاطبا فيه
وتخللي ضلام الليل.. في عيون الحبايب ضيّ
وحسب مؤرخي سيرتها، وشهود زمنها فإن مراحل أم كلثوم الفنية تنقسم إلى مرحلة مبكرة لحن لها فيها الشيخ أبو العلا محمد وأحمد صبري النجريدي ومحمد القصبجي‏،‏ ثم مرحلة متوسطة في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات وهي المرحلة التي تولى التلحين لها فيها زكريا أحمد ورياض السنباطي‏، أما المرحلة الفنية الحديثة فغنت فيها أم كلثوم ألحان محمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وبليغ حمدي وكمال الطويل وسيد مكاوي.
وكان أول لقاء لأم كلثوم وعبد الوهاب عام ‏1964‏ في أغنية "إنت عمري"‏،‏ كلمات أحمد شفيق كامل، وأطلقت الصحافة على هذا التعاون الأول من نوعه "لقاء السحاب"‏،‏ ويقال أنه كان بتوجيهات الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي أبدى رغبة قوية في أن يجمعهما عمل فني واحد‏،‏ ونجحت بالفعل أغنية "أنت عمري" نجاحا منقطع النظير، ولازالت حتى الآن تتصدر قائمة أفضل الأغاني‏ والأكثر مبيعاً.
وكان موسم سيدة الغناء يبدأ بالخميس الأول من كانون الأول (ديسمبر)، وينتهي بالخميس الأول من حزيران (يونيو) أي‏ سبع حفلات سنويا‏،‏ وقد بدأت هذا النظام منذ عام‏1935‏ عندما افتتحت الإذاعة المصرية حفلاتها الخارجية بنقل حفل لأم كلثوم‏،‏ واستمر حتى آخر حفل أحيته يوم‏7‏ كانون الأول (ديسمبر) من العام‏1973‏، وانسحبت بعد ذلك من الساحة الفنية بعد أن اشتدت وطأة المرض عليها حتى وفاتها في‏3‏ شباط (فبراير) عام‏ 1975‏ وكانت حفلات أم كلثوم يوم الخميس تعتبر حدثا وطنيا في مصر

هيكل وثومة
وكل أنحاء العالم العربي،‏ وكان يحضر إليها جماهير العرب خصيصا للاستماع إليها، وعلى مدى أكثر من نصف قرن ظلت "ثومه" نقطة التقاء وموضع اتفاق كل ألوان الطيف، فالذين فرقتهم السياسة جمعتهم "ثومه" حول صوتها‏،‏ وكأن للوجدان كما للأرض قانونا للجاذبية، وهناك ظاهرة رئيسية تستوقف الذين عاصروا أم كلثوم وكتبوا عنها‏،‏ ألا وهي حسها الوطني الذي ترجمته عملياً في كثير من الأغاني الوطنية التي غنتها قبل وبعد حركة الضباط في 1952،‏ وتجلت وطنيتها في أروع صورها عندما أصابت الجراح مصر بعد هزيمة ‏1967‏، واعتصرت الأحزان قلب أم كلثوم ورأت ألا تقف عند حدود التبرع بالمال وقادت حملة لجمع التبرعات من أجل المجهود الحربي وإعادة تسليح الجيش المصري‏، وفي بداية عام‏1968‏ أقامت أم كلثوم الحفلات من أجل هذا الغرض وخرجت تطوف الدنيا من المحيط إلى الخليج، وغنت في معظم الدول العربية حيث كانت تستقبل استقبال الرؤساء والملوك‏،‏ كما كانت أول مطربة عربية تغني على مسرح أوليمبيا أشهر مسارح باريس‏،‏ وتمكنت خلال عام واحد من جمع مليون جنيه لهذا الغرض، مع الإشارة طبعاً إلى القوة الشرائية لهذا المبلغ في ذلك الوقت.

حياتها العاطفية
لو كنت خدت على بعادك.. كنت أقدر أصبر واستنا
وأسهر على ضي بعادك.. لما الزمان يجمع بينّا
حياة أم كلثوم العاطفية تلخصها كلماتها لأحمد رامي وهي على فراش الموت‏ قال فيها: "وجدت دائماً صعوبة في الخضوع للرجال لأنهم كانوا دائما عند قدمي"،‏ لكن كان في حياتها أربعة رجال هم أحمد رامي ومحمد القصبجي وكان حبهما من طرف واحد، وفي عام‏ 1946‏ أعلنت خطبتها على الملحن والعازف محمود الشريف، الذي يؤكد كثيرون أن زواجهما تم بالفعل‏،‏ ولم يستمر سوى أيام بسبب استنكار الرأي العام له بشدة‏،‏ والحقيقة أنه كان الحب الحقيقي في حياتها‏، وكان الرجل الوحيد الذي تحملته وأطاعته رغم سلوكه الاجتماعي السئ، وفي العام‏1952‏ تعرفت على الدكتور حسن الحفناوي وأحبته وتزوجته وكان متزوجا ويصغرها بنحو ‏17‏ عاما‏،‏ ولم يعلن زواجهما إلا في العام ‏1954‏ واستمر حتى رحيلها.
يبقى القول إن عظمة أم كلثوم ترجع بالتأكيد قبل كل شئ إلى موهبتها الفطرية، وإحساسها الإنساني الراقي، وبالطبع صوتها الاستثنائي، وهنا تؤكد دراسات علمية أن صوتها فريد من نوعه من حيث القوة وتعدد طبقاته‏،‏ لكنها أيضاً اجتهدت وخاضت معركة الفن بكل إصرار وعزيمة وحب حقيقي للحياة والناس، ولم تتخلى رغم كل ما حققته عن "فضيلة التواضع"، فلم تستخف بعملها أو جمهورها أبداً، بل ظلت تجتهد حتى الرمق الأخير، وفي كل مرة كانت تشدو وكأنها أغنيتها الأخيرة، وكانت تعد لها كأنها أولى أغنياتها.

فوازير ثومة
وهنا نورد تحليلاً للمؤرخ والناقد الموسيقي الشهير فيكتور سحاب، على نموذج لأغنية "قل لي ولا تخبّيش يا زين التي شدت بها ثومة عام 1944، ضمن أغنيات فيلم (سلاّمة)، وهذه أغنية نموذجية ليس لعظمتها وبساطتها في الوقت نفسه فحسب، بل هي نموذجية، لأنها مثال على جهلنا عموما بتراثنا العظيم، وخجلنا من الافتخار به، فهذه الأغنية، تنم عن فكر موسيقي عظيم التطور. فلا هي طقطوقة، ولا هي محاورة، بل الاثنان معاً. وتدهشك قوة سبكها ومتانة بنائها.
فهي من أربعة أقسام، وكل قسم منها يبدأ بسؤال:
1 قل لي ولا تخبّيش يا زين، إيش تقول العين للعين؟
2 واللي يوافي للمحبوب بيوم الوعده عليهشي ذنوب؟
3 قل لي ولا تخشاش ملام حلال القبلة ولاّ حرام؟
4 قل لي يا عالم بالأشواق الحب حلو ولاّ حراق؟
وعن كل سؤال تجيب ثومة بلحن مختلف في كل مرة. لكن ختام جوابها يعود إلى اللحن ذاته
1 بعيد وصالك ولا قريب.
2 ويا ما ذنوب يغفرها الله.
3 يا خدها بدال الواحدة ألوف.
4 يا حلاوة تطوّل في الأعمار
وتعقيبا على الجواب ترد الجوقة الغنائية على أم كلثوم موافقا بكلام جديد في كل مرة، ولكن باللحن ذاته: هذا والله كلام العين، هذا هو القول المطلوب، ولا يسمع للناس كلام، يا حلاوة تطول بالأعمار.
....
ماذا تبقى ليقال في حق "ثومه"، سوى أنها لا تزال حتى يومنا بأغنياتها، هي المنهل العذب لكل عاشق ناطق بالعربية، وهي الشاهد الحي على ملايين قصص الحب رغم غيابها ثلاثة قرون، غنت فانتزعت الآهات من الصدور‏،‏ وأنشدت للوطن فاستيقظت بصوتها المشاعر الوطنية وقدمت الكلمة العامية فارتقت بها‏،‏ وشدت بالفصحى فجعلت منها لغة بسيطة يرددها رجل الشارع‏،‏ لهذا كله ـ ولأكثر من هذا ـ استحقت "ثومة" عن جدارة صيحة أحد عشاقها في حفلة شهيرة، والتي انطلقت بعفوية ‏:‏ "عظمة على عظمة على عظمة.. يا ست‏". ‏