محمد الخامري من صنعاء : كان ولا يزال الكتاب يحتل مكانة خاصة في قلوب وعقول المثقفين والقراء والمطلعين في العالم العربي، وله ميزة فريدة تميزه عن غيره من وسائل التعليم التكنولوجية كالانترنت والفضائيات وغيرها من وسائل التعليم الحديثة، إذ لا زال يعتبر ذلك الإناء الذي يحمل بين فتيه وهج الإبداع الحقيقي، وخلاصة التجارب القديمة والحديثة، وأطياف الماضي بكل مافيه من معاني بديعة وجمال ساحر، وحيوية الحاضر بكل متناقضاته وشواهده الحية، إضافة إلى ذلك فانه لازال يحتل مكانة بارزة في التراث الثقافي العربي، ولعل أبلغ مثال على ذلك هو ما قاله الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي :
أعز مكان في الدنا سرج سابح ** وخير جليس في الأنام كتابُ
وتتنوع أشكال بيع (خير جليس) هذا، فبينما تختزل ذاكرتك عددا من الأمكنة الطبيعية له كمعارض الكتاب المحلية والعربية والعالمية، ودور النشر الكبيرة، والمكتبات الاعتيادية المعروفة، والأكشاك الصغيرة، فهناك مكان قد لا يتبادر إلى ذهنك وهي الأرصفة التي تعتبر أحدث طريقة وآخر صيحة في عالم (البزنس الثقافي) حيث انتشرت مؤخراً في معظم عواصم ومدن العالم، ومنها العربية بالطبع، نظرا لارتفاع قيمة الكتاب وانخفاض القيمة الشرائية للفرد.
وبينما يقول القائمون على شؤون البلدية وأمانة العاصمة صنعاء أن ظاهرة بيع الكتب على الأرصفة تسبب لهم الإزعاج وتشوه منظر المدينة، فإن شريحة واسعة من المثقفين يختلفون مع هذه النظرة ويصفون ظاهرة كتب الأرصفة بـ(الحضارية) و(المحببة) خصوصا في مثل الحالة الاقتصادية التي وصلنا إليها، فأصبحت (مكتبات الرصيف) تمثل نافذة واسعة ومنفتحة على مختلف الثقافات.
على امتداد الشارع المحاذي لحديقة التحرير في قلب العاصمة صنعاء والممتد من باب نفق باب السباح شمالاً (مكان مارد الثورة سابقاً) إلى كشك الوحدة جنوباً، تدهشك مجموعة هائلة من العناوين في مختلف حقول الفكر، والأدب، والنقد، والدين، والتراث، والفن.

ستجد بغيتك!
حتماً ستجد بغيتك من هذه الـ"الفرشة" أو تلك "البسطة" التي تنثر امامك فسيفساء العلوم من الكتب السياسية، والاقتصادية، الفلسفية، والأدبية، والنقدية، والاجتماعية، واللغوية، والعلمية، والتكنولوجية، والبحثية.
كتب عن المسرح، والفن التشكيلي، والسينما، وفنون الطبخ، والأزياء، والشعوذة، وطرائق السحر، والتنجيم، وتعليم اللغات، وغيرها من الفنون العجيبة والغريبة.
وبنظرة عابرة وسريعة على تلك الفسيفساء ترتسم أمام عينيك أسماء فلاسفة وأدباء وباحثين من أرسطو، وأفلاطون إلى هيغل، ونيتشه، وفرانسيس فوكوياما، وصموئيل هنتغنتون، ومن سرفانتس، وهمنغواي، مروراً بنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وطه حسين، وادوار الخراط، وصولا إلى ميلان كونديرا، وإدوارد سعيد، وعبد الرحمن منيف، وغابرييل غارسيا ماركيز، وإيتالو كالفينو، وغيرهم العديد من عمداء الأدب العالمي، ومن النابغة الذبياني، وجرير، والمعري، والمتنبي وأبي تمام مرورا بأحمد شوقي، والرصافي، والجواهري، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وجبران خليل جبران وصولا إلى نزار قباني، وصلاح عبد الصبور، والسياب، ومحمود درويش وغيرهم الكثير من عمداء الأدب العربي الأصيل، وليس غريبا ان تجد، إلى جانب مؤلفات هذه الأسماء الكبيرة، كتباً هابطة المستوى حول فن الطبخ، والشعوذة، والريجيم.
باختصار شديد، انك ستعثر على خلطة عجيبة من الكتب المختلفة لا تجمعها سوى الأرصفة التي يفترشها الباعة مكانا لبيع سلعتهم المعرفية تلك.
قد تستغرب حينما يناديك احدهم وأنت في طريقك لقضاء حاجة ما في قلب العاصمة صنعاء (ميدان التحرير) ويقول لك بصوت عالٍ أضخم كتاب بـ300 ريال.. تنظر إليه فيخاطبك أنت وليس سواك، وتبعاً لهيئتك فإذا كنت ذو لحية يقول لك فقه السنة بجمع أجزائه بـ350 ريال بس، وإذا كنت تلبس بدلة رياضية قال لك موسوعة الألعاب بـ 300 ريال، وإذا كنت تلبس البدلة الرسمية عرض عليك كتب الاقتصاد والسياسة وهكذا دواليك.
دفعني الفضول إلى التجول في (بسطات) الكتب، وتجولت فيها كثيرا رغم الازدحام الشديد في ذلك المكان، سألت البائع :
* من أين تأتي بهذه الكتب ؟
- من السوق.

خلي الشعب يمخمخ
سألته عن سبب رخص أسعار الكتب التي يبيعها ؟
- رد بتلقائية وبثقة واعتزاز باد على وجهه نشجع العلم والعلماء، خلي الشعب يقرأ، خليه يمخمخ، خليه ينافس الشعوب الأخرى بالعلم والمخمخة.
* كيف يعني مخمخة.
- رد بسرعة وهو يتلفت يمينا ويساراً ويراقب كل قارئ على مكتبته (بسطته)، يعني طحطحة وأدركها "قل هذي ماتفهمهاش".
* ما اختلفنا.. خليه يمخمخ بس من أين تجيب الكتب؟
- أمانة الله قلي من أين أنت ؟
* حسبته يسأل عن منطقتي فقلت من تعز..
- قال من أي جهة قلك من تعز، إحنا دافعين المعلوم حق المجلس المحلي وكل شئ ماعد تشتي منا، أو قد معانا مهرة جديدة اليوم !!.
* استوقفني حديثه وكلماته العفوية التي تدل على خوف كامن في داخله من بعض الجهات التي يتوقع حضورها في أي لحظة ولغرض واحد وهو المال وليس النظام "كما قال"، صارحته وقلت له أني صحافي وأريد أن انقل معاناته وتخوفاته ليسمعها المسؤولين..
- رد عليّ بحرقة أي مسؤولين الله لا ولاّهم على مسلم، المصيبة يا صاحبي في المسؤولين، أين انت عايش "كُنك مغترب" ويقصد يسألني هل كنت مغترب.
بعدها تركني وانصرف لعمله في مبايعة الزبائن ورفض أن أصوره أو أن يقول لي عن اسمه لأني سأكتبه في الجريدة وسيقلبوا عيشته طين "حسب تعبيره"، لكنه نصحني أن اذهب إلى طه الحداد لأنه (والف) على الصحافيين وتطلع صورته بالجرايد والمجلات وعنده واسطة في البلدية !!.
سالت احد المتسوقين الذي عرفني باسمه (هاشم فضائل) عن سر انتشار هذه البسطات فقال أنهم يطلبون الله، اتفقت معه على طلبة الله لكني أبديت استغرابي من رخص الكتب فقال أنها كتب (استوكات) أي مخلفات المكتبات ودور النشر والتي لاتباع في مكاتب التوزيع يتم بيعها وتصريفها عبر هؤلاء الباعة وبأسعار رخيصة، مشيرا إلى أنها تفك أزمة على كثير من المثقفين وغاويين القراءة (حسب تعبيره).
* من أين تفضل أن تشتري كتبك من هنا (الرصيف) ام من المكتبات؟
- لالا أيّن مكتبات يا أخي أنا موظف وأنت عارف كم راتب الموظف، أنا اشتري تقريبا كل أسبوع قصة او قصتين من قصص الأدب العالمي ولو أشتي اشتريها من المكتبات ماشاحصلهاش ولا بـ1000 ريال أما هنا اشتريها بـ200 ريال وبعض الأحيان إذا كانت القصة صغيرة بـ150 ريال بس، وأنا مدمن على هذا الرصيف وأزوره يومياً.


مكتبة النهضة الأكاديمية
عملت بنصيحة صاحبنا (الخائف من البلدية) واتجهت إلى إحدى اشهر هذه المكتبات (مجازاً) وسألت صاحبها طه نعمان محمد الحداد عن عمر مكتبته ف

مكتبة النهضة الاكاديمية
قال إنها منذ أكثر من 13 عاماً وهي مشهورة ومعروفة وتجد فيها مالا تجده في اكبر المكتبات بصنعاء (والحديث لا يزال له).
لفت نظري ورقة رسمية معنونة بوزارة الثقافة والسياحة وملصقة في جدار المبنى المجاور للمكتبة، سألته عنها فقال إنها ترخيص من وزارة الثقافة !!.
* أي ترخيص ؟
- ترخيص وزارة الثقافة والسياحة للمكتبة بمزاولة عملها رسمياً.
* أي مكتبة تقصد؟
- مكتبة النهضة الأكاديمية التي تراها أمامك (انظر الصورة)..
* وهل جاء مندوب الوزارة إلى هنا ومنحك الترخيص على هذه البسطة.
- لا هذه المكتبة للعرض فقط أما المكتبات فهي هناك وأشار إلى محل في الزقاق الذي بجوار البسطة ودلفنا إليه فإذا به مكتبة عظيمة لكنه مغلق ويتخذ كمخزن فقط.
* ماهي الشريحة التي تتعامل معها أكثر من غيرها ؟
- دكاترة الجامعات والأكاديميين وطلبة العلوم الطبية والهندسية والفلسفة واللغات.
* لماذا هذه الشرائح بالذات؟
طه نعمان محمد الحداد
-لأنهم يحتاجون باستمرار إلى المراجع والكتب الي ما بيحصلوهاش إلا عندي.
* ليش مابيحصلوهاش الا عندي.. هل هي ممنوعة في المكتبات الاخرى؟
- لا مش ممنوعة بس نادرة وأنا أتصرف وأجيبها لهم !!.
* كيف تتصرف.. من فين تجيبها.. أكيد من المكتبات الموجودة.
- لا والله اني اجيبها من بره.. معي علاقات واسعة مع مكتبات ودور نشر في مصر ولبنان وسوريا وكل مكان.
* علاقات مع مكتبات رصيف ايضاً !!
- لا يا اخي.. ليش انتم (تستهمجوا) هذي المكتبة.. أنا علاقاتي مع دور نشر كبيرة.

اغلب كتبي من الرصيف!!
الدكتور احمد سيف (أستاذ مشارك بجامعة صنعاء) يقول ان اغلب مكتبته المنزلية التي تحتوي على ما يقارب من 3 آلاف كتاب جلها من مكتبات الرصيف سواء كان رصيف صنعاء او رصيف بغداد التي عاد منها مؤخرا بعد أن أكمل رسالة الدكتوراه في الهندسة المدنية هناك.
يقول الدكتور سيف كان مصروفي من المنحة لا يكفيني لشراء المراجع الجديدة أثناء الدراسة فكنت الجأ إلى مكتبات الرصيف التي اشتهرت بها مدينة بغداد مؤخرا، حيث تم تعيين شارع خاص بهم وهو شارع السراي والمتفرع من شارع الرشيد المعروف في بغداد، وكونت منها مكتبة كبيرة وجلبتها معي إلى صنعاء التي وصلت إليها وأدمنت تعاملي مع مكتباتها (الرصيفية) إن جاز التعبير لان دخلي المحدود لا يخولني شراء كتب بأسعار عالية، كما هي الحال في المكتبات، فالكتاب الذي اقتنيه من الأرصفة يرتفع سعره إلى ثلاثة أضعاف أو أكثر في المكتبات، ويتفق مع هذا الرأي زميله رياض عبد الغفور الذي يزيد بأن الكتب التي تعرضها المكتبات ودور النشر المعروفة هي في الغالب حديثة ومنقحة وذات طباعة فاخرة وبالتالي فان سعرها مرتفع، أما الكتب التي تجدها هنا على مكتبات الرصيف فهي في الغالب اما مستخدمة واما انه جديدة لكنها ذات طبعات قديمة ولذلك نجد انها ارخص بكثير من تلك المزركشة (حسب تعبيره)، مشيرا إلى ان المحتوى واحد في كلا الكتابين والمضمون هو الأهم.

مصادر كتب الأرصفة
يقول أمين الحبيشي (أحد الباعة) حول مصدر كتبه ان مصادر كتبه متعدده منها ماهو من الخارج ومنها ماهو من الداخل، مشيرا الى ان اغلب الكتب تؤخذ بالجبر من بعض المكتبات التي فلست مثلا او من المكتبات المنزلية التي يضطر أصحابها إلى بيعها إما بسبب السفر والهجرة، أو بسبب ضيق المكان لديه، أو ضيق ذات اليد وسط الظروف المعيشية الصعبة، فالكثير من المثقفين يضطرون لبيع كتبهم (ثروتهم الوحيدة) عند الوقوع في ضائقة مالية طارئة، كما أن ورثة بعض المثقفين الذين لا علاقة لهم بالكتاب، ولا يقدرون قيمته يبيعون هذه الثروة المعرفية التي يعتبرونها ورثا ثقيلا وغير قابل للاكتناز او الاستفادة منه فيقومون بتصريفها (بسعر التراب).
والمصدر الآخر الذي يرفد هذه الأرصفة بالكتب هو دور النشر التي تتوقف عن النشر والتوزيع لسبب أو لآخر فتبيع ما لديها من كتب بأسعار زهيدة، كما ان بعض المكتبات العامة التي يعتزم أصحابها إغلاقها تحاول التخلص من كتبها التي تستقر كذلك على الأرصفة، إضافة إلى هذه المصادر فان طه مسعود وهو أحد الباعة قال بأنه يحصل على بعض الكتب من عمّال النظافة الذين يجدونها في بعض براميل القمامة (حسب قوله)!!.
وحول زبائنه قال البائع طه أنهم من جميع الشرائح الاجتماعية (طلاب مدارس وجامعات، وموظفون، وكتاب، ونقاد، وشعراء، وطلاب، وصحافيون، ومحامون، ومهندسون، وأطباء، وأساتذة جامعات...) ومن جميع الفئات العمرية، ومن الجنسين.

الشباب يحبون التنجيم والأبراج
أما احمد صالح الحداد فيقول انه يبيع أحدث الكتب والمجلات العربية والغربية بما فيها مجلات الأزياء والطعام مضيفا أن هذه المجلات تنفد بسرعة لاسيما من جانب النساء اللاتي يبحثن عن كل جديد فيهما وهي قديمة، لكنه يبرر ذلك وبسرعة بديهة بأنها ليست إخبارية ووصفات الطعام لا تقدم والأزياء لا تبلى كما هي الجرائد اليومية والسياسية، مشيرا إلى أن كتب الأبراج والتنجيم ولسحر والشعوذة والألعاب السحرية تأتي في مقدمة الكتب التي يحرص على اقتائها الشباب من الجنسين، إضافة الى المجلات النسائية والرياضية والفنية.
من جانبه قال أمين الحبيشي انه يستفيد كثيرا من زبائنه حيث يأتونه بقوائم كتب مطلوبة لهم ولأصدقائهم وهو يبحث عنها ويوفرها وبذلك يكسب كثيرا خصوصا الكتب الغير موجودة في المكتبات العامة، مشيرا الى انه يبيع الكتب والمجلات في مكتبته.
وحول إجابته عن أيهما يباع أكثر الكتب ام المجلات قال أنها المجلات لأنها تعرض الكثير من التحقيقات الجديدة وتوفر للقارئ مواضيع ثقافية ورياضية وفنية وأدبية حديثة إضافة إلى وجود الكثير من الصور التي تخص أفراد المجتمع والتي يتطلع البعض لمتابعتها.
من جهته يقول الدكتور علي يحي علي العلكي (استاذ جامعي في جامعة ذمار) انه يشتري اغلب كتبه ومراجعه من هذه المكتبات التي يصفها بالجيدة والظاهرة الحضارية للتثقيف خصوصا في ظل الاوضاع الاقتصادية الراهنة التي يمر بها الشعب اليمنية، مشيرا الى ان دخله المتدني يحتم عليه الذهاب الى هذه البسطات بدلا من المكتبات العامة التي تبيع الكتاب بسعر مرتفع (مقارنة بالدخل).
وأضاف الدكتور العلكي انه على الرغم من ان بيع الكتب والمجلات على الأرصفة قد ينظر إليه البعض على انه مسألة غير حضارية، إلا انه يرى عكس ذلك فهذه المهنة تساهم جزئيا في إيجاد عمل لشباب لا يجدون عملاً كما انه مصدر للرزق والكسب الحلال، مضيفا أن هؤلاء الباعة يعولون أسراً مكونة من 5 – 8 أفراد على الأقل وهذا بحد ذاته كافي لإيجاد مبرر مقنع لاستمرار هذه المكتبات، أضف إلى ذلك الدور التنويري الذي يقوم به هؤلاء الباعة بتوفير الكتاب الرخيص وجعله في متناول الفقير والغني على حد سواء.

اعتراف رسمي

ترخيص الوزارة
أخيراً.. أجمع الباعة الذين التقيناهم على مطلب واحد وهو الاعتراف بهم رسمياً من قبل أمانة العاصمة والبلدية ووزارة الثقافة، واعتبار مهنتهم مهنة تثقيفية تعود بالفائدة على المواطن الذي لا يستطيع شراء ما يقرأه من المكتبات العامة المعروفة نظرا لدخله المتدني، وبالتالي فهم يطالبون بالسماح لهم للقيام بعملهم بحرية ودون أي إزعاج، بل ومحاولة تخصيص شارع معين لهم (ولو بإيجار) كما هو الحال في البلدان العربية الأخرى كالقاهرة ودمشق وبغداد والخرطوم وعمّان وغيرها من العواصم العربية التي خصصت شوارع معينة لباعة الأرصفة ومكنتهم من ممارسة أعمالهم بكل حرية، بل وأصبحوا عاملا من عوامل النظام والنظافة التي تسعى إليها أمانة العاصمة، إضافة إلى دورهم الرئيسي في الثقافة والتثقيف.