أسامة العيسة من القدس: عاش أسامة مناصرة في قرية وادي فوكين الفلسطينية، جنوب القدس، ومثل جميع أطفال القرى كان يسمع، من حكايات الآباء والأجداد، عن كرامات الأولياء الصالحين، ولم يكن يدر بخلده انه عندما يكبر، ستتحول الحكايات عن الأولياء موضوع دراسة ينال عنها الدكتوراة في التاريخ بعنوان (تقديس الأولياء-مشاكل النشأة و الظهور).
قال الدكتور مناصرة لايلاف، بان الموضوع يثيره منذ زمن، وعندما كان يبحث عن موضوع لأطروحته، حيث كان يخطط لتناول جانبا من الحضارة العربية-الإسلامية، قرر دراسة ظاهرة الولاية.


ثوب إسلامي..!
يرى مناصرة ان ظاهرة الأولياء بدأت متأخرة نسبيا في العصر الإسلامي، وتحديدا في بداية القرن الثاني الهجري، وبروز الصراع في الدولة العربية-الإسلامية.

مقام يوسف
وحول كيف بدأت، وما هي مصادرها يقول مناصرة "في البداية لابد ان نقرر، انه من وجهة النظر الدينية اعتمادا على القران الكريم، لا توجد –ولاية-، ولكن أهم أسس هذه الظاهرة، هي المعتقدات العربية قبل الإسلام، يضاف إلى ذلك التأثير الفارسي والمسيحي، وأول بروز لفكرة الولاية كانت لدى الشيعة، عندما أعطوا صفة الولاية للخليفة الراشدي علي بن أبي طالب، على اعتبار ان الرسول (ص) هو الولي الأول، وينتقل النور منه لأقربائه، كما لدى الديانة الفارسية السابقة على ظهور الإسلام، لكن الذي رسخها بشكل أساسي، بروز الصوفية التي نشرت الفكرة بداية في الكوفة".
ويضيف عن سبب لجوء الصوفية للولاية "الصوفية كانت حركة جديدة في الإسلام، وكان لابد ان تجد موطيء قدم لها في الإسلام، وهي أكثر الحركات بعدا عن (الدين الرسمي) ان جاز التعبير، ولم يكن بالامكان لأي حركة أو فكر ان يعيش دون التأقلم مع الدين الرسمي، ولذلك كان على كثير من الآثار والمعتقدات والعادات التي حاربها الإسلام، ان تلبس ثوبا إسلاميا، وكانت هذه الطريقة أهم واخطر مسالة في –الولاية- ومعبرا للفكر غير الإسلامي في الإسلام".
ويشير مناصرة بان انتشار ظاهرة الولاية على المستوى الشعبي "بدأ في القرن الثالث الهجري، عندما سيطرت الصوفية ولعبت دورا هاما في العالم الإسلامي، بحيث انضم إليها الكثير من الشخصيات الإسلامية المرموقة ورافق انتشار الصوفية، انتشار واسع لأفكارهم وأهمها كانت فكرة الأولياء".
ومع الانتشار الشعبي للأولياء انتشرت أيضا كراماتهم وعن ذلك يقول مناصرة "لقد منحوا أنفسهم القدرة على اجتراح الكرامات، التي هي عبارة عن معجزات بتسميات أخرى، ولكن الأهم أنهم فرضوا أنفسهم على المجتمعات الإسلامية، واضطر قادة العالم الإسلامي للاعتراف بهذه الكرامات".
ولم يكن الأولياء متشابهين ولكنهم أنواع مختلفة وحسب المفاهيم الصوفية كما يقول مناصرة "يقسم الأولياء إلى قسمين، أولياء في حياتهم وأولياء بعد مماتهم، في البداية كانوا ينسبون الكرامات للذين ماتوا، ثم أصبحوا ينسبونها لأنفسهم وهم مازالوا احياء، ورغم ان الكرامات كانت عبارة عن خيالات إلا ان المثير للانتباه ان الذين رفضوها هم فقط المعتزلة".


معتقدات شعبية
في كل بلد عشرات الأولياء ولكن قلة منهم لهم شهرة واسعة ومن اشهرهم في مصر مثلا كما يقول مناصرة "هناك ذو النون المصري والسيد البدوي، واحتفالات الشيخ البدوي اليوم تفوق الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف مثلا بدرجات، وبالمناسبة، الاحتفال بالمولد النبوي كان تاريخيا من ابتداع

مقام لاحد الاولياء
الصوفية، ليكون مبررا لاحتفالهم بالأولياء الصوفيين، وفي السودان لاتكاد تخلو قرية من ولي أو شيخ أو شخصية لها صلة بذلك، بل يكاد يكون لكل قبيلة أو فئة وليا أو شيخا خاص بها".
اما في فلسطين، فحجم ظاهرة الأولياء كان كبيرا حتى بداية القرن العشرين، وحتى اليوم في كثير من القرى توجد زوايا و أولياء تابعة لبقايا الفرق الصوفية والتي مازالت تنشط حتى الان.
ولكن لماذا انحسرت هذه الظاهرة في فلسطين، يرى مناصرة ان "المسالة لها علاقة بانتشار الوعي الديني والقومي والسياسي، وتراجع الحركات الصوفية بشكل ملحوظ".
وكلام مناصرة لا ينفي وجود أولياء لهم قداسة كبيرة مثل الولي المعروف الخضر، والذي تنتشر مقاماته العديدة في كافة مدن فلسطين التاريخية من البحر الأبيض المتوسط وحتى نهر الأردن.
ويفسر مناصرة الوجود القوي للخطر قائلا "الخضر من الشخصيات التي تبنتها الحركات الصوفية، وورد ذكرها في الدين الإسلامي، صحيح انه لم يرد ذكر للخضر بالتحديد، ولكن وردت قصة الخضر، وفي التفسير وجدوا ان صاحب القصة هو الخضر. أما لماذا تبنتها الصوفية؟ لان الشخصية تناسب الوعي الصوفي، فهو من ناحية ليس نبيا، وفي الوقت نفسه يتمتع بمعجزات الأنبياء فوجدوا لذلك مبررا لإضفاء المعجزات على الأولياء وهم ليسوا أنبياء".
وعن الخلط في الوعي الشعبي، بين الخضر ومار جرجس، يقول مناصرة "لا توجد علاقة مباشرة بين الاثنين، لكن الخلط يكون فيما ينسب من معجزات وقدرات للاثنين، واشك في ان الناس يعرفون الفرق بينهما".
ويجمع المسلمون والمسيحيون على تقديس الخضر وعن ذلك يقول مناصرة "هناك أشياء مشتركة بين المسيحيين والمسلمين، مثل وجود الأولياء لدى الطرفين، والمسيحيون اسبق في هذا الشأن لسبب بسيط وواضح، ان المعتقدات حول هذه المعجزات هي معتقدات شعبية قديمة لدى كل الشعوب، ينسبونها لآخرين في فترات مختلفة من التطور، وعندما يحاول الدين نسف المعجزات ينقلوها للأولياء.


كرامات..!
ويلاحظ مناصرة ارتباط الأولياء بالشفاعة لدى الشعوب التي تقدس الأولياء ويرى ان ذلك يعود لجذور قديمة "العرب في الجاهلية كانوا يلجاون إلى الشفاعة والواسطة بين الإله والإنسان، وعندما جاء الإسلام وحطم الأصنام ونسف المعتقدات الخاصة بذلك، كان على هذه المعتقدات مثل الشفاعة، ان تعود بطريقة أخرى مثل الأولياء، الذين ينسبون إليهم العلم بالغيب واحياء الموتى وشفاء المرضى، ومثل الشفاعة هناك النذور التي لها جذور قديمة وجاهلية عندما كان العرب يقدمونها للآلهة".
والموضوع الأبرز الذي يرتبط بالأولياء هو حكايات الكرامات، التي تنسج حول الأولياء وعن ذلك يقول مناصرة "هذا موضوع طويل، ولكن كل حكاية أو كرامة لها في الواقع جذورا قديمة شعبية، مثل الذين مارسا الجنس، كما تقول الحكاية في احد مقامات الأولياء فسخطهما، وهذا يذكر بحكاية –أساف ونائلة- في الجاهلية، وهناك قصص غريبة مثل احد الأولياء الذين كانت تنسب له حكاية جنسية مثلية شاذة، وكان أتباعه يعتبرون ان من وراء ذلك لابد ان يكون قصدا معينا لا يستطيعون فهمه، وهناك احد الأولياء في مصر روى عنه انه كان يضاجع العاهرات، وان معجزته ان كل داعرة ضاجعها لم تعد أبدا لعملها السابق في بيع الهوى، فأصبحت كل من تريد التوبة عن عملها تذهب إليه وتنام معه فتتوب.
وهناك كرامة لأحمد الرفاعي، احترت في تفسيرها، وهي انه كان يذوب فيصبح قطرة ماء ثم يعود كما كان، وأتباع الرفاعية ما زالوا حتى الان منتشرون في أجزاء من سوريا والعراق والأردن وفي السابق كان لديهم وجود في فلسطين.
ويقوم أتباع الرفاعية حتى الان في المواسم، بألعاب تشبه الألعاب البهلوانية، مثل القفز من النار والطعن بالرماح والسيوف وغيرها.
ومن المعجزات أو السلوك الذي له جذور في حضارات أخرى، ما كان يحدث لأحد الأولياء الذي يروى عنه انه عندما كان يمشي ينظر للأرض خوفا من دوس ذبابة أو نملة، وإذا حطت بعوضة على يده يتركها –تلقط رزقها- وفي هذا إشارة واضحة جدا لديانة هندية قديمة تسمى –الجنية- حيث يتصرف أتباعها بهذا الشكل لأنهم يؤمنون بتناقل الأرواح.
وهناك السيد البدوي، الذي كان يسير ويقوم بأعماله –ملثما- ولايكشف وجهه أبدا، وبعد إلحاح احد المريدين الذي طلب رؤية وجهه حذره السيد البدوي بأنه لن يتحمل نور وجهه، ولكن المريد أصر، وعندما كشف عن وجهه خر المريد صريعا…!، وبهذه الحكاية، كما هو واضح يرفعون السيد البدوي إلى مرتبة الألوهية…!".


دور سياسي…!
وردا على سؤال حول الدور السلبي الذي لعبته ظاهرة الأولياء، أجاب مناصرة "في البداية لا بد من الإشارة إلى ان الحركة الصوفية في بدايتها كانت حركة جماهيرية تغيرية، ولكن مع ظهور الفرق الصوفية في نهاية القرن الرابع الهجري، تقوقعت الحركة وأصبحت لها شروطها للعضوية، وفي داخلها ترتيب معقد يشبه فرقا هندية وصينية كثيرة.
وإذا تحدثنا عن الدور السلبي، فان نابليون مثلا استغل هذه الظاهرة قبل دخوله مصر ودس فرنسيين في الفرق الصوفية قبل الحملة على مصر، وعندما بدأت الحملة، أشاع هؤلاء المندسين ان –الدنيا أخر وقت- ونصحوا الناس بالهرب وهناك جانب أخر يتعلق بما يشير إليه الباحثون والمستشرقون من وجود دينين في عالم المسلمين: الأول دين شعبي والثاني دين رسمي، وصحيح ان هذه الظاهرة تتضاءل ولكنني لا أتوقع ان تزول، فالناس لا تعرف أصول العادات والتقاليد، وتعتبر كل ذلك من الدين".
وعن علاقة الشعوذة بالأولياء، وما الفرق بين المجتمعات الشرقية والغربية في النظر لمسالة الأولياء يجيب مناصرة "الأولياء استخدموا الشعوذة وكانت جزءا من نشاطهم، و بشكل عام هناك أمور كثيرة مشتركة في بلادنا بين المسلمين والمسيحيين فيما يتعلق بالخوارق ونسبتها وطابعها الشعبي، وكذلك بين الشرق والغرب، ومهمة الأولياء الوساطة بين الفرد والإله وعمليا في هذه النقطة، كلنا في الهم واحد شرقا وغربا، فالأولياء هم حملة ما تبقى من معتقدات وأفكار قديمة".