اللبنانيون يطاردون شبحاً ويسألون أين "الحكيم"
جعجع خرج سرا من السجن


ايلي الحاج، بيروت*: خرج سمير جعجع من سجنه في وزارة الدفاع اللبنانية ولكن أين هو؟ السؤال شغل الصحافيين والمصورين في بيروت ولم يلق جواباً حاسماً، رغم تأكيد قيادة الجيش في بيان أصدرته ليلاً أنه لا يزال في المكان الذي كان فيه و لم يطلب تغييره، كما أن القيادة لم تتلق أي إيعاز من المراجع القضائية في هذا الشأن . فالناس في لبنان الذين يهوون الشائعات عادة، سواء تعلقت بسياسي أو أي وجه اجتماعي، لم يصدقوا . ولا صدّق الصحافيون الذين بدوا في بحثهم عنه في الأمكنة التي يُحتمل أن يكون قد انتقل إليها كأنهم يطاردون شبحا.ً ولم يقضِ على الشائعات تأكيد النائب في كتلة جعجع النيابية جورج عدوان أن الرجل لا يزال في وزارة الدفاع وأنه زاره فيها أمس، رافضاً الإفصاح عن المكان الذي سيقيم فيه بعد خروجه من الوزارة (اليوم إذا لم يكن قد خرج فعلاً) حتى سفره. و كان أحد آخر من شاهدوا قائد "القوات اللبنانية" الذي تنتظره طائرة حليفه زعيم تيار"المستقبل" سعد الحريري في مطار بيروت - مطار رفيق الحريري- للإقلاع به إلى فرنسا على الأرجح الثلاثاء المقبل، هو جرجس الخوري، الشاب الذي أمضى هو أيضا 11 عاماً ويزيد في السجن الانفرادي بتهمة المشاركة في تفجير كنيسة عام 1994، وقد قال لزواره في منزله الوالدي بعد إطلاق سراحه بموجب قانون العفو إنه رأى جعجع يتمشى منشرحاً في ساحات وزارة الدفاع الواسعة في اليرزة وحوله ضباط يمازحهم. وانطلقت الإشاعات والتكهنات لاحقاً من نقطة أن السجين السياسي الأكثر شهرة في تاريخ لبنان الحديث غادر الوزارة في الليل في موكب لم يعرف أحد اتجاهه، وإن التدابير التي كانت تواكب سجنه في اليرزة قد ألغيت. وانتشرت على الأثر حمى البحث عن مكان وجوده . وخصصت صحف ووسائل إعلام فرقاً من الصحافيين والمصورين لملاحقة الخبر وتغطيته. وقيل أولاً أنه في قصر لرئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في منطقة فقرا في أعلى مرتفعات منطقة كسروان وسط جبل لبنان ، و هو قصر محمي حتى الطيور لا يمكنها الوصول إليه، وفق تعبير لبناني شائع، لكن القريبين من زعيم "تيار المستقبل" نفوا صحة الخبر. فتبدد السراب . وقيل من ثم أن جعجع مقيم في فيللا يملكها الثري عدنان الخاشقجي وتقع في منطقة اليرزة، بجوار مقر وزارة الدفاع، حيث تسهل على وحدات الجيش حمايتها. و هرع صحافيون إلى هناك فوجدوا الفيللا شبه خالية.

وسرت شائعة أخرى أنه في فيلا لعدوان نفسه في منطقة بين برمانا وبعبدات وسط المتن الشمالي ، وسرعان ما تبددت أيضاً. و قال بعضهم إنه في جناح في فندق "فينيسيا" المجاور للمكان الذي اغتيل فيه الرئيس الحريري في بيروت، ورغم أن هذا القول يصعب تصديقه بسبب الاعتبارات الأمنية المحيطة بالرجل على الأقل، فقد تلقى الفندق عدداً كبيراً من الاتصالات في هذا الشأن. وقيل لاحقاً أنه في جناح ("سويت") في الوزارة، بمثابة منزل كامل ويمكنه استقبال أي كان ولا قيود عليه إطلاقاً. فحاول بعض الصحافيين عبثاً دخول الوزارة للتأكد. في هذا الوقت كانت والدته تقول لبعض المستفسرين إن ابنها لن يغادر لبنان من دون أن يلتقيها وإنها ستلتقيه مع والده اليوم، لكنها لا تدري أين، و كانت في منزل جعجع الوالدي في بشري مسقط رأسه ولم تبرحه أمس.

و تلقى صحافيون معلومات عن إجراءات أمنية وقائية كانت تتخذ في مقر الإقامة الصيفي للبطريرك الماروني نصرالله صفير في بلدة الديمان الشمالية المجاورة لبشري، فاستنتجوا أنه حل ضيفاً لأيام على البطريرك الذي دافع عن قضيته طوال مدة سجنه. وانهالت الإتصالات المستفسرة عن الخبر على مساعدي صفير الذين قالوا أنهم في انتظار وصول النائبة ستريدا زوجة جعجع على رأس وفد من النواب"القواتيين" لدعوة البطريرك إلى المشاركة في حفل استقبال لجعجع يُقام قبيل سفره في صالون الشرف في مطار بيروت ويضم نحو 350 مدعو، منهم 150 من كوادر تياره السياسي والباقون سياسيون ونواب يتقدمهم سعد الحريري، وربما رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط الذي لم يلتق جعجع ولا مرة رغم أن حلفا سياسياً وانتخابياً يجمع بينهما.

و من المقرر أن يلقي قائد "القوات" في الحفل كلمة كتبها بنفسه في 15 ورقة وتنقل مباشرة على الهواء. وعلم أنها ستتضمن وجدانيات وخلاصة تجربته وآرائه بعد 11 سنة و3 اشهر أمضاها في السجن، على أن يتطرق إلى الأمور السياسية في شكل عام من دون أن يدخل في التفاصيل.
وحتى هذه اللحظات لا تزال حمّى البحث عن جعجع مستمرة.

مقابلة في السجن
واليوم نشر الصحافي فارس خشان في صحيفة "المستقبل" البيروتية مقابلة أجراها مع جعجع في سجنه في 5 من الشهر الجاري، قبل صدور قانون العفو في 18 الجاري ، هذه مقتطفات منها: "أول المحرَّمات الواجب التخلص منه، قبل ولوج "غرفة المواجهات" هو القلم. هناك تدرك بالفعل أن القلم سلاح حقيقي. وثاني الواجبات التي عليك التزامها هي المدة: "لديك ساعة واحدة". هناك تتعلم ـ بالقوة ـ قيمة الدقائق لا بل الثواني.

في الغرفة الصغيرة المشطورة بفاصل زجاجي مخرَّم وسطه كأنه شبك لـ"فلترة" الكلام، يطل عليك رجل طويل القامة، نحيل الجسم، مستقيم الظهر، رافع الرأس... وتنسى أين أنتَ. يستقبلك سمير جعجع كأنك في منزله. تبقى واقفاً رغم أن الكرسي تناديك إلى الجلوس. هو يحدّق في عينيك، كأنه يبحث عن سبب غير معلن لزيارتك. وأنت تحدّق في عينيه، كأنك تتأكد من صحة ما يتردد عن أن "سمير جعجع لا يزال هو، هو".

لحظات و"يأمر" سمير جعجع بوقف "عمليات التقصي": "تفضّل". يقولها بنبرة قيادية، ويشير بيده إلى تلك الكرسي الذي كنتَ لتوِّك قد نسيت وجوده.

أوَّل ما تكتشفه في هذا "القائد السجين" ذاكرته الثاقبة. لم يسبق أن التقيته وجهاً لوجه، حين كان "الآمر الناهي". يعرف ذلك. و لكنني أمضيت معه سنوات في المجلس العدلي. هو في "قفص الاتهام" وأنا على بعد عشرة أمتار، في "قفص الصحافة" المقابل له تماماً. يذكِّرني بما كنت أفعله. بنظراتي. بتفاعلي. بانكبابي على الكتابة. بعد ذلك، ومن مدخل الاسم والمنطقة، يغوص معك في موضوع هو خليط من الفلسفة والروحانية، يدل على أن "هوى التصوّف" عند مَنْ عُرف يوماً بـ"ناسك القطارة" قد أصبح أكثر تبلوراً، لدرجة تحسب معها أن هذا القائد العسكري السابق اندمج في مدرسة التصوُّف الروحاني.

وأنت تسمع ما يقوله جعجع، تُدرك مصدر القوة لصموده. تعرف أن الوحدة كانت صاخبة بالتواصل بين الأرض والسماء، بين الزنزانة والمنزل، بين الباب الحديدي وبين رفاق السرّاء والضرّاء، بين الجسد المعزول وبين الروح العاشقة، بين الحروف النائمة في الكتب وبين الحياة الصاخبة في المجتمع.

وسط استرسال جعجع في الكلام على "التصوّف"، وهو لا يكف عن التحديق فيك كأنه "نسر في قفص"، تتزاحم الأسئلة في داخلك: هل يقطع الوقت لئلا يحدِّثك بما أنت آتٍ من أجله؟ هل يريد أن يقيس مدى صدقك من خلال قياس اهتمامك بما يقوله؟

وكأن أسئلتك الصامتة تصل إليه. ربما "زوغان" المقلتين يشي بما يعتمل في عقلك. يتوقف فجأة. يترك لك مجال الكلام، كاشفاً أمامك أن زوجته السيدة ستريدا جعجع التي غادرت، منذ بعض الوقت، أبلغته بحضورك الذي سبق واستأذنتها القيام به. وهنا تدخل إلى "عالمك اليومي"... إلى السياسة، من بوابة ما يعرفه عن مواقفك السياسية.بداية، ينطلق الحديث عن الأحكام القضائية الصادرة بحقه، فيؤكد أنها بنيت على "تحقيقات مركَّبة" ويشير إلى أن وجوده حيث هو "مجرد ظلامة". ثم يفتح "الكتاب" على صفحة النائب سعد رفيق الحريري الذي زاره، قبل أيام، فيشيد بمزاياه، ولكنه، ولم تكن التفاصيل قد أصبحت واضحة لديه، يسأل عن سبب عدم تفاهمه مع العماد ميشال عون "رغم أنه قال لي حين أتى إلى هنا أنه سوف ينفتح على العماد عون. ذهب من هنا بمناخ، ولكن هذا المناخ حصل عكسه في الخارج".

بعد الشرح، يهز جعجع رأسه موافقاً على أن الحريري خرج من عنده بخطة نفذها بحذافيرها. تشعر أنه مطمئن. هل تراه كان يقيس طاقة هذا الداخل حديثاً، وبقوة، إلى عالم السياسة، على الالتزام بما يقطعه من وعود؟ هل كان يفكر بما إذا كان الحريري سيبقى مصرّاً على أن يصدر قانون العفو؟

في الفصل نفسه، يحضر النائب وليد جنبلاط. لا أحكام لدى جعجع حول ما يقوم به جنبلاط في السياسة، ولكنَّ أسئلته ليست قليلة. بالمحصلة، تستشعر أيضاً، أنه يقيس التزام جنبلاط بوعود حملته الانتخابية، لأنه بعد الشرح تلمس أنه أصبح منشرح الصدر.

وبعد سؤاله عما إذا كنت قد انتخبت اللوائح التي خاضت "القوات اللبنانية" على أساسها الانتخابات النيابية، يتسلل الكلام إلى مسألة العماد ميشال عون وما حصده من نتائج في الدوائر الانتخابية، ويقول: "علينا أن نحترم إرادة الشعب التي انتخبت العماد عون. فهؤلاء انتخبوه لأنه جسد لهم رمزاً ليقولوا لا، ضد من سببوا معاناة نفيه. ضد من وضعني هنا. ضد مَنْ ألقى القبض على شبابه وشبابنا. ضد كل الاضطهاد الذي تعرّض له الناس. ضد كل الممارسات الخاطئة. في العام 1992، هناك نائب في جبيل انتخبه فقط أربعون شخصاً ووضعوه على الرأس والعين، الآن هناك نائب حصل على أكثر من 62 ألف صوت، فهل تأتي إليه وتقول له أنت لا شيء؟ أبداً، يجب أن نقر له بقوته التمثيلية، ونتعاون معه".

الشعب والحريري
وعند هذه النقطة، يتوقف بإعجاب عند التغييرات "الهائلة" التي حصلت في لبنان، ويركز على "أهمية الشعب اللبناني الذي لا يموت مهما حاولوا قتله". تلك المشاركة "العظيمة في 14 آذار 2005، منوّهاً برد الفعل على اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي سبق وأقام علاقة ممتازة معه، بين العامين 1992 و1994 واجتمع به مراراً، بصورة علنية أحياناً وبصورة غير علنية في أحيان أخرى بحضور عروسه آنذاك ستريدا.

وبعد أن يُعرب عن اعتقاده أن سوريا لا تزال فاعلة في لبنان من خلال بعض القوى السياسية، وإذ يتساءل عما إذا كان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد اندمج في عباءة "حزب الله"، بفعل التطورات الأخيرة وارتداداتها على الطوائف اللبنانية، يتوقف عند أهمية الروح النقدية لدى قوى اليسار اللبناني، مستذكراً أنه طالما كان معجباً بهذه الروح النقدية التي يمكن القول انها متوافرة لدى "القوات"، مشيراً إلى أنه لم يكن يوماً، يمينياً. لافتاً إلى أن اليسار، بالمعنى السياسي الحديث، هو وليد تعاليم السيد المسيح، وفق ما تدوّنه الأناجيل الأربعة. وهنا، يتذكر الشهيد سمير قصير، معتبراً أن اغتياله خسارة كبيرة للبلاد التي فقدت كاتباً لامعاً ومفكراً نقدياً مرموقاً "والله حرام... والله حرام"، وبعد الكلام على قصير يتوقف عند اغتيال الشهيد جورج حاوي "كانت لنا لقاءات جيّدة معه . هو أول مَنْ انفتح علينا. كان جريئاً. وقف إلى جانبنا يوم تركنا أهلنا. صرخ ضد الظلم الذي لحق بي، وبدل أن أشكره حين أخرج، ذهب إلى قبره. إنهم يخافون هؤلاء المفكرين والشجعان".

ثم تجول معه على الأزمات السياسية التي سبقت تشكيل الحكومة، فيلفت إلى أن لبنان حُرم منذ العام 1991 حتى اليوم حقه في إقامة نظام سياسي سليم يقيه الخضات المتلاحقة. لقد ركبوا طريقة للتحكم بالبلاد، تحت مسمَّى "النظام السياسي"، في عهد الاستقلال الأول وضع بشارة الخوري ورياض الصلح ميثاقاً لحكم البلاد. كانت هناك آلية واضحة. نحن كنا ضدها نعم. كنا نعتبر أنها تلحق الظلم الأكيد بالطوائف الاسلامية في البلاد. أكيد. ولكن هناك نظام. الآن لا يوجد هذا النظام، يجب إقامته من أجل ضمان المستقبل".

وتحاول أن تكمل الحديث. يدخل إليك أحد الحرّاس. يبلغك بأن الوقت المخصص للمواجهة انتهى. تنظر إلى الساعة. ستون دقيقة مرَّت؟ والله كأنها ثانية. يقف سمير جعجع. تقف معه. يودعك: "نلتقي خارجاً، إذا شاء الله".تنظر إليه آخر النظرات المتفحصة، وهو يبتسم لك. تلمح أن بشرته شاحبة. أسنانه البيضاء دابغة. لا تجزم. قد يكون الضوء ولون الجدران والعازل الزجاجي. تترك باب مقر السجن. تخرس. تتأمل. تتأثر. ولكن يبقى السؤال يضج في رأسك كما في وجدانك: مَنْ هو هذا الخارج قريباً إلينا؟ كيف سيتفاعل مع الواقع اللبناني؟ وبأي طريقة سيستقبله مجتمع سياسي اعتاد منذ 11 سنة وأربعة أشهر على غيابه كمعادلة وحضوره كقضية؟".

*خاص بإيلاف