الباشا... يتحدث بعد خمسين عامًا من الغياب 1888 ndash; 1958
نوري السعيد: الإشتراكية لا تطبق بالعافية (4/4)

نوري السعيد: كولونيل الماني كان السبب في تغيير حياتي (1/4)

الباشا .. يتحدث بعد خمسين عاماً من الغياب 1888 ndash; 1958
كاد أن يهزمه التيفوئيد .. ولكن حياته انتهت بالرصاص (2/4)

زيد بنيامين من دبي:
منذ عام 1950 وحتى عام 1958 ضخ نوري السعيد أكثر من 250 مليون دولار في الاقتصاد العراقي، وهو الأمر الذي وفر فرص عمل كثيرة جعل حركة العراقيين من الريف الى المدينة واضحة quot;الناس لديهم وظائف الآن، ويعيشون بصورة أفضل، هناك عراقيون يجنون 2.8 دولارًا يوميًا في وظائف دائمة دون أن يأخذوا أموال قليلة من هذه المنظمة أو تلك ليخربوا بلدهمquot;.اصبح نصيب الفرد في ثروته القومية حوالى 140 دولارًا سنويًا بعد أن كانت 84 دولارًا قبل بدء عقد الخمسينات.
العراقيون باتوا ينتقلون في عهده إلى دمشق عبر باصات مكيفة... كما أصبحت البصرة قريبة بعد أن تم شق الطرق إليها.وعلى الرغم من كل هذه التطورات إلا أن راتب صبرية السعيد شقيقة نوري بقي كما هو 5.6 دولارًا شهريًا تستلمها من وقف بغداد كون زوجها شهيد ايام حروب الدولة العثمانية.
كانت مشاريع الطرق السابقة في العراق قد تم اعتمادها من دون ان يتم الاعتماد على عمليات البحث والاستقصاء حيث تم رصف العديد من الطرق في العراق في مناطق كانت تقع تحت منسوب المياه الجوفية وقد شكل نوري مجلسًا من القضاة للحكم في قضايا الاسراف من هذا النوع، وقد اسفر عمل اللجنة عن اقصاء 300 مسؤول عن مناصبهم منهم 7 محافظين.دعم نوري السعيد الشيوخ ومالكي الاراضي بصورة قوية quot;فنحن لا نريد ان نجبر الاشتراكية لتطبق على العراق ولتسقط ابناء الشعب بسبب من اطلق العنان لحناجرهمquot;.

كان نوري السعيد يفكر دائمًا في دولته الصغيرة التي يجب ان تنضم الى اي حلف لتتغلب على هذه العقدة quot;يعتقد عبد الناصر انه سيربح جماهيره لو نادى بالـ (الحياد الايجابي)، ولكن التاريخ سيلعن من يتلاعب بعواطف الجماهير، مقابل التضيحة بالمصالح الوطنية، بالنسبة إلى البلدان الصغيرة فإن الحياد قد يكون كارثيًا، والعراق بلد صغير ولا يستطيع ايقاف الغرب او الثقافة الغربية او ان يصدر النفط لنفسه، واذا جربت ان تكون حيادياً فإن نفطنا سيبقى تحت الارض، وسوف ينتشر الفقر فوق الارض وستفشل الاشتراكية في النهايةquot; كانت تلك الكلمات ثورية وقتها لانها خرجت من فم عربي في وقت كان يظهر رجل قوي في العالم العربي وذلك في العاصمة المصرية القاهرة.
ولم تنجح المحاولات العراقية في اثناء عبد الناصر عن ممارسة دعايته عبر اذاعته في العراق ففي في السابع عشر من مايو 1957 فقد اصدر كل من الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية والملك فيصل ملك العراق بيانًا يدعوان فيه بشكل مشترك الى منع تدخل اي دولة عربية في شؤون دولة عربية اخرى، خصوصًا بعد ان استهدفت الاذاعة المصرية كل من الاردن، العراق ولبنان في بثها وجاء هذا التحول بعد اسبوعين فقط من امر اصدره الملك سعود بوجوب اعادة ترتيب امور القاعدة المصرية في العاصمة السعودية الرياض وهو ما عد ضربة لجهود عبد الناصر في كسب ود السعودية.
وقد اكد الملك سعود انه يظن ان العرب قادرون على quot;اعادة عبد الناصر الى صف العرب الوسطيين في المنطقة العربيةquot;، اما نوري السعيد فقال quot;للعرب خياران، امام التحالف مع الغرب، او التحالف مع موسكوquot; وانه سيبقي قانون الطوارئ مطبقًا في العراق ما دام الشيوعيون نشطين في كل من الاردن وسوريا، وإن أي خطوة للتقارب مع مصر يجب ان تتخذ من قبل جمال عبد الناصر وليس اي شخص اخر واول خطوة في ذلك ايقاف الهجوم الاعلامي على العراق، مضيفًا quot;يجب على اسرائيل حل مسألة اللاجئين قبل ان تتوقع ان يجلس العرب معهاquot;ومتسائلاً quot;كم هي أعداد السفن التي يمتلكها الاسرائيليون؟ إنه رقم بسيط، واغلاق السويس امامهم ليس القضية بل القضية هي وجود مليون لاجئ فلسطيني، ونحن ندعم مصر في هذه القضية تحديداًquot; ويؤكد انquot; من يقول اننا اعتقلنا ما بين 8 الاف و 20 الف عراقي مخطئ، العدد كله 49 شخصًا اغلبهم من الشيوعيين ونأمل ان نطلق سراحهم قريبًاquot;.
في ديسمبر 1957 زار نوري العاصمة الاميركية واشنطن في مسعى منه لحل الصراع العربي الاسرائيلي على الرغم من انه لم يكن يتولى رئاسة الوزارة في العراق او اي منصب وزاري اخر ورغم ذلك كانت العاصمة الامريكية تعرف مدى تأثيره على السياسة العراقية وغالباً ما كانت تطلق عليه الصحف الامريكية لقب (سيد العراق) واعتباره السياسي العربي الوحيد الذي يفخر علناً بعلاقاته مع بريطانيا.
بحلول العام 1952 بدأت زيارات نوري السعيد الطبية الى لندن تزداد شيئاً فشيئاً لكنه رغم ذلك كان يحتفظ برشاقته لدى وصوله الى الولايات المتحدة وحينما سئل العام 1957 ان كان ينوي الترشح للانتخابات في العام التالي قال نوري quot;لا اعرف شيئاً عن انتخابات 1958 وان كنت سارشح نفسي، ما اعرفه الان انني قد كبرت على ذلكquot;.كان نوري يؤمن ان القوة الجديدة في المنطقة تملك القدرة على وقف الصراع العربي الاسرائيلي فهم برأي السعيد quot;يملكون القوة لفعل ذلك، والامر يتعلق بهمquot; بينما اكد الاميركيون ان ما يريده السعيد هو quot;فرض الحل بالقوةquot; وهو ما يرفضونه.
ودعا الباشا في عدة مناسبات علنية الى ضرورة تطبيق قرار الامم المتحدة للتقسيم الصادر عام 1947 من اجل حل القضية الفلسطينية وضرورة ان تكون هناك مساعدات للاجئين الفلسطيين مساوية للمساعدات التي تأتي الى اسرائيل في وقت كان يدعو الكثير من السياسيين الاميركيين الى ضرورة ان يتم توطين اللاجئين الفلسطيين في الاماكن الجديدة الصالحة للزراعة في العراق والتي اسهم في زيادتها خطط مجلس الاعمار بقيادة نوري السعيد نفسه.
ورأى نوري ان حل القضية الفلسطينية يجب ان يكون الخطوة الاولى في مقاومة الشيوعية لأنه سيمنع الاتحاد السوفياتي من التلاعب بمشاعر العرب والفوز بالدعم في منطقة الشرق الاوسط. واكد نوري السعيد ايضا على ضرورة ان يتم دعم حلف بغداد بانضمام الولايات المتحدة الاميركية اليه ولهذا جرى الترتيب لعقد مؤتمر لندن في نهاية يوليو 1958 وبدل ان يعقد لوضع الولايات المتحدة امام الخيار الصعب، اصبح حلف بغداد من التاريخ برحيل عرابه نوري السعيد.
كان نوري السعيد قد نجح في الهرب حينما انتقل الى منزل الاستربادي وارتدى مع اثنتين من نسوة العائلة ملابس السيدات قبل ان توقفهم نقطة تفتيش في الطريق ونظير فعلته هذه تم تجريده من ملابسه ووقف عارياً في شمس الظهيرة قبل ان تهجم عليه الجموع
لم يكن رحيل نوري ليتم بهدوء فبعد اشهر من مقتله اكدت مجلة التايم الامريكية ان لنوري حفيد عمره 16 عاماً يعيش في قرية اسرائيلية تقع على الحدود تسمى (كيبوتز) وقد ادعت (ناديا ماساليا) انها التقت ابن نوري الوحيد صباح في بداية الثلاثينات حينما كانت تربط عائلتها التي تعمل في القطاع المصرفي في بغداد بالباشا.وكان صباح المتزوج من مصرية قد وقع في حب ناديا وقد سبق ان التقيا في لندن ولبنان، طالباً منها ان تكون زوجته الثانية وقد تم الزواج في مدينة الموصل في عام 1939 وعاشت في احد منازل نوري السعيد وقد انتقلت الى فلسطين وقت انقلاب عام 1941 بقيادة رشيد عالي الكيلاني.
في عام 1942 ولد ابن صباح ودعي (احلام) وقد سبق لنوري باشا ان رعاه في سنواته الاولى واحتفظ بصوره على مكتبه ولكن بعد انتهاء ولكن بعد الانتهاء من الحرب العالمية الثانية زادت كراهية العراقيين لليهود بسبب التطورات في فلسطين وهو ما اسفر عن ابعاد ناديا عن منزلها في بغداد وقد انتقلت الى الجزء اليهودي من فلسطين عام 1946 والذي تحول الى اسرائيل عام 1948.
لكن عائلة نوري السعيد المتبقية (زوجته وزوجة ابنه صباح واثنين من ابناء الاخير) كانوا قد نجوا من المجزرة في بغداد بعد ان صادف وجودهم في لندن وقت وقوع الانقلاب ليتابعوا الحديث عن نوري الذي كان سلبياً دائماً رغم ان كلماته اثبتت انها باقية على مر الزمن بقوتها وبرجاحة عقل من قالها.