قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ليس اللقاء مع الإعلامية راغدة درغام، المؤسّسة والرئيسة التنفيذية لمؤسسة "بيروت إنستيتيوت" عابرًا. فهي صاحبة مقالة أسبوعية في "إيلاف"، وحاضرة دائمًا ضمن دائرة المؤثرين على صفحات "إيلاف" بتحليلها السياسي، وأفقها الاستراتيجي في التفكير العربي واسع النطاق، انطلاقًا من إمساكها بخيوط مهنة الصحافة الدولية منذ أمد بعيد، ما جعلها عنصرًا مؤثرًا في صوغ سياسات عربية تركز على المقدرات الكبيرة للمجتمع العربي، في خضم تحولات إقليمية ودولية غير مستقرة جيوسياسيًا.

عن قمة بيروت إنستيتيوت في أبو ظبي بنسختها الثانية، وعن القمة المنتظرة في الشهر الجاري، تتحدث راغدة درغام، بإسهاب في لقاء مع "إيلاف"، هذه تفاصيله:

ما هي المحاور الاستراتيجية الأساسية التي ركّزتم عليها في توصيات مؤتمر العام الماضي؟

حملت هذه القمة بنسختها الثانية عنوان "هيكلة بناءة لاندماج المنطقة العربية في المستقبل العالمي النامي". خرجنا بتوصيات مهمة، هي عبارة عن خلاصة يومين من المحادثات، جزء منها ليس للنشر وجزء منها تم في الجلسات العلنية، وهي مداولات بين كبار العقول في مختلف المجالات والقطاعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أو ما يسمى "عصر ذهن"، وهذه النتيجة توضع في خلاصة
تسمى التوصيات، ساعدنا في إعدادها الشريك المعرفي في القمة الثانية أي. تي. كيرني (ATKearney) . أما الشريك المعرفي في القمة الثالثة فهي شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PricewaterhouseCoopers) أو اختصارًا (PwC)، ونحن نفخر بتعاونها معنا بقدر ما تنعكس مشاركتها بأهميتها في صوغ التوصيات.

تركزت مداولاتنا في القمة الثانية على تطوير توصيات سياسات مجتمعية عملية من أجل هيكلة بناءة لاندماج المنطقة العربية في المستقبل العالمي النامي. وركزت هذه التوصيات على خمسة محاور استراتيجية أساسية وهي: تعزيز القوى الداعمة للاستقرار، أي إيجاد الظروف والقدرات اللازمة لتحقيق الاستقرار الأمني والمنهجي والمستدام؛ تسريع عجلة التنمية الاقتصادية الاقليمية المترابطة بمعنى تكثيف الاستثمار في التنمية والتكامل الاقتصاديين في المنطقة، توصية مهمة يجب على جميع القادة أن ينظروا فيها؛ تشجيع الحوكمة الرشيدة في كافة أنحاء المنطقة العربية. بمعنى توسيع نماذج الحوكمة الرشيدة لتحقيق اندماج أفضل للأفراد والمجتمعات المحلية؛ تمكين الشعوب المتنوعة في المنطقة العربية، فنحن في "بيروت إنستيتيوت" نحتفي بتنوعنا في منطقتنا العربية، بدلًا من الانكباب على خلافاتنا. ونعمل على تفعيل رؤية متسامحة وجامعة للمنطقة العربية تركّز على المستقبل بدلًا من أن يكون محور توجهاتنا الانقسامات الدينية والطائفية والعرقية. ضروري جدًا أن نفكر معًا حتى نبني الرؤية الجامعة للمنطقة العربية؛ وأخيرًا، تبني رؤية للمستقبل تحتضن التكنولوجيا.

نحن نستعد للنسخة الثالثة من القمة حول "عقد العشرينيات". ماذا علينا ان نتوقع؟ وكيف نستعد للآتي؟ لا بدّ من أن تكون التكنولوجيا من أسس تصوراتنا لعقد العشرينيات وللمستقبل.

هنا، نركز على تعزيز التكامل العربي مع شبكات الابتكار العالمية وعلى تحقيق القيادة والريادة التكنولوجية. هذه التوصيات مهمة لأنها تعطي القادة وصنّاع القرار السياسي بشكل خاص وتعطي أيضًا القطاع الخاص فرصة للنظر في وثيقة مهمة انبثقت عن عقول رائدة ومفيدة للنظر في السياسة المستقبلية.

الإحباط ممنوع
تمحورت قمّة بيروت انستيتيوت بنسختها الثانية حول أهمية صوغ هيكلة بنّاءة لاندماج المنطقة العربية في المستقبل العالمي النامي. ما المقصود فعليًا بهذا الاندماج؟

المقصود أننا في المنطقة العربية لسنا في عزلة عن العالم. نحن جزء من هذا العالم الذي يأتي إلينا لأن لدينا ما نعطيه. فالعالم للأسف يُخطئ بتقييمنا وما زال يضعنا في خانة الإرهاب كعرب، تبعًا للقاعدة ثم داعش وغيرهما. دفعنا الثمن غاليًا على خلفية هجوم 11 سبتمبر على برجي التجارة العالمية في نيويورك. كان من الضروري تحويل الحديث عنا كأبناء هذه المنطقة العربية من خانة الإرهاب إلى شعوب لديها الكثير مما تقدمه. فنحن نقدم الكثير من الفكر وليس فقط الموارد الطبيعية. لسنا فقط مصدرين للنفط. فالعقول العربية مميزة وليست باهتة، والمشكلة تكمن في عدم تأمين البيئة الضرورية لإنماء هذه العقول. لذلك نتحدث عن إجراءات ضرورية ودراسات معينة لهيكلة بناءة لاندماج المنطقة العربية، لا الإكتفاء بمواقف أو ندوات للتعبير عن الخيبة والخوف والحسرة والندم. يكفينا هذا الإحباط في المنطقة الذي يكاد يكون سيد الساحة في معظم الأحيان، خصوصًا بعد اقتناص الفرص وإنهاء محاولات الإنماء الجديد بتقويض الربيع العربي وتفريغه من أهدافه البناءة، ما حوّله إلى خريف وشتاء. فالشباب حاولوا، لكن ثمة من قنص أحلامهم وقطع الطريق على طموحاتهم.

أحاول أن أقول للجيل الطالع إن الإحباط ممنوع. عليكم ألا تستسلموا. فالاحباط ليس من شيم محبي الحياة والتواقين إلى العطاء. لسنا كلنا في أسى، على الرغم من أننا نتمنى لو لم تكن هناك مآسٍ في سوريا ولبنان واليمن والعراق، فإننا نملك في منطقتنا نموذج المدن الرائدة كأبوظبي ودبي التي تشكل فعلًا نماذج يحتذى بها. فليس أنموذج طهران هو ما يصبو إليه الشباب والجيل الجديد الذي يبحث عن الأساسيات التي تؤمن له حياة مريحة. وهو ما بحثناه في القمة الثانية.

ما مصير هذه التوصيات؟

وضعنا التوصيات في متناول الرأي العام وصنّاع القرار من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته مع سمو الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية وعضو مجلس إدارة "بيروت إنستيتيوت"، لإيصال الرسالة والخلاصة إلى الناس. فالرأي العام يهمنا جدًا لأننا لا نُطلّ على الناس بصفتنا نخبة، بل نحرص على التواصل مع الرأي العام لأننا جزء منه ولسنا فوقه. عليه، تعميم التوصيات يتم من خلال وسائل الإعلام والسفارات في مختلف أنحاء العالم كي تصل إلى صنّاع القرار. كما تصل مباشرة بمشاركة العديد من رؤساء الدول والوزراء والمسؤولين في مختلف القطاعات في القمم التي نعقدها. ونعلم أن الكثير من أصحاب الشأن والقادة والرؤساء دققوا في التوصيات بما تحمله من حلول ومقترحات مستقبلية.

لا بد من التذكير بأن هذه التوصيات ليست عابرة. فالعشرون صفحة التي تحويها تتطلب قراءة دقيقة. لأن كل كلمة مكتوبة لسبب مفيد لصنّاع القرار بما يضيف على نصائح مستشاريهم مع كامل الاحترام لخبراتهم. فنحن نعطيهم الفرص للخروج عن حلقتهم الضيقة بأفكار تفاعلية خلاقة، لنشكل بذلك جزءًا من العملية الديمقراطية ونساهم في منع استفراد حاكم المنطقة بالقرارات، أي نشكل مع الرأي العام نوعًا من هيئة استشارية لصنّاع القرار، ولمن هم في مواقع الحكم. الأهم أننا نفتخر بكوننا مؤسسة فكرية انبثقت من المنطقة العربية. فما يميّزنا عن المؤسسات التي تأتي إلينا من الخارج بأفكارها هو أننا ننبثق من هذه المنطقة التي نحتفي بتنوعها وامكانياتها ونخدمها ضمن قدراتنا.

استقرارنا مسؤوليتنا
طرحتم في إحدى التوصيات مسألة تعزيز القوى الداعمة للاستقرار، وإيجاد الظروف والقدرات اللازمة لتحقيق الاستقرار الإقليمي المنهجي والمستدام. فما هي بنظركم الركائز الأساسية لتدعيم الاستقرار في المنطقة؟ وإلى أي مدى يبقى الاستقرار مرهونًا بالظروف الجيوسياسية؟

للاستقرار علاقة عميقة بالظروف الجيوسياسية. لا يمكن أن نقول إن مصير الاستقرار في بلدنا يصدر إلينا من الخارج. هذا خطأ. نحن فاعل في مستقبلنا ومستقبل منطقتنا. وليس صحيحًا أننا رهينة للخارج وضحية للآخرين فحسب. فالمسؤولية مسؤوليتنا أيضًا. علينا أن نبحث في وضع أسس استراتيجية للاستقرار الاقليمي تتضمن الحلول للوصول لمواءمة استراتيجية بين القوى العظمى حول المصالح الاقليمية المشتركة. فنحن لا نتجاهل أدوار الدول الكبرى ومصالحها الاستراتيجية، لكننا ندعو إلى إيجاد مواءمة كي لا تتقاتل الفيلة ويموت العشب ونحن من ندفع الثمن. وعندما نتحدث عن الدول العربية وحلفائها الدوليين الرئيسيين، نتحدث أيضًا عن تعميق التكامل الاستراتيجي، أي عن التكامل الاستراتيجي الدولي والعربي. هناك ضرورة ملحة للتصالح والتكامل الاستراتيجي. والبحث عن إحياء القدرات الائتلافية المستدامة. فنحن لا نتحدث عن "وحدة عربية" بل عن "تكامل استراتيجي" كي تتوحد الجهود، وعلى القادة العرب إحياء القدرات الائتلافية المستدامة كجزء من أي هيكل جديد للتنسيق الإقليمي.

نقول إن هناك ضرورة ماسة لوضع حد للصراعات من خلال العمل الشامل لإنهاء الإقتتال والحروب في سوريا واليمن وليبيا. تطرقنا إلى تفاصيل القضايا الموجعة في المنطقة العربية. وتوصلنا إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن حلّ الوضع في ليبيا إلا باتفاق الشعب الليبي لأن التدويل في ليبيا كان مكلفًا وانخرط فيه العديد من اللاعبين الدوليين لأسبابهم وغاياتهم. هناك تعددية في مبادرات غير منسقة وغير فاعلة، ساهمت في تعميق الفوضى في ليبيا. على المجتمع الدولي أن يقوم بمبادرة حلّ متماسكة لحوار سياسي يلعب فيه الليبيون دورًا كبيرًا. أما في اليمن، فلا مناص من تسوية سياسية شاملة؛ إذ لا يمكننا أن نتجاهل ضرورة مواصلة الجهود لرعاية الوضع الإنساني والمساهمة في إعادة بناء واسعة للبلد، من ضمنه البنية التحية والبشرية. عن الوضع في سورية، تقدمنا بتوصيات في الموضوع السوري منشورة على موقعنا (Beirutinstitute.org).

وكل هذه التوصيات هي طروحات تحمل رسالة متكاملة، ضروري أن يقرأها كل من يهتم بمنطقتنا العربية. فنحن نتحدث عن كيفية دعم المؤسسات والهوية الوطنية العربية والحوكمة الرشيدة في كافة أجزاء الوطن ونطرح السبل لذلك. كما تحدثنا عن ضرورة إحياء الجهود لتحقيق التقدم في القضية الفلسطينية وأهم النقاط هي إضفاء الطابع المؤسسي للوساطات بعيدًا عن الطابع الشخصي لتفعيل مسألة التوسط، خصوصًا في مبادرات حل النزاعات التي يقودها العرب، واقترحنا إنشاء وحدة دعم للواساطات العربية للتركيز على الطابع المؤسسي فيها. وهذه التوصية جديدة.

تعزيز التنمية ضرورة ملحة
طالبتم في العام الماضي بتسريع عجلة التنمية الاقتصادية الإقليمية المترابطة وتكثيف الاستثمار العربي في التنمية والتكامل الاقتصادي في المنطقة. فما هي الجوانب الجديدة التي تطرحها القمة في هذا العام؟


ضمن توصيات النسخة الثانية من القمة، تحدثنا عن تعزيز التنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي في المنطقة. وطرحنا إنشاء بنك إنمائي عربي وطرحنا توسيع جهود التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتسهيل البنية التحتية الموصّلة لدفع التكامل والنمو الاقليمي، وشددنا على تطوير البنية التحتية، وإدارة الاستثمارات الصينية في المنطقة بشكل استباقي. ودخلنا في تفاصيل ضمن الفكرة العامة لتسريع عجلة التنمية الاقتصادية الاقليمية المترابطة لخلق بيئة مؤازرة لريادة الأعمال في المنطقة، مشددين على ضرورة إيجاد حلول للمشكلات القانونية. وهي إحدى المشكلات الكبرى التي تواجه المستثمرين. كما تحدثنا عن ضرورة رعاية الشركات الصغيرة والناشئة والواعدة والمشاريع الصغيرة المتوسطة لتكون المحاولات ناجحة حتى تستمر الرغبة بالاستثمار.


إنطلاقًا من أن التنمية ليست موضوعًا مرحليًا، ما هي الجوانب الجديدة التي تطرحها القمّة في هذا العام؟

هناك ضرورة للاخذ في الاعتبار أهمية القوانين لتشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي في المنطقة العربية، لصون الحقوق وتشجيع الاستثمار عبر الترغيب بضمانات كي لا تكون المغامرة مخيفة. سنركز في القمة الثالثة على دراسة توقعاتنا عن التطورات للعقد المقبل. فماذا علينا أن نتوقع؟ لا شك في أنه من الصعب أن نقوم بقراءة كاملة للعقد المقبل في مرحلة من حياة العالم الذي يسير بوتيرة تغيير سريعة ومدهشة. لذلك سنبحث مع الخبراء عن "ما هو المدهش الآتي" فهذا المدهش كان في مرحلة ما الكومبيوتر، الكهرباء، الهاتف. لكننا لا نعرف ما هو المدهش الآتي. ربما يكون المدهش الجديد في عالم الصحة أو غيره. فالمدهش لا يكون في التكنولوجيا وحدها. لدينا الكثير من التحديات الكبيرة. هناك قطاع الصحة المهم بمبتكراته وعلاجاته. وتفاصيل رؤية الخبراء لسبل التنمية وتوقعاتهم للمدهش الآتي في مجال التنمية تظهر في تفاصيل التوصيات.

عوائق الاستثمار السياسية
برأيكم، ما الذي يمنع تكثيف الاستثمار العربي في التنمية والتكامل الاقتصادي في المنطقة؟

في مسألة تكثيف الاستثمار العربي في التنمية والتكامل الاقتصادي تظهر عوائق سياسية. وهذا ما يقف في وجه فكرة التكامل. هناك محاولات حالية لقيام دول قادرة ماليًا بالاستثمار في الدول ما بعد الصراعات.

ستقدم قمة بيروت إنستيتيوت في أبوظبي بنسختها الثالثة نظرة عامة التأثير عن الجيوسياسي على اقتصاديات منطقة الشرق الأوسط، وفرص الاستثمار المتاحة للولايات المتحدة والصين وروسيا خلال عقد العشرينيات في المنطقة العربية وكيفية التوفيق بين الجيوساسة ومستلزمات مرحلة إعادة الإعمار في بلاد ما بعد النزاع في سورية واليمن والعراق وتلك التي مازالت في طور التحوّل كما لبنان والأردن والسودان.

نحن نستمع إلى الخبراء وندقق في المحاور على إنماء البنية التحتية البشرية وليس ببناء الجسور والإمدادات الكهربائية فحسب، أي إعادة الإعمار عقب النزاعات في المنطقة العربية، انما يتطلب أيضاَ إعادة البنية البشرية بعد ما مرّت به هذه الشعوب من معاناة ومآسٍ وخوف وانهيار وإرهاق نفسي. فالمهم هو كيف نساعد في إعادة البنية التحية البشرية من خلال تحديد الشركاء وأطر العمل اللازمة، ولا بد لنا من أن نسأل: مسؤولية من هذا العمل وسط التحديات؟ كما سنبحث الإنقسامات والتقلب في علاقات الأطلسي والتفكك في أوروبا وانعكاساته على منطقتنا. وسنبحث في مستقبل منطقة الخليج بين التصعيد السياسي والأمن البحري. ونتحدث عن إعادة تموضع المنطقة العربية في العقد المقبل.

هل هناك خارطة واضحة أم لا؟

في موضوع التكنولوجيا. سنكرّس جلستين، فهناك جلسة مهمة حول الإبتكار وتأثيراته في منطقتنا. أنا فخورة بهذا الطرح حول أسس الإبتكار لتطبيق ما يسمى مبدأ الاقتصاد الدائري، وتعزيز موقع المنطقة العربية في هذا الموضوع. فعلى المنطقة العربية الانتقال إلى الاقتصاد الدائري عبر الإبتكار والإبداع. قد يكون ذلك في عالم الأزياء والهندسة المعمارية. ففي عالم الأزياء لن نتحدث عن المصمم وحده بل عن تصنيع النسيج المستخدم الذي يصل إلينا، وفي المراحل التي يمر بها هذا النسيج. هل يمكن فعليًا تحويل النفايات إلى نسيج؟ إستطرادًا هنا، سنتحدث عن كيفية دعم الموهوبين والمبتكرين في المنطقة. قمتنا لا تركز على الأمور السياسية وقيادة اللاعبين الاقليمين للمنطقة فحسب، إنما سنركز على تناقضات السياسة وانعكاسها على دينامية الصراعات الاقليمية. خلاصة القول إننا نتحدث عن الأمور بعمق لتصدر عن القمة توصيات مفيدة.

حوكمتنا الرشيدة!
أوصيتم في العام الماضي بتشجيع الحوكمة الرشيدة في المنطقة العربية وتوسيع نماذجها لتحقيق اندماج أفضل للأفراد والمجتمعات المحلية. برأيكِ ما هي التجارب الناجحة التي تستحق أن تكون نموذجًا للحوكمة الرشيدة في المنطقة العربية؟

نسعى إلى توسيع موارد الحوكمة الرشيدة لتحسين اندماج الأفراد في المجتمعات المحلية. هناك ضرورة لدعم التقدم نحو ظهور عقد اجتماعي يشارك فيه المواطنون، وهذا الأمر غاية في الأهمية، لأن المواطن يندفع للعمل والعطاء عندما يصله جزء من العقد الاجتماعي. تحقيق هذا الأمر يرتبط بنظم العمل، ويتطلب إنماء سياسات العمل واستخدام نظام ضريبي متماسك وعادل، وإلا سنقع في الفساد. ومن أهم نقاط التنمية إلتزام التطبيق الصارم للقانون، أي تعزيز سيادة القانون لتشجيع المشاركة المدنية على مستوى المواطن ومشاركة النساء والشباب وتسهيل امكانية الوصول للمعلومات بقانون عادل ومنصف.

ما المطلوب لتعزيز ثقافة الحوكمة الرشيدة في منطقتنا العربية؟

نحن مؤسسة غير حكومية نسعى إلى مشاركة أعمق وزيادة الوعي. نرى أنه من الضروري الانخراط في المجتمع المدني ومجالس الأعمال ونشر الوعي للحد من الانقسامات الطائفية من خلال دعم الشرعية المحلية وتعزيز الحكم الرشيد بتقوية الشرعية لا القوى الفارضة نفسها لانتقاص الشرعية.

في تمكين المرأة
مسألة تمكين الشعوب في المنطقة العربية احتلت حيّزًا مهمًا في قمّتكم الماضية، حيث أوصيتم بتفعيل رؤية متسامحة وجامعة للمنطقة العربية تركّز على المستقبل. إن للتمكين جوانب ربما يكون الخوض فيها محفوفًا بالمخاطر في بعض البلدان العربية، خصوصًا تمكين المرأة، ومشاركة الشباب في رسم السياسات العامة وصنع القرار. رأينا في أكثر من مكان أن "ثورة مضادة ما" أعادت الوضع إلى أسوأ ما كان عليه قبل الربيع العربي في سياق "التمكين". فماذا قصدتم بتمكين المرأة بشكل منهجي في منطقتنا؟ وكيف يمكن أن يكون منهجيًا مع الأخذ في الاعتبار خصوصيات المنطقة العربية؟ وكيف تعزّزون مسألة تمكين المرأة والشباب عند صوغكم برنامج القمّة المقبلة؟

من الضروري جدًا تمكين الشعوب والأقليات والنساء، لذلك نقول يجب أن تكون هناك رؤية متسامحة وجامعة. في توصيات قمة “بيروت انستيتيوت” في أبو ظبي بنسختها الثانية قلنا أنه من الضروري التركيز على قيم الاندماج خصوصًا بعد هزيمة داعش، حيث أصبحت هناك ضرورة للمزيد من الجهود لمواجهة التفسير الخاطئ للإسلام عبر مكافحة الروايات الكاذبة والقوالب النمطية الثقافية الخاطئة المترسخة في المنطقة العربية. قلنا أيضاً أنه من الضروري الحد من التطرف عبر تجريم خطابات التمييز والعرقية الطائفية وخطابات الكراهية وانه يجب إعادة تأهيل المتطرفين كي لا يبقوا في قفص التطرف. فنحن في مؤسسة "بيروت انستيتيوت" هويتنا هي الاعتدال والعصرنة وليس التطرف.

لسنا نفتح بابًا للنقاش بين التطرف والاعتدال، بل نتحدث عن إعادة تأهيل المتطرفين ليصبحوا معتدلين. ركزنا في توصياتنا على أهمية الإصلاح المرتكز على تعزيز التعليم في جميع أنحاء المنطقة العربية، وإيجاد سوق تعليمية عربية، وهذه مقترحات جديدة. كما تحدثنا عن تشجيع العمل التطوعي البشري لتحقيق المنجزات بإعادة البنية التحتية البشرية ومواصلة الانماء الانساني.

أما موضوع المرأة فمهم جدًا. هناك عملية إقصاء ممنهجة للمرأة عن صنع القرار في المنطقة العربية. هناك قفزة مهمة جدًا في السعودية لتعزيز دور المرأة وهذا للأسف لا يحدث في لبنان على الرغم من الحريات الموجودة فيه. بحثنا وسنبحث في آليات تمكين المرأة بشكلٍ منهجي، وكيفية إزالة الحواجز التي تقف في وجه تحقيق المساواة الاجتماعية والاقتصادية للمرأة. وهذه نقطة انطلاق ضرورية لتحقيق تكافؤ أكبر. وقلنا في توصياتنا أنه من الضروري جدًا أن تستمر الجهود لإزالة العوائق عبر إدخال الحمايات القانونية، وتعزيز الإمكانات الاقتصادية والسياسية الكاملة لهذا النصف المُتعَب والمغيّب من المجتمع. كما تحدثنا عن ضرورة تفعيل مشاركة اقتصادية وسياسية أوسع نطاقًا للنساء، وضرورة تصميم البرامج لتطوير القيادة تستهدف النساء الشابات وتدريبهن وتشجيعهن وتطوير البرامج المشتركة لتعزيز قدراتهن مع الشباب. لا بد من أن أذكر بأنني حين أستلم أي تكريم، اقدم تكريماتي دومًا للمرأة وللفتاة، لأقول لها لا تخافي. ثقي بنفسك وقدراتك. تجرأي على المغامرة. فمن حقك أن تُسمعي صوتك.

اننا في حاجة إلى رؤية جامعة لتوسيع القيادة الجريئة والرائدة بعنصر الشباب، كي نتغلب على الانقسام الطائفي في منطقتنا. فنحن بحاجة إلى قيادة جريئة تواجه ولديها رؤية قيادية تمتلك معايير جديدة. نريد شبابًا يرفضون الإنصياع ويعملون للتغيير. ركزنا في قمتينا الأولى والثانية على النساء والشباب ونخصص أيضًا في القمة الثالثة مساحة خاصة واطلالة مميزة للقيادات النسائية والشبابية. في اليوم الأول للقمة تنطلق مجموعة من النساء المشاركات بين 8 و12 سيدة ينقسمن بين يمين ويسار المنبر ليعرضن رؤيتهن ومطالبهن، ومستلزمات تحقيق الرؤية لتحقيقها. أهمية الإطلالة هي أن كل سيدة عليها أن تركز على إيصال رسالتها في دقيقة واحدة. وفي الواقع هن رائدات رائعات. كل منهن تعبر عن رأيها وهذا ما أريده.

في اليوم التالي، يشارك الشباب من الجنسين بالطريقة ذاتها ليعبّروا أيضًا عن رؤيتهم. وأنا أتأثر جدًا بهذه اللحظات التي تصيبني بالقشعيرية كونهم يشكلون جزءًا مهما جدًا من أهدافنا. جميل جدًا أن نرى الموهوبين من الشباب، ففي هذه القمة حوالى 15 شابا وشابة من أبرع ما يكون. سنسمعهم لنرى بماذا يفكرون وماذا يفعلون.

الابتكار أساس التنمية
باتت مسائل مثل تبنّي رؤية للمستقبل تحتضن التكنولوجيا، وتعزيز التكامل العربي مع شبكات الابتكار العالمية، والتركيز على تحقيق القيادة والريادة، بديهية في أي عقل عربي مستنير. إلا أن ثمة دولا عربية ما زالت ترزح في قاع التصنيفات التقنية، وبالتالي يتطلب الأمر أكثر من مجرد توصية. بشكل عام، التكامل العربي مع شبكات الابتكار العالمية يتم غالبًا من خلال القطاع الخاص العربي، مع بعض الاستثناءات طبعًا. ناقشتم هذا الأمر بشكل مستفيض في قمّتكم السابقة، فهل ترون أن التقدم التكنولوجي المتسارع والذي يشكل تحديًا دائمًا يدفعكم إلى إعادة بحث هذا الموضوع؟


سنبحث موضوع التكنولوجيا والابتكار التكنولوجي المرتقب للمنطقة في العقد المقبل. سنتحدث ونتعرّف عن كيفية حماية البيانات والتزام المعايير الأخلاقية. هناك مسألة "الداتا" المهمة جدًا. سنطلب من الخبراء أن يعلمونا كيفية حماية الداتا والتزام المعايير الأخلاقية. سيكون بين المشاركين في هذه الندوة رئيس مايكروسوفت في الشرق الاوسط وافريقيا سامر أبو لطيف، وملاك عقيلي وفادي غندور، الى جانب أسماء عالمية اخرى، سنتحدث عن مستقبل الروبوت في المنطقة والتكنولوجيا والمبادرات الأوروبية والدولية في هذا المجال، وأيضًا عن الاستثمار في البنية التحية الموصّلة، وعن الثورة الصناعية الرابعة التي ستغيّر العالم. فعلى الدول العربية أن تتحوّل من مصدرة للموارد الطبيعة إلى مراكز تجارة عالمية. هناك فرصة للتنويع في صادرات الدول العربية عبر الاقتصادات المتمكنة. لكن الأهم والضروري هو مكافحة الفساد من خلال المعرفة القانونية التي تساهم في محاربة أنماط الفساد. ومن الضروري التركيز على المدن لأنها أساسية في التحضّر التكنولوجي واستخدام التقنيات لتعزيز التعاون الاقليمي لتكون مزدهرة من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة.

وهناك إشارة في توصيات النسخة الثانية من قمة بيروت انستيتيوت إلى أهمية شركات الإبتكار البتروكيماوية على مستوى المنطقة لأنها تحقق نموًا هائلًا. وهناك توصية لإدارة ومواجهة آثار التغيّر المناخي. فيجب أن تكون لدينا اعتبارات استباقية للمواجهة. وهذا يتطلب من القيادات اتخاذ القرارات المهمة والجريئة، ويتطلب التنسيق بين القيادات وتوسيع استخدام التكنولوجيا.

أي صيغة برأيكم ستتخذها العلاقة بين المنطقة العربية والعالم في العشرية الثالثة؟

عسى أن تكون استثمارًا وابتكارًا يعزز التعاون والعلاقات الجيدة مع كل دول العالم الكبرى والصين وروسيا ودول أوروبا؛ إذ يجب توسيعها لتتحول من ساحة صراعات لهذه الدول إلى شركاء في اقتصادها. وهذا يتطلب تحولًا جذريًا في أنماط العلاقات. شخصيًا، أتمنى أن يتحول نهج الجمهورية الإسلامية الإيرانية كي تعود إيران إلى الريادة والإبداع من خلال قيادات واعية وحكيمة لنشهد تطورًا حيويًا إيجابيًا وبناء في المنطقة.. نريد نماذج حكم بناءة ونريد شعوبا واعية وتحوّلًا نحو حياة طبيعية في المنطقة.

كيف اخترتم عنوان القمة الآتية؟ فكرنا وتساءلنا.. ماذا ينتظرنا على أبواب العقد العشرين. فعنوان القمة الأولى لبيروت إنستيتيوت في أبو ظبي كان: "إعادة تموضع المنطقة العربية في الرقعة العالمية في ما يتعدى الاقتصاد السياسي والتهديدات الامنية". في ذلك الحين، كان كلام العالم كله عن داعش. وحملت القمة الثانية عنوان: "هيكلة بنّاءة لاندماج المنطقة العربية في المستقبل العالمي النامي". الآن، ونحن على عتبة عقدٍ جديد قررنا أن يكون عنوان القمة "عقد العشرینیات: ماذا نتوقع؟ كیف نستعد؟"

ما المنظار الذي يحكم اختياركم المحاور التي تعالجونها في القمة؟ وكيف تختارون المتحدثين، بمعنى: أي معايير سياسية أو غيرها تحكم اختياركم للمتحدثين في القمة؟

هناك حوالى 250 مشاركًا في النسخة الثالثة من قمة بيروت انستيتيوت في أبو ظبي من بينهم 160 متحدثاً إما في الجلسات العلنية أو في الجلسات المغلقة. أما عملية اختيار المحاور والمحاورين معقدة بعض الشيء. فنحن نتوزع على ست غرف بحدود 30 شخصًا في كل دائرة سياسية(policy circle) للتحدث في الجلسات المغلقة بمشاركة شخصيات من مختلف القطاعات للإجابة على السؤالين: "ماذا نتوقع؟ وكيف نستعد؟" للعقد العشرين من هذا القرن.

عملية توزيع الكفاءات صعبة، لكنني أقوم بها بمتعة كبيرة، لأننا سعداء جدًا بهذا الزخم المميز من الكفاءات. هذه القمة تجري في يومين، ولا يأتي الناس ليحضروا انطلاقتها ويغادروا كما يحصل في مؤتمرات أخرى، لأنها تفاعلية منذ لحظة انطلاقها حتى نهايتها. فالقمة تنتهي بحلقة أديرها شخصيًا، تتحول إلى محاضرة جريئة نسمع فيها حديثًا مشتركًا وشيقًا، ونرى فيها تفاعلًا رائعا بين المشاركين من مختلف الدول والشباب والنساء والرجال والأعراق. أهمية القمة هي اننا نتفاعل بعضنا مع بعض وان المشاركين فيها من ألمع العقول من مختلف أنواع العالم.

هل من كلمة ختامية؟

لا بد لي من القول إن لي شرف المشاركة مع سمو الامير تركي الفيصل بترأس قمة بيروت إنستيتيوت في أبوظبي بنسختها الثالثة، ونحن ندين بالشكر والإمتنان العميق للدعم الذي تمدنا به الدولة المضيفة، دولة الإمارات العربية المتحدة، للإستمرار بمسيرة القمة إلى نسختها الثالثة .كما نعتز بالشراكة الإعلامية الإستراتيجية مع سكاي نيوز، والعربية، وأم تي في، والرؤية ، وذا ناشونال ، وفوربس الشرق الأوسط، وبالشراكة الإعلامية العالمية مع سي أن أن.

أخص بالشكر "إيلاف" التي اعتز بكتابة مقالتي الأسبوعية فيها، وأحيي أيضًا الشريك المعرفي PwC ونأمل متابعتكم لنا في هذه القمة التي نعيش حالة شوق كبير لانطلاقتها في 13 و14 أكتوبر، كونها مفيدة للعقل وممتعة للروح.