&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& كريم بقرادوني
بعد المقال الذي كتبه الصحفي اللبناني البارز فؤاد مطر في هذه الصفحة تعليقا على انتخابي رئيسا لحزب الكتائب اللبنانية تحت عنوان "مسحة عروبية في حزب الكتائب"، فوجئت بمقال آخر كتبه الاعلامي الجزائري المميز الدكتور محيي الدين عميمور تحت عنوان "الكتائب والعهد الجديد". وبقدر ما سررت بالمقال الاول الصادر عن صديق اعرفه منذ زمن طويل، بقدر ما تأثرت بالمقال الثاني الصادر عن زميل لم تسمح لي الظروف بأن اعرفه عن كثب. وكما سارعت منذ اسبوع الى الرد على الصديق فؤاد مطر اراني اعلق هذا الاسبوع على ما جاء في مقال العزيز محيي الدين عميمور، اعتقادا مني ان العلاقة الفكرية هي اسمى العلاقات بين البشر.
يقارن عميمور بين وصولي الى رئاسة حزب الكتائب ووصول "المناضل المثقف" رئيس الحكومة الجزائرية علي بن فليس الى الامانة العامة لجبهة التحرير الوطني. ويرى ان ما يجمعنا اننا اتينا "من خارج المجموعة التي كان تداول السلطة محصورا فيها"، وقد تزامن وصول مثل هذه القيادات الحزبية غير التقليدية مع تسلم قيادات شابة زمام الحكم في العالم العربي، كما هو الحال في سوريا والاردن والمغرب. وانهى مقاله بالقول: "ما زلنا نتعلم من لبنان".
مقال الدكتور عميمور غني بالطروحات العديدة، غير اني اريد ان التقط طرحين: الاول يتعلق بالعلاقة بين الفكر السياسي والعمل السياسي، والثاني يعود الى ما يمكن ان يقدمه لبنان الى العالم العربي.
بادئ ذي بدء اشير الى ان كل عمل سياسي يخلو من الفكر السياسي يمسي ظرفيا وفارغا ورتيبا لا يقدم ولا يؤخر في صناعة الحدث والقرار. الفكر السياسي هو الدافع الاساسي للتحديث والتجديد والتغيير. من دون الفكر السياسي يبقى العمل السياسي من دون افق ومن دون مستقبل.
قد يجنح صاحب الفكر السياسي عن الواقع احيانا، غير اني افضل هذا الجنوح الذي كثيرا ما يضبطه العقل والظرف على الخنوع لمقتضيات الواقع والاستسلام لأمره، فيسود نظام الطاعة، وهو النظام الذي يلف معظم ارجاء العالم العربي، حيث تتغلب قوى الاقطاع والمال والسلفية على قوى التحديث والتجديد والتغيير.
وفي ظل نظام الطاعة تحدث مواجهات صامتة حينا وعلنية في بعض الاحيان بين اهل الثقافة واهل السلطة، ويتم الانفصام بين الفكر السياسي والعمل السياسي، ويقع الحاكم على مختلف المستويات في حالات العقم والتخلف والاستبداد، ولا يترك لاهل الفكر سوى واحدة من الطرق الثلاث: اما الانصياع او الانعزال او الاعتقال.
وفي مقارنة بين لبنان والجزائر تظهر مفارقة على صعيدي حركة الاستقلال وتطور المجتمع في البلدين. ففي حين نال لبنان استقلاله عن الانتداب الفرنسي بكلفة بشرية محدودة جدا وعبر اتفاق اللبنانيين الذي عرف "بالميثاق الوطني" في الاربعينات، فإن الجزائر دفعت ثمن استقلالها عن فرنسا غاليا بواسطة جبهة التحرير الوطني التي قدمت اكثر من مليون شهيد. ولكن سرعان ما تحول الميثاق الوطني الى مشروع حرب في لبنان الى ان وعى اللبنانيون ضرورته فأعادوا صياغته مجددا في الثمانينات، وتحولت ثورة الجزائر الى مشروع حرب قد لا تنتهي الا بمشروع الوئام الوطني.
الثورة انتهت في الجزائر بحرب لأنها لم تحدث الاصلاح المطلوب من المجتمع. والوفاق انتهى في لبنان بحرب لأنه لم يحدث الاصلاح المنشود. وهكذا تكون الحرب هي البديل عن الاصلاح، سواء في المجتمعات الثورية ام في المجتمعات التوافقية.
والحقيقة ان الثورات والحروب لم تفلح في تحقيق طموحات المجتمعات العربية وخصوصياتها. انتهى زمن الثورات المسلحة وكان آخرها في لبنان المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، وقد يكون آخرها في فلسطين الانتفاضة ضد اسرائيل. ومثلما اقتنع اللبنانيون ان خلاصهم من محنتهم يأتي عن طريق الحل السياسي والوفاق الوطني فاعتمدوا صيغة اتفاق الطائف، عسى ان يقتنع الجزائريون اليوم قبل الغد بأن خلاصهم من محنتهم يمر بالحل السياسي والوئام الوطني، ويتوصلوا الى اتفاق "طائف جزائري" يناسبهم ويناسب خصوصياتهم.
وافضل صيغة بديلة عن الثورات والحروب هي التي تمزج بين مبدأ التعايش الديمقراطي ومبدأ العدالة الاجتماعية. وأدعو في هذا السياق الاحزاب العربية على اختلاف آيديولوجياتها ونزعاتها الى ان تتعاون من أجل اعادة صياغة ذاتها ومشاريعها وانظمتها لتتلاءم مع مقتضيات التطور العالمي والاقليمي والداخلي، فتقدم الى الشباب والمجتمع صورة عصرية وواعدة بدل ان تتسلح وتتحول الى ميليشيات متناحرة في ما بينها او معادية للنظام.
هذا في المبدأ. اما في التطبيق، فإني مقتنع بمشروع "اللبننة" كنموذج لحل النزاعات بين الاثنيات والاديان والحضارات بصورة سلمية. صحيح ان هناك وجهتي نظر تجاه لبنان: إما انه نسيج اقليات محكومة بالصراع الطائفي مع ما يخفيه من بذور الاقتتال والتشرذم والتقسيم، واما انه مزيج اديان محكومة بجدلية الحوار مع ما يتضمنه هذا الحوار من رغبة في الوفاق والتآخي والعيش المشترك.
واختبر لبنان التجربتين معا. الاولى دمرته وتبين بأنها لا تصلح اساسا لبناء وطن، وهي توصل في احسن الاحوال الى انشاء كانتونات طائفية تتقاتل في ما بينها بعيدا عن مفاهيم التآخي والتضامن والتكامل. ان تجربة "اللبننة العسكرية" لا تصلح نموذجا للعالم العربي، فهي تضاعف من شرذمته بدلا من ان تحفظ وحدته، وتزيد من عوامل ضعفه بدلا من ان تزيد من عوامل قوته. اما التجربة الأخرى المتمثلة "باللبننة الثقافية" فهي ما يجب ان يقدمه لبنان نموذجا للعالم العربي عبر تطوير آليات الوفاق والوئام والتعايش بين الانظمة وشعوبها، مما يحيي القدرات والطاقات لمواجهة تحديات العالم الجديد وتداعياته.
حوار الاثنيات والاديان والحضارات هو نموذج الحل السلمي البديل عن الصدام الذي طرحه صموئيل هانتنغتون. ويقف حزب الكتائب مع الحوار بين الحضارات وضد التصادم في ما بينها، ويدعو الى حوار بين الاحزاب العربية على طريق الديمقراطية العربية.
اني لمدرك ان صورة لبنان في العالم العربي مصابة بالكثير من التشويش، كما ان صورة الكتائب في العالم العربي تشوبها شوائب كثيرة، وان نظرة العرب الى الكتائب هي نظرة ريبة وتحفظ. واني سأجهد لأبدل صورة لبنان والكتائب، ولأظهر حقيقتهما التاريخية. لبنان هو رسالة تعايش، والكتائب هي الحزب الذي شارك في صياغة الميثاق الوطني في العام 1943 ووثيقة الوفاق الوطني في العام 1989 اللذين اسسا للتعايش الاسلامي ـ المسيحي. ويطمح حزب الكتائب ليكون في طليعة المسيحيين العرب ومن رواد النهضة العربية الجديدة.
ويبقى انني اوافقك الرأي، يا اخي محيي الدين، ان العالم العربي ما زال يتعلم من لبنان، شرط ان يعي لبنان دوره ويحسن تقديم نفسه، كما اعاهدك بأني سأواصل الكتابة الى جانبك والى جانب فؤاد مطر وكل الزملاء، فلا اسقط في تجربة الطلاق بين الفكر والعمل السياسي واندم لاحقا. واني مؤمن ان الكلمة كانت في البدء... وستبقى.
&
















التعليقات