قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&
&
اذا كانت كل القوى المعترف بها ـ الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الجامعة العربية، اسرائيل، والسلطة الفلسطينية ـ تعترف علناً بالاتفاق على شيء معين، فلا بد من تفحص موضوع هذا الاتفاق على نحو دقيق لتقرير ما اذا كان الاتفاق معقولاً. فالحكمة التقليدية بوجوب توقف العنف الاسرائيلي ـ الفلسطيني واستئناف المفاوضات بين الزعامتين الاسرائيلية والفلسطينية لا معنى لها البتة، على الاقل بالنسبة للاسرائيليين والفلسطينيين.
ومن الطبيعي انه من غير القويم الظهور بمظهر الداعم للعنف (عدا العنف الذي تشارك فيه الولايات المتحدة) او معارضة المفاوضات (عدا المفاوضات مع "الارهابيين"). غير ان عسر الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني وأهميته الحاسمة يدعوان الى طريقة تفكير غير تقليدية.
فالفلسطينيون يجري حثهم على التخلي عن الحق المعترف به دولياً في مقاومة احتلال غير مشروع مقابل فرصة التفاوض مع أرييل شارون الذي اعلن، مؤخراً، عزمه على تزعم اية مفاوضات شخصياً. ولو كان أي امرئ اقترح على زعماء وشعب الكويت المحتلة وجوب تخليهم عن المقاومة والتفاوض مع صدام حسين لكان مثل ذلك الاقتراح قد اعتبر، عن حق، اقتراحاً منافياً للعقل ولا أخلاقياً. ان الحكمة التقليدية لـ "المجتمع الدولي" القاضية بوجوب تخلي الفلسطينيين عن المقاومة والتفاوض مع أرييل شارون ليست اقل منافاة للعقل ولا أخلاقية.
ومن الصحيح القول انه في صالح المصالح الضيقة لجميع الحكومات المعنية تقريباً ان يبقى الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني "هادئاً" لفترة معينة. فالموت والدمار الذي يعرض على شاشات التلفزيون يومياً يسببان الضيق والازعاج للمؤسسة الدولية، ويهددان استقرار انظمة معينة في المنطقة، ويمكن ان يتداخل او يتعارض مع حروب اخرى تعتبر، الآن، أكثر اهمية.
غير انه لا بد ان يكون واضحاً ان مفاوضات عرفات ـ شارون، اذا ما حدثت، لن تقدم سوى تهدئة مؤقتة للخصومات والاحقاد قبل ان تنفجر ثانية، وربما على نحو أشد ضراوة. ان الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني بحاجة ماسة الى وضع نهاية حاسمة لصراعهما. وارتباطاً بكون عمر الاحتلال بلغ 35عاماً، فان وقت القيام بذلك بات ناضجاً اخيراً، ولكن النهاية الحاسمة لن تحدث اذا ما ترك الاسرائيليون والفلسطينيون لوسائلهم ورغباتهم الخاصة، والصيغة الاميركية التقليدية من ان "كل ما هو مقبول بالنسبة للطرفين مقبول بالنسبة لنا" (وهي طريقة أنيقة للقول بأن القانون لا صلة له بالموضوع وان "القوة تصنع الحق") تبقى إطاراً لأية "عملية سلمية".
وتمر، الآن عشر سنوات، بالضبط، على "العملية السلمية" الحالية التي بدأت في مؤتمر مدريد في اعقاب حرب الخليج. ومن المحزن انها خلقت الكثير من "العملية" لكنها لم تخلق أي سلام. واذا ما استمرت الحكمة التقليدية على الغلبة، فسيظل العالم، بلا شك، يناقش كيفية انعاش "عملية السلام" بعد عشر سنوات من الآن، بل ربما، في الواقع، عشرين وثلاثين سنة. ومن البديهي انه ما دامت هناك "عملية سلام" لا يوجد سلام.
ويتعين، الآن، ان يكون واضحاً ان القضايا التي تباعد بين الاسرائيليين والفلسطينيين صعبة جداً وثقيلة عاطفياً بالنسبة لأية زعامة اسرائيلية (ناهيكم بأرييل شارون) وأية زعامة فلسطينية (حتى ياسر عرفات) بحيث لا يمكن التوصل الى اتفاق سلام نهائي عبر مفاوضات ثنائية. والحقيقة ان هذا الادراك، في الجانب الاسرائيلي، قد بات مفهوماً وأدى الى الكثير من "الحلول" الاحادية الجانب لفرضها من قبل اسرائيل على الفلسطينيين.
واذا ما جرى الاقرار بأن المفاوضات غير فعالة (باستثناء ما تخلقه من تهدئة مؤقتة للعنف)، فما هي البدائل؟ البديل الأول هو استمرار الوضع الراهن حيث يأمل كل طرف بانزال الكثير من الآلام بالطرف الآخر خلال فترة من الوقت بحيث يصاب الطرف الآخر باليأس، في نهاية المطاف، ويقدم للطرف الأول ما عجز عن تحقيقه عبر المفاوضات ـ انهاء الاحتلال أو الاذعان للاحتلال.
ومن غير المحتمل تماماً ان يتوصل اي من الطرفين الى قناعة بمثل هذه الآمال عبر مثل هذه الوسائل في المستقبل المنظور. غير ان مثل هذه الاستراتيجية تعتبر عملية الى حد ما من وجهة نظر فلسطينية اكثر مما هي من وجهة نظر اسرائيلية. وبينما تعتبر فرص انهاء الاحتلال عبر استمرار العنف فرصاً ضئيلة، فان فرص انهاء الاحتلال عبر المفاوضات الثنائية وحدها فرص معدومة. كما هو الحال بالنسبة لفرص اذعان الفلسطينيين للاحتلال الدائم، أياً كانت بنيته وشكله.
أما البديل الثاني فيتمثل في قيام "المجتمع الدولي" بفرض السلام على الطرفين المتحاربين، وعدم ترك أية فرصة لزعامتيهما، وبالتالي تحريرهما من أية حاجة الى الاتفاق على أي شيء (باستثناء تفاصيل صغيرة على التنفيذ)، مع الطرف الآخر. ومن أجل تنفيذ واستمرار اي سلام حقاً، لا بد ان يكون هذا السلام عادلاً ومنسجماً مع القانون الدولي.
ويمكن عقد جلسة خاصة للجمعية العامة للامم المتحدة لوضع صيغة عملية عصرية لقرار الجمعية العامة رقم 181 في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1947 الذي اوصى بتقسيم فلسطين الى دولتين. ان المعايير الاساسية التي يجب تثبيتها لن تكون، بالضرورة، مقبولة بالكامل من جانب أي من الطرفين، ولكنها مثبتة بقوة في القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة ذات العلاقة ولن تكون خاضعة للنقاش او التفاوض.
واذا ما تصرفت الجمعية العامة على نحو حكيم، فان هذه المعايير ستكون راسخة، بشكل خاص، ارتباطاً بمبدأين أساسيين في القانون الدولي. والمبدأ الأول هو "عدم قبول الاستيلاء على الارض بواسطة الحرب" وهو مبدأ اساسي للنظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية اكده البيان الاول لقرار مجلس الامن رقم 242، وهذا سيؤكد حدود الدولتين وفق الخطوط التي كانت قائمة قبل حرب حزيران عام 1967. أما المبدأ الثاني فيتمثل في حق سيادة كل دولة في تقرير من يمتلك حق الاقامة في تلك الدولة. وهذا يعني ان الاسرائيليين المقبولين بالنسبة لفلسطين هم فقط من يمتلكون حق الاقامة في فلسطين وأن الفلسطينيين المقبولين بالنسبة لاسرائيل هم فقط من يمتلكون حق الاقامة في اسرائيل.
وهذه المبادئ واضحة وشاملة. وان أي اختلاف معها أو محاولة لـ"المساومة" عليها يمكن ان تؤدي الى الابتعاد عن السلام الدائم والعودة الى مستنقع "عملية" لا نهاية لها. واذا ما جرى التخلي عن المستوطنات الاسرائيلية الحالية المقامة على الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتركها سليمة وبحالة جيدة، فانه، خصوصاً في ضوء قابلية الفلسطينيين الاكيدة على العيش في تحشدات سكنية على خلاف الاسرائيليين، يمكن ان يتوفر سكن كاف (وفي الواقع افضل) لكل اللاجئين الفلسطينيين الموجودين حالياً خارج فلسطين التاريخية ممن يفضلون العودة الى دولة فلسطين على أية بدائل اخرى لاعادة توطينهم (وهو ما ينبغي ان يتيسر بالتزامن وعلى نحو وافر ارتباطاً باختيارهم الحر)، وكذلك بالنسبة للكثير ممن يعيشون الآن في مخيمات اللجوء داخل فلسطين التاريخية.
وليس هناك فيتو للولايات المتحدة في الجمعية العامة، ولهذا فان نفوذها لتغيير أي قرار هناك بهدف جعله جائراً أو متعارضاً مع القانون الدولي (وبالتالي تضمن عدم تحقيقه السلام) نفوذ محدود. واذا ما احيل قرار بناء ومبدئي اتخذته الجمعية العامة وفق الخطوط المذكورة الى مجلس الأمن، وهي الهيئة القادرة على تحويل التوصيات الى قانون دولي ملزم، ومن أجل اقراره، فان الولايات المتحدة ستعرف ان أي فيتو سيكلفها كل ما تبقى من دعم اقليمي لحربها ضد أفغانستان. ان هذا قد يحفز الولايات المتحدة على القيام بالشيء الصحيح حتى ولو كان للسبب الخاطئ.
ان المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية اللاحقة هي طريق مسدود وليست خياراً عملياً للسلام. والبديلان الوحيدان هما الاستمرار في العنف، أو سلام عادل يفرض على طرفي النزاع من جانب الأمم المتحدة. والخيار الاخير هو الافضل بما لا يقاس وهو خيار ملح.
* محام اميركي متخصص في القانون الدولي ـ خاص بـ"الشرق الأوسط"
&