قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&

بيروت: سناء الجاك -حذر وزير الثقافة اللبناني: الدكتور غسان سلامة من نشوب "صراع الحضارات" الذي من شأنه ان يعيد العالم بأسره الى البدائية، موضحاً ان الولايات المتحدة الاميركية بعد احداث 11 سبتمبر (ايلول) صارت اشبه بفيل اعمى يتخبط، لأن هذه الاحداث تجاوزت بكثير عنوانيّ الارهاب والاصولية، لتضرب الفكر الاستراتيجي الاميركي من اساسه.
وقال سلامة في حوار مع "الشرق الاوسط" ان الخروج من 11 سبتمبر وتداعياته يتطلب من الاميركيين ان يتخلوا عن الكثير من الممارسات التي دمغت وجودهم كقوة عظمى، واهمها انهم بقوا طوال عشرة اعوام القطب الاوحد المتحكم بمفاصل العالم، وانهم اعتبروا بلادهم بمنأى عن الصراعات العالمية، حتى وصل الارهاب الى عقر دارهم، وانهم انحازوا الى اسرائيل بشكل مبالغ فيه على حساب الفلسطينيين والعرب الآخرين، متجاهلين الدور الاوروبي والروسي، مما اعاق الوصول الى تسوية في الشرق الاوسط.
وحذر سلامة الدول العربية من اخذ الحداثة كسلعة بمعزل عن الفكر العلمي ومفاهيم التطور وتطويع الطبيعة التي انتجتها، معلناً ان التيارات الاصولية وصلت مع عملية 11 سبتمبر الى حدها الاقصى، ومؤكداً ان المسؤولين العرب في وضع مخيف، مشبهاً الكثير من الحكومات العربية بـ "حشوة سندويش" بين الحركات الاصولية والضغوط الاميركية، مما يدفعها الى البحث عن خط ثالث.
* هل تجد اننا في زمن يجعل كل الاسباب صالحة لقيام ارهاب ما، الصراعات الاثنية او الاختلاف الايديولوجي او غيره؟ ما الذي يحرك هذه الصراعات العالمية باتجاه كل هذا العنف؟
ـ انتهى القرن العشرون وانتهت معه معاييره، وابرزها معيار الاستراتيجية ومعيار الآيديولوجية. وقد سقط هذان المعياران، وسقطت فلسفة الانوار ولم تعد قائمة مقولة "انا اختلف معك في الرأي اذن انا في صراع معك". ما حصل في نهاية القرن العشرين هو نوع من صراع قائم على معايير حضارية او بالاحرى على خطاب ثقافي يبرر صراعات سياسية. اي اننا عدنا لأشكال بائدة لنستعيد معادلة مفادها "انا على على صراع معك ليس لاني اختلف معك في الرأي وانما لاني اختلف عنك، انا من دين آخر او انا من لغة أخرى او انا من وضع اقتصادي آخر، وبالتالي صعب علينا ان نلتقي". هناك عامل اختلاف، وهذا نوع من عنصرية جديدة، لذلك فان فكرة صراع الحضارات هي الفكر العنصري في ثيابه الجديدة ثياب القرن الحادي والعشرين، بمعنى ان يقال انه لا يمكن ان يتفق اثنان من لونين او اثنان من قوميتين او دينيين بصورة دائمة. لان ما يفكران به ليس مهماً، المهم هو هذا الانتماء وليس التفكير. هذا نوع من انواع العنصرية. كل حروب القرون الوسطى كانت قائمة على هذه الاسس. واذا كنا في الالفية الثالثة عائدين الى هذا المعيار، فهذا يعني اننا نضع افكار الثورة الفرنسية والحداثة وغيرها في القبر لتصبح من المحرمات، ونعود الى معايير قديمة هي شكل من اشكال العنصرية الحالية التي تهدد العالم.
* ما مدى خطر هذه العودة مع وجود ترسانة متطورة ومخيفة على جميع الاصعدة، وكأن العالم بأسره في وضع متفجر دائم؟
ـ الخطر حقيقي ليس فقط على علاقات الدول، وانما على بنية كل منها. فإذا نظرنا الى الدول اليوم نجد ان هذه البنية اجتماعياً مركّبة في الاكثرية الساحقة من الدول. هناك دول قليلة جداً لا بنية مركبة لديها. فهذه الدول نشأت بهذه الطريقة المركبة وساهمت عمليات الانتقال بين الشعوب في تركيبتها المتنوعة. حين تقول ان هناك صراع حضارات، اي اننا مختلفين في مجال او آخر. اذا كان هذا هو الاتجاه، فما هي نتيجته العملية، بالتأكيد هي التطهير العرقي لانه الوسيلة الوحيدة ليتخلص الواحد من الآخر. وسينسحب هذا الامر على العالم إن في المانيا او في فرنسا او الولايات المتحدة او بعض الدول العربية. ففي ظل صراع الحضارات لا يعيش عرق مع غيره ويجد نفسه منساقاً الى التطهير العرقي للوصول الى الفرز الطائفي او الديني او العرقي، كما حصل في كوسوفو او في رواندا، او كما حصل عندنا في لبنان في لحظات الحرب الاكثر عنفاً عندما كان المرء يقتل "على الهوية". من هنا صراع الحضارات يؤدي الى مشكلة على صعيد بنية الدول قبل ان يؤدي الى مشكلة على صعيد العلاقات بين الدول.
* الا توجد آلة تحكم لضبط هذا الصراع؟
ـ لا. فالعالم وصل الى مرحلة الخواء، بسبب امرين، العنصر الديني والعولمة التي اوجدت تقنيات تفاعل من دون المصالحة وايجاد القيم اللازمة لضبط هذه العولمة. وجاءت الاجوبة عن حالة الخواء عبر الانتماء الاثني او الديني او غيره، اي عبر العودة الى الانتماء ومعايير الفرز البدائية التي يريح الرجوع اليها. كل الاديان مرت بمراحل انكماش واصولية ومراحل انفتاح، ومعظم المجتمعات ايضاً. الاديان هنا تملأ مرحلة الخواء.
* ألا يعبر العالم حالياً مرحلة انتقالية للوصول الى صيغة جديدة؟
ـ بالطبع ونحن في عز هذه المرحلة الانتقالية، وتحديداً مع تقنيات العولمة والبحث في العتمة عن قيم وعن قواعد تنظم العلاقات بين الدول. مرحلة العولمة الاولى التي بدأت عام 1880، انهاها الانكماش القومي مع الحرب العالمية الاولى. ثم اكملت عليها سياسات الحماية الاقتصادية في العشرينات. وتوقفت حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية. واليوم بدون اي شك هناك خطر على العالم. من قبل اناس هم مصدر فعل. فالتشريعات الاميركية حاولت انشاء اسس تعامل جديدة مع الاجانب، كإقرار الحق باعتقال اي اجنبي على الشبهة، مع ان الامر يتم حالياً من دون تشريعات. كذلك شُرّع التنصت بشكل اوسع. وهذا ما فعله الاميركيون باليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية. الى اين سيقود هذا الامر؟ ففي العام الماضي كان الاميركيون يمنحون اصحاب الاختصاص في الاتصالات المتطورة تأشيرات دخول الى بلادهم. اما اليوم فلقد صار الاجنبي منبوذاً. هناك خطر حقيقي على مسيرة العولمة كما كان الامر في الحرب العالمية الاولى. الدول رأت في لحظة من اللحظات ان الانتقال الحر والتجارة الحرة بدأت تجلب مخاطر يجب الاستغناء عنها، وبالتالي هي في الطريق الى الانعزالية. وهنا الانعزالية تشكل خطراً حقيقياً على كل العلاقات بين الدول.
* هل يمكن الاعتبار ان خطر الانعزال والانكفاء عن العولمة مسؤولية اميركية لأنها القطب الاوحد في العالم؟ ـ لا. الخطر يأتي ايضاً من بن لادن. اولاً الأقاويل عن ان الاميركيين افتعلوا كل ما جرى للدخول الى آسيا الوسطى هو قول خاطئ. الولايات المتحدة موجودة هناك ولا مؤامرة اميركية في الامر لأنه لا حاجة لها. وضع الولايات المتحدة كقطب اوحد هو مرحلة قصيرة بدأت منذ عشرة اعوام، وهو يعكس مرحلة غير عادية. كانوا مع بيل كلينتون، وهو رئيس غير عادي، ناشطين في ترتيب الاوضاع والنفاذ بكل امكانياتهم الى حيث يشاءون. دخلوا آسيا الوسطى بقوة وبسرعة غداة انهيار الاتحاد السوفياتي لنزع اي سلاح غير تقليدي موجود فيها. وجعلوا روسيا المخاطب النووي الوحيد في المنطقة. الامر ذاته بالنسبة للنفط في الخليج ومنطقة بحر قزوين، فقد امنوا وجوداً كثيفاً لشركات اميركية، كما امنوا وجوداً عسكرياً كثيفاً بحجة الحماية من الخطرين الايراني ثم العراقي. انا اعتقد اننا اليوم في مرحلة ستدفع، على الارجح، الى اقطاب جدد، ولكن ليس على نفس قواعد اقطاب المرحلة السابقة. ففي القرن التاسع عشر كان مقياس بريطانيا لتشكل القوى العظمى هو اسطولها البحري. القرن العشرون كان لديه قواعد مختلفة اهمها على الاطلاق ان تملك الدول امكانية التدخل والبقاء خارج دائرة الخطر. الولايات المتحدة استفادت كثيراً من كونها تتدخل ولا احد يتدخل فيها. فقد كانت ارض الولايات المتحدة وكأنها خارج الكرة الارضية، لا احد يتدخل فيها على الاطلاق، لذا ما فعله اسامة بن لادن (اذا كان هو الفاعل) يتجاوز بكثير الاصولية، فقد ضرب امراً اساسياً جداً. ضرب الفكر الاستراتيجي الاميركي. وهذا الفكر ليس مبنياً مثل الفكر الاستراتيجي التقليدي على مبدأ الدفاع والهجوم في الثنائية المعروفة. الولايات المتحدة كانت في حالة تدخل او عدم تدخل، وذلك وفق معايير خاصة بها انطلاقاً من مصلحتها او مصلحة السلم العالمي. اما اليوم فهي في حالة الرد على هجوم. اسامة بن لادن، ان كان هو من فعل عملية نيويورك، كسر المألوف الاميركي ووضع الولايات المتحدة في حالة دفاع وليس في حالة هجوم. وغيّر كثيراً من المعادلات.
* منظمة تستأجر دولة
* الى أين يقود هذه التغيير؟ الا يستوجب فترة لتنجلي ملامحه؟
ـ بالتأكيد يحتاج الى فترة لإرساء المعادلات العالمية الجديدة. فالولايات المتحدة هي اليوم فيل اعمى يتخبط ويفتش. حتى استعمال الاداة العسكرية في افغانستان لا يظهر غايتها والى اين ستصل، هل هي لدعم تحالف الشمال؟ باكستان تمنع ذلك الا ضمن شروط، والولايات المتحدة لا تصدّق ان تحالف الشمال قادر على الامساك بالوضع الافغاني. هل القصف هو لتطويق افغانستان على الطريقة العراقية ومحاصرتها؟ لكن لا وسيلة لضبط ايران وباكستان. هل يمهد لعملية برية؟ المثل السوفياتي ما زال في البال. الواضح ان المفاهيم التقليدية في الفكر الاميركي متعثرة في افغانستان. واساساً كل نظريتهم عن الارهاب مغلوطة. فالنظرية السائدة في الغرب عن الارهاب وتحديداً في الولايات المتحدة ان في نهاية الامر هناك دولة ما تدعم منظمة ارهابية معنية. الكلام عن "حزب الله" يصب في هذا الاتجاه. لذا كانت الحكومات الاميركية تضغط على دولة بعينها لضبط "حزب الله". لكن الاميركيين اكتشفوا اليوم ان هناك منظمة تستأجر دولة كما تستأجر شقة، وليس بالضرورة ان هناك دولة خلف المنظمة الارهابية، وانما هناك منظمة ارهابية خلف دولة ما. انقلبت الآية وهذا يعني ان جزءاً اساسياً من التفكير الاميركي حول الارهاب انهار. لكن الجزء الاساسي ايضاً في ما يخصهم انهم يستطيعون تغيير الآخرين وفقاً لمقاييسهم لاعتبارهم ان لا احد لديه القدرة على حماية نفسه، والوضع الاميركي كان الاقوى والاقدر. وكل فكرة حرب النجوم، التي اوقفها كلينتون وكان بوش يرغب بالعودة اليها، تدخل في هذه الاستراتيجية، وذلك لحماية. والارض الاميركية من خلال تحصين الجو ومنع الصواريخ من الوصول الى ارضهم. وهذه الفكرة انطلقت فقط من فكر استراتيجي يقوم على التدخل مع توفير الحماية. ومن هنا فإن اسامة بن لادن، اذا كان هو الفاعل، كسر هذا الفكر الاستراتيجي.
* الى اي مدى انت مقتنع ان اسامة بن لادن هو الذي كسر هذا الفكر وكان الفاعل؟
ـ انا مقتنع انه فعل ذلك لأن عدداً من المسؤولين في المنطقة والعالم الذين اثق بهم اكدوا لي ان ما رأوه من براهين على هذا الامر كاف. لكن هذه العملية تتجاوز في نتائجها الكثير من نيات من اقدم عليها، اذا نظرنا اليها من زاوية اميركية: هناك انقلاب تام في المفاهيم الاميركية وفي نظرية الانفاق العسكري وجدواه. غباء ان نحسب ان العالم سيبقى على ما كان عليه قبل 11 سبتمبر (ايلول). ما حصل في 11 سبتمبر انقلاب مفاهيمي عميق في الدولة الاولى في العالم. نحن نشهد تطبيع الفكر الاميركي. ربما اصبح الاميركيون بشراً كغيرهم في تعاطيهم مع العالم اليوم، وقد يتجه الاميركيون الى الاوروبيين وعموم الدول الاخرى ليتعلموا منهم احوال الدولة الطبيعية.
* الا تجد ان في الامر تفاؤلاً مبكراً؟
ـ ابداً سيسعى الاميركيون الى التعلم من الاوروبيين للتوصل الى معالجة امورهم. هذا الاسد المجروح لن يخرج من ازمته الا بشحنة هائلة من التواضع والا فإنه سيبقى في مأزقه.
الشماتة الاوروبية
* اين هي القوة الاوروبية في هذه الاحداث؟
ـ لدى الاوروبيين موقف مزدوج، في جانبه الاول يعكس التعاطف الحقيقي والتضامن الصادق مع الولايات المتحدة، ذلك ان بعض الدول الاوروبية كانت ارضها مسرحاً لعمليات الارهاب. وهذه الدول عاشت حالة من الشعور بالنقص تجاه الولايات المتحدة التي كانت تمد يد العون لمن يحتاجها في اوروبا الغربية، بمواجهة الاتحاد السوفياتي. لكن الاوروبيين شعروا بقدر من "الشماتة" تجاه هذه الدولة التي كانت تعتبر انها القطب الاوحد في العالم، فاذا بها تصاب اليوم بما تصاب به غيرها من الدول، مما منح العلاقة بين اوروبا والولايات المتحدة بعض التوازن. لذلك اقول ان الاوروبيين والروس يعتقدون بوجوب تطبيع الوضع الاميركي، اي انه لم يعد ممكناً ان تبقى الولايات المتحدة استثناء وانها هي اصبحت جزءاً من القاعدة، مما يعطي الاوروبيين موقعاً افضل بعد ان بقوا فترة طويلة الجناح الاضعف في العلاقة المتينة بين ضفتي المحيط الاطلسي، فضرب الولايات المتحدة بعملية لا سابق لها، ولم تعرفها اوروبا، حتى في اشرس مراحل العنف، اسفر عن قدر من تحسين شروط العلاقة الثنائية بين اوروبا الغربية والولايات المتحدة، التي اصبحت في وضع الطالب، واوروبا لديها اليوم ما تقوله لها.
اما الجانب الآخر من الموقف الاوروبي فهو في توحيد كلمة المسؤولين الاوروبيين للاميركيين على ضرورة عدم الانحياز المطلق لاسرائيل في قضية الشرق الأوسط. والاوروبيون هنا لا يقولون انهم مع الحقوق العربية، ولكنهم يوضحون للولايات المتحدة انها اذا ارادت محاربة الارهاب والنجاح في حملة افغانستان، يفترض بها تخفيف حدة الانحياز الاميركي تجاه اسرائيل لأنه يستثير غضب العرب والمسلمين، وثانياً يجب على الادارة الاميركية ألا تعدد اهدافها العسكرية، بل تركز على افغانستان لأن ضرب اهداف عسكرية اخرى يزيد الطين بلة. لذا كان الكلام الروسي واضحاً بخصوص رغبة فريق في الادارة الاميركية بتعدد الاهداف لمحاربة الارهاب. وكذلك كان الكلام الفرنسي قاسياً بشأن عدم تبني "الاجندة" الاسرائيلية التي تقول بأنه يجب البدء بأفغانستان ثم ضرب العراق مثلاً او سورية او لبنان او ايران، فالفرنسيون يقولون انه يجب التركيز على منبع العنف فقط.
* هل يخرج الدور الاوروبي من طور النصيحة الى التأثير على القرار الاميركي؟
ـ انا اعتقد ان في الافق مشروعاً غربياً جديداً لعملية الشرق الأوسط باسهام اوروبي غربي وروسي بارز، فقد تميزت عملية التسوية في الشرق الأوسط منذ 10 اعوام حتى اليوم على المستوى العالمي بحالة القطب الواحد، وعلى المستوى الاقليمي باستئثار الولايات المتحدة الاميركية بعملية السلام. الآن في هندسة مشروع التسوية وآليته ومحتواه هناك اسهام جديد يشير الى ان اوروبا اليوم متحالفة مع جناح في الادارة الاميركية يقول بعدم تعدد الاهداف والنظر الى المنطقة بكثير من التؤدة مقابل تيار متشدد داخل الادارة يريد ان يعدد الاهداف. من هنا الدور الاوروبي بعد 11 سبتمبر (ايلول) لا يقتصر على النصيحة، وانما على عمل داخل الادارة الاميركية بمواجهة الجناح المتشدد في خضم الخلل الحاصل حالياً.
* ما مدى تأثير هذه الاحداث على الوضع العربي سلباً ام ايجاباً؟
ـ العرب في وضع مخيف. خصوصاً عندما تصدر بعض التصريحات الاميركية الفجة. وعندما ننظر الى اوضاع الافراد والعائلات العربية والاسلامية في الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الاميركية. وما يرافق هذه الاوضاع من تهديدات لدول عربية كالصومال والسودان وسورية ولبنان، ناهيك من هبوط اسعار النفط والتدخل الاميركي المتزايد في الانظمة المصرفية العربية. وكل هذه العناصر تدعو العرب الى التخوف والقلق والقنوط من الوضع الحالي، مع الاقرار بأن مصادر القلق والخوف حقيقية، لا سيما اذا نما التيار المتزايد الذي يريد تحويل الغرب الى قلعة متمترسة تجاه العالم العربي والاسلامي ومحاولة عزل الحضارة الغربية عما يحيط بها من اخطار.
لكن الاحداث العالمية الراهنة هي ايضاً فرصة لتحسين الوضع العربي في النظام العالمي والضغط على الولايات المتحدة، بما انها في موقع الطالب كي تنظر الى فاتورة انحيازها لاسرائيل، وفرصة مهمة كي يباشر العرب والمسلمون بتزويج اكثر صرامة بين الاسلام والعقلانية.
* ولكن الظاهر ان القواعد الشعبية تميل غرائزياً الى الاصولية على حساب العقلانية، هل تعتقد ان العرب، بالنظر الى ما هم عليه، قادرون على التغيير؟
ـ انا اعتقد ان التيارات الاصولية وصلت مع العملية الاخيرة الى حدها الاقصى، فعموم الناس يفكرون بالامور بطريقة اكثر وعياً، وبالتالي فإن عملية نيويورك تدفعنا الى التفكير في طروحات تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان"، ونفكر الى اين يمكن ان تذهب الاصولية بالمجتمعات، سواء لجهة حرمان البنات من التعليم او لجهة حرمان الناس من التعبير او لجهة قتل الفنون والموسيقى. او لجهة الانكماش على الذات، فكل هذه الممارسات لا تؤثر بالتأكيد على الغرب ولا تضره، وانما تؤثر علينا كمجتمعات شرقية واسلامية وتؤذينا. وقد حان الوقت للعودة عن التشدد والتطرف، وآن للفكر الاسلامي ان يعانق الحداثة وان يجد العبرة في النتائج التي وصل اليها التشدد والانعزال. فالمعروف ان الحضارات واللغات والاديان التي تنكمش تندثر، وفي القرن العشرين اندثرت 350 لغة. وما هو حاصل اليوم يشكل فرصة للمسلمين واهل الشرق كي يعيدوا النظر في التقليعات الاصولية التي انتشرت في الاعوام الثلاثين الماضية، والتي ابتعدت وشطت عن الاسلام كدين تفاعل وقادر على استيعاب انظمة ومؤسسات ومفردات آنية من حضارات اخرى. لدينا فرصة مهمة وانا اعتقد ان عدداً كبيراً من القادة العرب يفكرون في هذا الامر. فالتطرف له ثمن يدفعه اهله قبل ان يدفعه الآخرون.
* اين الدور السعودي في هذا الاطار؟
ـ السعودية من هذه الناحية في عين العاصفة. وهي بحاجة الى اعادة نظر ضرورية لاختيار من تخاطبهم خارج المملكة والى اختيار من تخاطبهم داخل المملكة والى اختيار طرق تعامل جديدة مع المجتمع السعودي، لا سيما تجاه بعض عمليات التكفير التي انطلقت من منابر متفرقة. من دون شك انه لم يعد ممكناً في المجتمعات الاسلامية اخذ ادوات الحداثة من دون تبني قيمها العقلانية والعلمية التي تسمح لهذه المجتمعات بانتاج هذه الحداثة. هناك وهم ساد مجتمعاتنا بأننا نستطيع ان نستهلك سلع الحداثة من دون ان نتبنى الفكر العلمي وما يرافقه من مفاهيم للتطور وتطويع الطبيعة ومحاربة القدرية، وهي القيم التي سمحت لهذه المجتمعات بالمضي في الحداثة. اليوم اتت ساعة الحقيقة ولم يعد ممكناً للمجتمعات الاسلامية والعربية ان تجتزئ التكنولوجيا كسلعة منفصلة عن الفكر وعن القيم التي سمحت باختراعها.
* في ظل هذه المعطيات كيف ترى الى الامور بين الولايات المتحدة الاميركية والدول العربية وتحديداً المملكة العربية السعودية؟
ـ هناك سوء تفاهم حقيقي وطويل الامد لن ينتهي بزيارة من هنا وزيارة من هناك. ليس فقط بين الولايات المتحدة الاميركية والمملكة العربية السعودية، وانما مع الدول التي كانت تعتبرها الولايات المتحدة حليفة لها. فالامر لم يعد بهذه السهولة، لان الارهاب خرج من هذه الدول الحليفة. ولا ننسى ان 15 من اصل 19 اسماً كانوا سعوديين. والولايات المتحدة تحمل السعودية مسؤولية خروج الارهاب منها. واحدى اكبر المشاكل الاميركية السياسية في المنطقة ان مشكلتها اليوم مع حلفائها، من دون ان ننسى ان لديها خصومها في المنطقة. والمفارقة ان الارهاب خرج من الدول الحليفة للولايات المتحدة التي تميل الى تحميل هذه الدول المسؤولية.
* الدبلوماسية الاميركية في مأزق
* كيف يبرز الدور الاوروبي لإعادة التوازن الى هذه العلاقة؟
ـ اوروبا تعي ان الدبلوماسية الاميركية في مأزق حقيقي في الشرق الأوسط. وهذا ما يحاول الاوروبيون ان يذهبوا به الى واشنطن، موضحين ان لدى الولايات المتحدة مشكلة حقيقية، فهي استمرت في عدم الانفتاح على خصومها وباتت تشك في حلفائها. الاوروبيون لا يملكون القدرة والطموح لاحتلال مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فهم يعتبرون ان العلاقة الاميركية ـ الاسرائيلية عضوية، لذا فان الدور الاوروبي يسعى الى اعادة صياغة مضمون التسوية واعادة تركيب آليتها بالتعاون مع الاميركيين وإقناعهم بالكف عن استئثارهم بعملية التسوية وادخال بعض العناصر التي يعتبرها الاوروبيون ضرورية لتنتج حلاً عادلاً. هدف الاوروبيين والروس اعادة الصياغة، وبالتالي تقوية دورهم من دون حذف دور الاميركيين، وانما بالتعاون معهم، لا سيما ان التجربة السابقة التي استمرت عشرة اعوام لم تعط النتيجة المرجوة. والصيغة الاوروبية تشير الى عدم وجوب استئثار الولايات المتحدة بعملية التسوية والحد من الانحياز الاميركي لاسرائيل والى الاعتراف بأن الأسس التي انطلقت بها الولايات المتحدة لعملية التسوية لم تبق في مسارها، اي ان الولايات المتحدة واسرائيل لم تلتزما بمقررات الامم المتحدة والمرجعيات الدولية، كما كان اساس مؤتمر مدريد. من هنا تقتضي الصيغة الاوروبية ان تقوم عملية التسوية بمشاركة اوروبية ـ اميركية كما تقتضي العودة الى قرارات الشرعية الدولية لانجاح التسوية في الشرق الأوسط.
* كيف ترى الصورة في ظل تداعيات 11 سبتمبر على العرب؟ وهل يمكن ان تنتج عنها فرصة ايجابية؟
ـ بالطبع هناك فرصة، ونحن كلبنانيين مسؤولون عنها. فأولا نحن عشنا تجربة دفعنا فاتورتها صراع طوائف حصد 120 الف قتيل. ثانياً ستعقد القمة العربية في بيروت ونحن مسؤولون عن وضع "الاجندة" الخاصة بها. يجب انجاز عمل دؤوب لتكون القمة بمستوى الاحداث وليست اجتماعاً عادياً، يجب ان تكون بمستوى التطورات العميقة التي تضرب النظام العالمي وتؤثر علينا بصورة خاصة، لذا يجب ان نضع امام رؤساء الدول كلاماً جدياً عن خطة لتفعيل الموقع العربي في الساحة الدولية. وان لم نتصرف بهذه الطريقة لن نكون فقط في طريقنا الى هدر فرصة استثنائية، وانما نرتكب عملاً اجرامياً، بمعنى ان نبقى في حالة ردة الفعل. ولا نعتبر ان ما حصل ليس فقط مصدر قلق على كل دولة عربية بمفردها، وانما هو فرصة لعمل جماعي. هناك علاقة جدلية في ما حصل، فهو مصدر تهديد لكل دولة عربية على حدة، لكنه فرصة استثنائية للدول العربية مجتمعة لتفعيل الدور العربي. ومن يرى خلاف ذلك ينظر فقط الى نصف الكوب. لأن النصف الآخر يستوجب اعادة صياغة علاقتنا كعرب بالغرب، وايضاً يستوجب اعادة صياغة علاقة كل دولة بمجتمعاتها وتحسين اوضاعها الداخلية، وهذا يقتضي موقفاً صارماً من انفسنا. وهنا احذر من ذهاب العرب الى هذا الحدث بالمفرق وليس بالجملة، واشير الى اننا نملك فرصة لاعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع، بحيث تقرن الدولة فعلاً الهوية الوطنية بالحداثة. وهذا الكلام موجود في الحكومات العربية، لكن بلورته ما زالت غير موجودة، وان كان يدور في افكار المسؤولين وفي جلساتهم الخاصة. واذا تم اعداد العدة بما يجب يمكن ان نصل من خلال لقاءات واجتماعات تمهيدية لنضع كلاماً جدياً بين ايدي الرؤساء. الوقت ضيق لكننا نستفيد منه، فالدول العربية حريصة على سيادتها وحساسة تجاه اي قرار دولي تعسفي يتخذ بحقها، وهي تخاف حالياً ان تذهب "حشوة سندويش" بين الحركات الاصولية والضغوط الاميركية، مما يدفعها الى البحث عن خط ثالث.
* كيف يمكن ايجاد الخط الثالث في ظل تحول العنف الى حركات جماعية تحت عنوان "الاصولية" في العالم العربي والاسلامي؟
ـ ما يولد الارهاب هو العنف الظالم. عندما تشعر مجموعة او فرد ان هناك عنفاً يمارس، وان وسيلة ازالة هذا العنف التقليدي من خلال المحاكم والقانون والتفهم وتغيير مسلك ممارس العنف هي غير ممكنة، يولد حينها العنف الظالم عنفاً مضاداً. وهذه الظاهرة هي في الآديولوجيات عندما يشعر ولد في عائلة بتفرقة لمصلحة إخوانه الآخرين ويحاول تحسين هذا الوضع مرة ومرتين وثلاثاً بمختلف الوسائل السلمية ويفشل، فانه ينتهي بأن يكسر ما يجده امامه. العنف هو ردة فعل عاجز على شعور بتلقي العنف. وهنا يأتي دور العقائد القوية التي تجمع حولها عدداً من الباحثين عن مهرب من الظلم. القرن التاسع عشر مثلاً كان قرن القوميات، والقرن العشرون كان قرن الآيديولوجيات البعيدة عن الاديان. وفي هذين القرنين، وتحديداً القرن العشرين البعيد عن التدرب شهدنا مقتل اكبر عدد من الابرياء الذي لم يصل الى هذا الحد من قبل. والسبب كان آيديولوجياً ومتعلقاً بالاحلاف الاستراتيجية وشكل ظاهرة لا سابقة لها، وأتمنى ان لا يكون لها لاحقة، هو قرن الموت وليس قرن الدين. من هنا لا ارتباط عضوياً بين التدين والقتل اكثر مما يوجد في ارتباط العقائد الاخرى .
* هل يتولد الارهاب من لجوء الجاهل والاعزل باسم الدين الى العنف؟
ـ ليس بالضرورة، الدين عنصر اجتماعي لا سمة ايجابية او سلبية له. قد يؤدي اعتناق الدين الى دعوات قاسية وعدوانية عنيفة وقد يؤدي الى دعوة بشرية مسالمة، ولكنه مثل العقائد الاخرى ليست له صفة متلازمة بالعنف ولا يمكن تحديد ارتباط عضوي بين الدين والعنف.
* اخيراً، كيف يرى غسان سلامة المسافة بين الاصولية والارهاب؟
ـ لا شك ان الارهاب هو احدث موضة عالمية، وله تاريخ اشتركت فيه تقريباً كل دول العالم، فأنا لا اعرف دولة لم تمارس الارهاب، اي لم ترتكب عملية اغتيال مدنيين لا علاقة مباشرة لهم بصلب الموضوع، خدمة لأهداف سياسية. وهذا الامر حصل في القرنين الماضيين بطريقة عادية جداً، ونستطيع ان نقوم باحصاء لنرى من قتل ابرياء ومدنيين، وسيكون العرب في اسفل اللائحة. لكني لا اعرف مطلق علاقة بين الارهاب والاصولية.
* لكن الربط بين الارهاب والاصولية موضة عالمية ايضاً، ماذا تقول؟
ـ لنكن صريحين، منذ 40 عاماً والاميركيون يقولون لنا ان لدينا ارهابا، كان يرتكبه جورج حبش مثلاً او ياسر عرفات او نايف حواتمة او غيرهم من جماعات لا علاقة لها بالاصولية. من هنا ممارسات الارهابي لا ترتبط بالتدين، مع ان جميع الاديان انتجت حركات ارهابية. فالاديان لها تاريخها والاصولية لها تاريخها والارهاب له تاريخه، ولا استطيع ان اقارن الارهاب بالاصولية، لأني لا استطيع ان اقارن الماء بالنار، وهما عنصران لا علاقة تربطهما، ربما يلتقيان من وقت الى آخر. واكبر عملية ارهاب شهدها القرن العشرون هي ابادة اليهود في المانيا كقتل جماعي. في حروب البوسنة لدينا تاريخ مرعب، حصلت عمليات ارهاب لا حدود لها. نحن في لبنان ارتكبنا الارهاب بحق بعضنا، فالقتل على الهوية للمدنيين هو ارهاب، والدين لم يكن السبب الحقيقي. الاميركيون يقولون لنا ان الاصولية ارهاب، ويدفعون بألف ومائتين وخمسين شخص الى افغانستان، يدفعونهم الى الانتحار الجماعي باسم الاصولية. هذه حركة ارهابية. والحركات الارهابية غير المرتبطة بالاصولية اكثر عدداً واكثر إدانة في تاريخ القرن العشرين.(الشرق الأوسط اللندنية)
&