قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&
ما يجري اليوم في بنغلاديش يثير مخاوف الكثيرين من مراقبي أوضاع هذا البلد ويزيد من احتمالات انجرافها أكثر فأكثر نحو نسخة كربونية من باكستان لجهة اضطراب الاحوال السياسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية وانتشار العنف المسلح وتعزز مواقع الجماعات الأصولية المتشددة. فبنغلاديش بعد كل شيء ليست سوي ذلك الجناح الشرقي من دولة محمد علي جناح المؤسسة علي العامل الديني الذي فضل الانفصال عن البلد الأم في عام 1971 لأسباب قومية بالدرجة الأولي، وبالتالي فهي تحمل إرث السنوات الأولي من استقلال الدولة الباكستانية وما رسم فيها من توجهات ايديولوجية وهياكل سياسية وتنظيمية.
صحيح أن العقود الأخيرة من تاريخ البلدين اتصفت بوجود ملامح مشتركة كثيرة مثل الانقلابات العسكرية وصراعات الاحزاب السياسية وانصراف الساسة المدنيين إلي المماحكات الشخصية والمصالح الضيقة بدلا من الاهتمام بمصالح الجماهير العريضة وتبادل الكراسي ما بين رأسين حزبيين يحكم تعاملاتهما العداء التاريخي الشخصي وحب الانتقام والتشفي علي نحو ما لوحظ بين بي نظير بوتو ونواز شريف في الباكستان وبين الشيخة حسينة واجد وخالدة ضياء في بنغلاديش، إلا ان ما أسفرت عنه الانتخابات البرلمانية الاخيرة في بنغلاديش في أكتوبر المنصرم من نتائج وما حدث قبلها وبعدها من تداعيات ربما يقود هذا البلد إلي وضع أكثر تطابقا مع الوضع الباكستاني المضطرب أمنيا وسياسياً.
ولمزيد من التوضيح لابد من الإشارة إلي ان بنغلاديش نعمت خلال السنوات الخمس الماضية منذ مجيء الشيخة حسينة واجد وحزبها (حزب عوامي) إلي السلطة في عام1996 عبر انتخابات ديمقراطية حرة باستقرار نسبي وببعض الانجازات الدبلوماسية والتنموية غير المسبوقة. فقد اقترع البنغاليون في الانتخابات ما قبل الماضية بكثافة لصالح الشيخة حسينة، الأمر الذي مكنها للمرة الأولي منذ مقتل والدها المؤسس الشيخ مجيب الرحمن في عام 1975 من الصعود إلي الحكم بأغلبية واضحة، وبالتالي نسيان هزائمها المريرة في انتخابات عامي 1986 و1991 علي يدي الجنرال حسين ارشاد والسيدة خالدة ضياء علي التوالي.
وبينما راحت حسينة واجد توظف أغلبيتها البرلمانية وإرث والدها السياسي في تمرير مشاريعها وأجندتها عبر المؤسسة التشريعية دون صداع كبير، كان خصومها المهزومون وعلي رأسهم خالدة ضياء زعيمة حزب بنغلاديش القومي (BNP) المعروف بتوجهاته الإسلامية منذ تأسيسه علي يد زوج الاخيرة الجنرال ضياء الرحمن (اغتيل في انقلاب دموي في عام 1981 بعد قضائه عامين في السلطة) يثيرون الشارع ويقودون المظاهرات ويدعون إلي الاضرابات ويتهمون الحكومة تارة بالعمالة للهند وتارة أخري بالابتعاد عن الإسلام ونشر الافكار العلمانية واليسارية، علما بأن الدستور البنغالي ينص علي علمانية الدولة. وعلي الرغم من هذه التحديات التي شغلت الشيخة حسينة ومنعتها من توجيه كامل جهدها نحو المشاكل الحقيقية لأكثر من 127 مليون بنغالي فقير، فإن الزعيمة البنغالية فاجأت منتقديها بجملة من الإنجازات خلال السنوات الخمس الماضية علي رأسها انهاء حرب دامت 22 عاما ضد مجموعات قبلية اثنية عبرتسوية سياسية أفضت إلي دمج ميليشياتها في المجتمع وعودة أكثر من 50 ألف عائلة متمردة من الهند، وتأسيس برنامج اجتماعيتحصل بموجبه الأرامل وكبيرات السن وعائلات شهداء حرب الاستقلال علي رواتب حكومية شهرية إلي ذلك شهدت بنغلاديش خلال الفترة ذاتها الانتهاء من عدد من مشروعات البنية التحتية الضرورية كالطرق والجسور وشبكات الاتصالات مع استقرار في الاسعار وتراجع في معدلات التضخم وزيادة في حصيلة الصادرات، علي ان إنجاز حسينة الأكبر كان في مجال العلاقات الخارجية ولا سيما لجهة تصحيح الخلل في علاقات بنغلاديش مع جارتها الهندية الكبيرة. فمن بعد سنوات طويلة كانت السياسة الخارجية البنغالية فيها تصنع بأيدي من عارضوا ابتداء قيام بنغلاديش المستقلة عن باكستان، وبالتالي كان التوجه العام ضد تطوير الروابط مع نيودلهي، جاءت حسينة واجد برؤية مختلفة وواقعية تقوم علي تقديم المصلحة الوطنية علي الايديولوجيا وانطلاقا من هذه الرؤية تبنت سياسة خارجية مفادها ضرورة الانفتاح علي الهند التي تحيط ببلادها مثل الكماشة وتمر عبرها تجارة بنغلاديش البرية استيرادا وتصديرا، وحل كافة المشاكل معها لتوفير مناخ أمني يتيح الالتفاف الجاد نحو قضايا التنمية واستخراج ما في باطن الأرض البنغالية من كميات هائلة من الغاز الطبيعي. وقد ظهرت تجليات تلك السياسة في توقيع معاهدة تنتهي بعد ثلاثين عاما مع نيودلهي لتقسيم مياه نهر الغانغ، ناهيك عن اتفاقية هندية - بنغالية أخري لضبط الاحوال علي جانبي الحدود المشتركة الطويلة وبما يمنع أنشطة ميلشيات معادية للهند تتخذ من الاراضي البنغالية الحدودية مقرا للتدريب والاختفاء والانطلاق وكنتيجة لهذه التطورات الايجابية قامت الهند من جانبها بقطع الامدادات والحماية عن ميليشيات بنغالية معادية لحكومة دكا وعاملة من داخل الاراضي الهندية، الأمر الذي كانت له انعكاسات طيبة علي تواصل شعبي البلدين وانخراط قواهما الاقتصادية والتجارية في تعاون ظل مؤجلا لمدة طويلة.
وربما لو بقيت الشيخة حسينة وحزبها في السلطة لفترة أخري لرأينا تلك الانعكاسات بصورة أفضل. لكن الانتخابات الاخيرة جاءت برياح لا تشتهيها سفن حزب عوامي وانصارها من القوي الليبرالية والعلمانية والإسلامية المعتدلة.
إذ حصل عوامي علي 62 مقعدا فقط من مجموع مقاعد البرلمان البالغة 300 فيما حصل تحالف حزب بنغلاديش القومي والقوي الإسلامية الأصولية علي 202 مقعد وبالتالي آلت السلطة إلي الفريق الأخير الذي شكل علي الفور حكومة جديدة من 60 وزيراً بقيادة خالدة ضياء هي الأكبر منذ تأسيس بنغلاديش قبل 30 عاما لتخلف حكومة انتقالية أشرفت علي العملية الانتخابية بقيادة كبير القضاة لطيف الرحمن كما ينص الدستور البنغالي الحالي.
وهكذا تبادلت الغريمتان اللدودتان حسينة وخالدة المراكز والأدوار، وراحت الأولي تكرر ما فعلته الثانية علي مدي السنوات الخمس الماضية سواء لجهة التشكيك في نزاهة الانتخابات أو مقاطعة جلسات البرلمان أو لجهة التهديد بالاضرابات والاحتجاجات الشارعية، فيما سلت الثانية وانصارها سيف محاسبة العهد السابق ومطاردة انصاره بما في ذلك تقديم الشيخة حسينة إلي المحاكمة بتهمة الرشوة والفساد.
وعلي الرغم من صدور شهادات من قبل مراقبين غربيين ومنظمات بنغالية غير حكومية تؤكد علي قيام الحكومة الانتقالية بالاشراف علي عملية الانتخابات بنزاهة وحياد، إلا ان هناك قطاعا واسعا في الشارع وفي وسائل الإعلام المحلية يتهم هذه الحكومة بممارسات يستشف منها الانحياز علي أساس ايديولوجي وطائفي في عدد من الدوائر الانتخابية، وبعدم التحرك سريعا لوقف أعمال تهديد يقال ان نشطاء إسلاميين أو تابعين لحزب بنغلاديش القومي قاموا بها لمنع الناخبين من الاقتراع لحزب عوامي أو المشاركة في حملاته وخاصة في أوساط الهندوس الذين يشكلون نسبة عشرة بالمائة من السكان (حوالي 12،7 مليون نسمة) والمعروفين تقليديا بمناصرة حزب عوامي. وبحسب المصادر نفسها فإن هؤلاء النشطاء بعدما فازت أحزابهم وسعوا من دائرة اضطهاد خصومهم وراحوا يطاردون انصار عوامي وكل من صوت له في التنظيمات النقابية والإدارات المحلية والتجمعات الريفية البعيدة، الأمر الذي أدي إلي هجرة الكثيرين منهم سواء إلي الداخل أو الخارج فرارا من عمليات انتقامية أبشع. أما مصادر حزب عوامي الذي يبدو أن قادته صعقوا بهزيمة لم يكونوا يتوقعونها فتؤكد علي وجود أجندة سرية طرفاها حزب بنغلاديش القومي والقوي الاصولية وهدفها ضرب القوي الليبرالية والعلمانية واليسارية والإسلامية المعتدلة عبر الاضطهاد والقمع حتي لا تقوم لها قائمة بعد اليوم، وان الاول يستخدم الثانية لتحقيق امنيته في البقاء في السلطة طويلا ودون متاعب فيما الثانية يستخدم الاول كجسر للعبور نحو تحقيق حلمه في إقامة دولة إسلامية خالصة تحت قيادته.
وبعيدا عن صحة هذه الاتهامات من عدمها يري كاتب هذه السطور ان أحد أسباب هزيمة حزب عوامي هو اعتداده بشعبيته وانجازاته بحيث راهن علي خوض الانتخابات منفردا، فيما لجأ خصمه اللدود إلي التحالف مع التيار الاصولي المتنامي وعلي رأسه حزب جماعت إسلامي الذي لا يزال يتبني رفض فكرة بنغلاديش مستقلة ومنفصلة عن باكستان ويرتبط مع الحزب الذي يحمل الاسم في باكستان بروابط ايديولوجية ويحظي بعطف كبير في دوائر صنع القرار الباكستانية، ناهيك عن روابطه بحركة طالبان الافغانية والتي تجسدت في تحريكه للشارع البنغالي دفاعا عن الملا محمد عمر وأسامة بن لادن تماما مثلما فعل شريكه الباكستاني بقيادة القاضي حسين أحمد في شوارع كراتشي وبيشاور وكويتا، والأخير الذي يعتبر فرعا باكستانيا لجماعة الاخوان المسلمين منذ تأسيسه علي يد أبي الاعلي المودودي في الاربعينيات كان يراقب الاوضاع في بنغلاديش عن كثب ويبشر مسبقا بهزيمة حزب عوامي في الانتخابات ربما انطلاقا من حسابات وترتيبات متفق عليها ضمن حلم لا يزال يراوده في اعادة توحيد ما قسمته حرب البنغال في عام1971 ومما يجدر بي ذكره في هذا المقام أنه في ليلة إعلان نتائج الانتخابات الاخيرة كنت وأحد كبار رموز حزب جماعت إسلامي الباكستاني نستعد لحوار متلفز في إحدي الفضائيات، فوجدته مهتماً بمعرفة تلك النتائج أكثر من المعنيين مباشرة بالأمر، بل بدا واثقا من هزيمة الشيخة حسينة وحزبها. ، وبالفعل فقد تأكدت تلك الهزيمة خلال دقائق ليدخل حزب جماعت إسلامي البنغالي إلي السلطة كشريك للمرة الأولي منذ قيام بنغلاديش.
لقد استغل هذا الحزب بذكاء صراع الديوك ما بين الارملتين حسينة وخالدة ليوطد اقدامه في الساحة السياسية البنغالية وليبرز كواحد من أفضل تنظيمات الإسلام السياسي ترابطا وانتشارا وأيضا طموحا أما الخافي فسوف تبديه الأيام المقبلة.
والحال ان بنغلاديش وضعت أقدامها في العام 1996 علي الطريق الصحيح للمرة الأولي منذ تأسيسها لكنها اليوم تعود مرة أخري للسير في طريق مجهول لا يعلم سوي الله إلي أين سيقودها والفضل هنا يعود إلي الطريقة التي تمارس بها السياسة في هذه البلاد والتي يهيمن عليها الحسد والانتقام والنقد المرير دون سبب وافشال كل فريق لانجازات الفريق الآخر. (عن "الراية" القطرية)

&&&&&&&&&&&&& باحث وخبير خليجي في الشؤون الآسيوية
E.mail:[email protected]
&