قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

"أين هم المتجرّدون الذين لا يسعون الى الحصول على المزيد من النفوذ والسلطة في المجتمع، ونراهم يسخّرون القوانين والمؤسسات لتحقيق رغائبهم فيحوّرونها عندما يكونون في موقع السلطة، ويعدّلونها ولو لأيام ثم يعيدونها الى ما كانت، ليستفيدوا من تعديلها وحدهم دون سواهم؟ واذا تحدثنا عن قانون الانتخاب، فقد يطول الكلام، فهناك قانون لكل دورة وتقسيم جديد، يقصي المناوئ ويسهّل على المرغوب فيهم سبيل النجاح، لمزيد من النفوذ والسلطة في المجتمع".
البطريرك مار نصرالله بطرس صفير
في افتتاح مجلس البطاركة والمطارنة الكاثوليك
("النهار" 11/12/2001)
"اريد ان يعرف الناس اننا في نظام ديموقراطي برلماني يخضع فيه التغيير لمقاييس واصول، وتخضع فيه السلطات لمبادئ واحكام تحدد الصلاحيات لكل منها وفي ما بينها (...).
واني اقول للناس: حتماً ستكون هناك بداية. نعم ستكون هناك بداية، فلا تستعجلوا الاحكام على الوجوه والاسماء، اياً تكن، وانتظروا الممارسة ففيها الجواب.
ايها اللبنانيون، انتم الحكم واليكم الاحتكام".
هذا الكلام للرئيس العماد اميل لحود، لم يقله امس في مجلس الوزراء، بعد وقوفه على ردود الفعل الشعبية - لا السياسية المنافقة والمتزلفة - بل هو "العهد" الذي قطعه القائد على نفسه، بعيد انتخابه رئيساً للجمهورية في 24 تشرين الثاني ،1998 قبل ثلاث سنوات وبضعة ايام امضاها وهو يحاول ان يكون صادقاً مع نفسه، وفيّاً للقسم الذي اداه امام الشعب الذي كان "زائغاً" آنذاك فرحاً، لان القادم الى بعبدا يعكس توق جميع اللبنانيين الى التغيير على يد رجل قال انه لا "يدّعي" ان لديه "عصا سحرية تلبي الآمال بين ليلة وضحاها" ولكن لديه "النية والارادة" ويده "ممدودة للجميع في كل ما هو خير وصواب وعدل".
ولقد انتظر اللبنانيون طويلاً تحقق& هذا الثالوث، الى جانب انتظارهم ان يكونوا هم "الحَكَم واليهم الاحتكام". ولقد خاب ظنهم في الحالتين، لان ثمة من حال دون الرئيس وتحقيقهما. فهؤلاء لم يكونوا هم الحَكَم، منذ ما قبل تولي الرئيس لحود سلطاته الدستورية - وشرط الولاية منذ الطائف ان تكون دمشق& هي الحَكَم - ولا جرى اليهم الاحتكام في اي شأن منذ اكثر من عقد.
وقد وجد الرئيس في التعيينات الادارية الاخيرة، والردود الشعبية عليها، فرصة لمحاولة الوفاء بالقسم الذي اداه امام الشعب قبل ثلاث سنوات والعهد الذي قطعه له على نفسه، بطلبه تأجيل الدفعة الثانية من التعيينات الى مطلع السنة الجديدة، من اجل المحافظة على التوازن الطائفي المرتبط بالعيش المشترك الذي جعله اتفاق الطائف شرطاً لاكتساب الشرعية بقوله ان "لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". كما نبّه المعينين حديثاً، وخصوصاً اولئك الذين جاء بهم الوزراء "لينسجموا" واياهم في ادارة الشؤون العامة، بأن امامهم ثلاثة اشهر ليثبتوا كفاياتهم وليشرّفوا شهاداتهم والقابهم العلمية، فإذا هم فشلوا أُقيلوا وأُعيدوا الى حيث كانوا، وليعيّن من هم اكفأ منهم. وهو القائل ان "المسؤولين يكتسبون الحصانة من حسن الممارسة، لا من قوة الحماية السياسية والطائفية".
ان اللبنانيين راغبون بصدق واندفاع في دعم هذا التوجه لدى رئيس الجمهورية، لان نجاحه هذه المرة في اصلاح الادارة، بعدما اخفق في بداية عهده لالف سبب وسبب، من شأنه ان يعطي اشارات في اكثر من اتجاه الى ان "الحرب" داخل الحكم قد انتهت، وان البلاد سائرة في طريق الخلاص، وخصوصاً ان البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير قد ذكّر الحكم في افتتاح مجلس البطاركة والمطارنة الكاثوليك الذي انعقد هذا الاسبوع، بما جاء في الارشاد الرسولي بانه "لا بد من تكثيف التعاون بين المسيحيين والمسلمين في كل المجالات الممكنة، بروح التجرد (...) أي من أجل المصلحة العامة، وليس من أجل مصلحة اشخاص معينين او من اجل طائفة خاصة".
وهذا يزيد من مسؤولية الرئيس في "تكثيف التعاون" بين الفئات التي تكوّن المجتمع اللبناني، واستيحاء القيم المسيحية الانسانية من اجل جعل المصلحة العامة تتقدم على المصالح الخاصة، للوزراء في الدرجة الأولى، وكذلك على مصالح الطوائف التي غالباً ما يلجأ اليها من لا تتوافر فيهم الكفايات لتدعمهم على حساب الاكفياء والمصلحة العامة.
وأياً تكن مبررات بعض المنظّرين المحيطين برئيس الجمهورية للقول ان الرئيس غير مسؤول عن التعيينات، وان المسألة هي في يد مجلس الوزراء، وخصوصاً ان رئيس الجمهورية لم يعد، بعد الطائف، رأس السلطة التنفيذية. اذ غاب عن هؤلاء ان الطائف قد جعله مسؤولاً عن العيش المشترك، المعيار الحقيقي للشرعية. وهذا المعيار لا وجود له خارج التجربة اللبنانية التي تشترط التوافق والتعاون والتضامن لقيام الشرعية وتبريرها، فضلاً عن تحصينها.
لذلك لا يستطيع الرئيس ان يقف مكتوفاً، وعلى الحياد، عندما يطرح الوزراء الادارة وقيادتها في "بازار"، ينادون عليهما كأنهم& في سوق دلالة.
اذ منذ قرر رئيس الجمهورية ترؤس جلسات مجلس الوزراء، قد تنكّب طوعاً مسؤولية المشاركة في القرار.
ومع ان دستور الطائف قد جرّد رئيس الجمهورية من كل صلاحياته التنفيذية، فما عاد حاكماً غير مسؤول عن افعاله، فان الرئيس لحود قد حمل خطاب القسم وجاء به الى مجلس الوزراء شريكاً أساسياً في المسؤولية، "أطوعاً"، كان ذلك أم "بالقوة". فلم نعد نسمع وزير الاعلام يصرح ان "الرئيس حضر فترأس"، بل بات يقول "الرئيس ترأس الجلسة"، وهذا "الترؤس" يضاعف من مسؤولية الرئيس عن كل ما يجري تداوله في مجلس الوزراء، وما يتخذ فيه من قرارات، وخصوصاً اذا شاء الرئيس ان يكرس التجرد ويحرس شرعية العيش المشترك، ويؤمّن التوازن بين مكونات المجتمع، ويمنع الانحراف عن خدمة المصلحة العامة الى خدمة "أشخاص معينين او طائفة خاصة"، كما قال الارشاد الرسولي.
الا ان الالتزام الذي ابداه رئيس الجمهورية في خطاب القسم، لم يُترجم ، وياللأسف، في تأليف الحكومة واختيار وزرائها بحسب الكفاية والخبرة تحقيقاً للمصلحة العامة. لذلك يتساءل اللبنانيون كيف سيطالب الوزير الذي جاء الى الوزارة كأنها مزرعة وجزء من اقطاع& بمدير عام نظيف الكف، شفاف، يتحصن بشهاداته للتصرف باستقامة واحترام للقوانين والاصول الدستورية؟ بل كيف سيطلب الوزير مديراً عاماً اعلم منه وافهم؟ ، وبأي لغة سيتخاطبان؟ والارجح ان الوزير سيأتي بمدير عام تابع له، ينفذ اوامره، ويخدم مصالحه. كما ان المدير العام يعرف، من تجربة المدير العام للآثار كميل اسمر الذي غادر السجن اخيراً، ان الموظف الذي لا يساير، ولا يطيع نهايته معروفة.
وفي ظل نظام تنعدم فيه المحاسبة، وخصوصاً للوزراء، تُشَرعَن فكرة المزرعة عبر الآلية التي اخترعها مجلس الوزراء لتعيين المديرين العامين بـ"ارادة" الوزراء انفسهم، وأن برقابة نظرية من مجلس الخدمة، بحيث يكون ولاء المدير للوزير وليس للدولة، وكذلك دوره خدمة الوزير ومصالحه لا خدمة المصلحة العامة. وقد صارح مجلس الخدمة الرأي العام بأن رأيه لم يؤخذ به في حالات كثيرة.
واننا لنعجب كيف ان رئيس الجمهورية الذي عارض التعيينات المصلحية الى ان أُقرت آلية التعيين، لم يفرض - وهو قادر - وضع توصيفات لكل وظيفة، من النوع المعتمد في الجيش لكل وظيفة، واخضاع المرشحين لاختبارات علمية ونفسية، نظراً الى ان الامر يتعلق بقادة اداريين وليس بموظفين عاديين، ولان المعينين يفترض ان يكونوا قدوة لسواهم في الاستقامة وعفة النفس، ونظافة اليد.
وثمة من يقول، بغصة، ان تجاهل الشعب كَحَكَم، تعود اليه السلطة، قد ساعد فى تسييب الادارة. والدليل على ذلك ان الشكوى من الثغر في التعيينات، وتغليب منطق المحاصصة السياسية والطائفية والمذهبية على منطق التوازن والعدالة والمساواة، قد قدمت الى المراجع السورية النافذة في بيروت ودمشق، اكثر ما قدمت الى المراجع اللبنانية، والى رئيس الجمهورية بالذات.
لا بل يشير هذا البعض الى أصابع سورية في التعيينات لم يقو مجلس الخدمة على مقاومتها.
ويضيف هؤلاء ان لا مجال للنهوض ما دام قرار لبنان ليس في يده، لا في الادارة، ولا في السياسة، ولا حتى في الديبلوماسية حيث يُجمع مجلس الوزراء على ان مدير الشؤون السياسية في الخارجية هو الاكثر كفاية لتولي منصب الامين العام، بينما يصرّ رئيس الحكومة على الاتيان بقاضٍ، يتمتع بكفاية عالية في القانون، الى هذا المنصب الذي تعتبره دمشق حساساً ويتصل بزواريب المسارين الملتحمين، وتريد لمن يشغله ان يكون "أميناً" على العهد، ومستعداً لتلقي التوجيهات والاملاءات وحتى الاستغيابات بمنتهى الفرح والغبطة!
ولان لا شرعية خارج الاحتكام الى الشعب، فان العيش المشترك سيبقى هشاً، ومشروعاً نستحضره كلما دعت الحاجة الىه، وآخر تجلياته التضامن الذي اظهره اللبنانيون ازاء الهجمة الاميركية على "حزب الله" والمقاومة، ثم طووه.
فمتى يترجم الرئيس شعاره والعهد: "أيها اللبنانيون، انتم الحَكَم واليكم الاحتكام. عاش لبنان"؟ (النهار اللبنانية)