قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

جددت احداث 11 ايلول من وجهة النظر الاميركية طرح مشكلة الحركات الاسلامية المسلحة، اي مشكلة متطرفي التيارات الاصولية، على دول مثل مصر وباكستان واليمن وغيرها طبعاً، ولكنها ايضاً من وجهة النظر الاميركية، طرحت على المملكة العربية السعودية مشكلة اوسع واعمق: بنيتها الدينية بكاملها.
لا بل تخطى الطرح الاميركي الرسمي - من الناحية العملية في معزل عن "التلطيفات" الكلامية - حدود اعتبار كل منظومة التعليم الديني السعودي تحت الشبهة كمصدر للتحريض الايديولوجي والسياسي ضد الغرب، الى درجة وضع كل النظام المالي السعودي، خصوصاً في مجال الدعم الخارجي لانشطة دينية، تحت الشبهة.
هذا وضع لم يكن مألوفاً، بل لم يكن مُتخيَّلاً.
فنظام التعليم الديني بامتداداته الداخلية والخارجية هو في تكوين الدولة السعودية من بديهيات بديهيات هذا التكوين. فهذه المملكة دولة دينية، والخطاب الديني في علاقتها بمجتمعها وبالعالم المسلم عموماً، هو الهواء الذي تتنفس فيه موقعها ان لم نقل شرعيتها منذ التأسيس.
جهاز "التعبئة" الاميركي المتحرك منذ ما بعد 11 ايلول، في شقيه الرسمي وغير الرسمي، يضع عملياً كل المال السعودي (كما الخليجي) في الخارج تحت رقابة شديدة. ولهذا فإن التدابير المتخذة داخل الولايات المتحدة اثارت القلق - ان لم نقل الذعر احياناً - في اوساط رجال اعمال سعوديين لا يمكن تصور ان تشعر بهذا النوع من القلق في السابق وان تعتبر نفسها معنية بتهم كهذه التهم: دعم الارهاب!
كما ان جهاز "التعبئة" الاميركي، في شقيه الرسمي وغير الرسمي، ينظر الى اسامة بن لادن، ومثله الـ15 سعودياً الذين اذيعت اسماؤهم كمتورطين في مجزرة 11 ايلول، على انهم "خريجون" طبيعيون لنظام التعليم الديني السعودي.
لا بد اذن ان الضغط قد بلغ حدوداً لا تطاق فعلاً من وجهة نظر المملكة العربية السعودية، نظاماً سياسياً واوساطاً اجتماعية على صلة حياتية واقتصادية بالغرب.
لقد كانت المملكة العربية السعودية مشهورة في الخارج، منذ الخمسينات، بدعمها في كل القارات لانشطة اسلامية "غير مسيسة". وكان هذا النوع "اللامسيس" من الدعم للجمعيات الخيرية، للمستشفيات، لمدارس تعليم القرآن، لاندية الانشطة الدينية العادية كالمساجد، هو ما يميز الحضور السعودي في الكثير الكثير من دول العالم. من بلد مثل تركيا الى اوروبا في فرنسا وانكلترا والمانيا الى افريقيا وآسيا.
منذ "انفجار" البترودولار وما حمله من امكانات للدولة السعودية كان الطابع الرئيسي للنشاط السعودي الخارجي هو دعم الفعاليات "غير المسيسة" على اراضي ومدن الدول الاخرى. وحتى تلك العلاقات السياسية التي كانت للمملكة مع تنظيمات "الاخوان المسلمين" كانت تحصل بطريقة لم تؤثر قط على علاقاتها بالحكومات التي كانت تحظر "الاخوان المسلمين". فقد كانت المملكة تستقبل عائلات او قيادات "لاجئة" دون اي نشاط سياسي. ولو كان هذا النشاط مزعجاً لحكومات كانت على صدام دموي احياناً مع "الاخوان" كسوريا، لظهر الامر ولكن العكس صحيح، فقد كانت السنوات الثلاثون الاخيرة سنوات علاقات وثيقة لا تزال متواصلة بين دمشق والرياض، فيما كانت فترة الدعم المباشر السياسي لـ"الاخوان" فترة محدودة في بلد كمصر ايام الرئيس عبد الناصر وفي ظل الصدام الشهير بين الملك فيصل والرئيس ناصر، وقبله في اواخر الخمسينات واوائل الستينات بين النظام السعودي عموماً والنظام المصري، لكن هذه الفترة سرعان ما انضبطت ضمن التقاليد السعودية للدعم "غير المسيس" في الانشطة الخيرية والدينية التقليدية في الدول المعنية غرباً وشرقاً.
كل هذا النوع من النشاط "غير المسيس" يطرحه جهاز التعبئة الاميركي بعد 11 ايلول على محمل الشبهة فالرقابة اذا لم يكن المنع في بعض الحالات.
لم يعد ممكناً مثلاً، بالبساطة السابقة، بناء مسجد في مدينة اوروبية او أميركية، وهذا أحد أكثر الانشطة "براءة" في تقاليد أي دولة معنية بالاسلام والمسلمين، فكيف كالسعودية.
لقد كانت مقالة الامير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية خلال كل الثمانينات والتسعينات حتى الاشهر الاخيرة ما قبل 11 ايلول، كانت تلك المقالة التي كتبها بعد 11 ايلول وأعادت "قضايا النهار" نشرها نقلا عن "الشرق الاوسط" معبرة الى حد بعيد عن حجم الانزعاج السعودي من احداث 11 ايلول. ففي المقالة التي يخاطب بها الامير تركي ابن لادن بـ"يا ابن لا..." ترد ملاحظـة من ضمن بضع ملاحظات مرقمة، يعبر فيها الامير عن حجم الأذى الذي ألحقه ابن لادن بكل مؤسسات العمل السعودي في الخارج... والتي أصبحت تحت الرقابة، ان لم يكن الامنية، فالنفسية.
لست هنا في مجال سرد دلائل الانزعاجات السعودية. فهي كثيرة وعلى لسان كبار المسؤولين السعوديين. ولكن الاساس هو ان أحداث 11 ايلول بدت وكأنها ضربت فجأة "التوازن" الجوهري الذي كان يقوم عليه كل نجاح النظام السعودي في نصف القرن المنصرم برمته:
من جهة دولة شديدة الصلة بالغرب، مؤتمنة و"مُختبرة" في محطات عديدة، وفي الوقت نفسه دولة قادرة على توليد ديناميكيات ايديولوجية وسياسية تجعلها ذات تأثير حيوي في مجتمعات الدول المسلمة او في التجمعات المسلمة في دول غير مسلمة. ورغم المراحل الصعبة التي كان يواجهها هذا "التوازن" كما في بعض أوج المرحلة الناصرية (وليس كلها) او بدايات الثورة الايرانية، الا ان المملكة، هذا الحليف الوطيد للغرب أمنيا ونفطيا وسياسيا، هذا الحليف الاستراتيجي، بقي قادرا على لعب دور مؤثر في تيارات شعبية عميقة التأثير في المنطقة كالثورة الفلسطينية، او في أنظمة صعبة كالنظام السوري (كما العراقي خلال الثمانينات) او في رعاية تحولات هامة كما حدث في مرحلة الرئيس انور السادات (وما أسماه الاستاذ هيكل آنذاك: الحقبة السعودية)... بل تنامى هذا النفوذ مع تراكم رأس المال النفطي حتى أصبح ينتج ظواهر سياسية حاكمة في دول اخرى كما حدث في السودان في السبعينات وفي لبنان مع الظاهرة الحريرية في التسعينات، وأحيانا مع الاتيان برؤساء وزراء او جمهورية في دول عربية ومسلمة تملك المملكة تأثيرا مباشرا عليهم (وظاهرة الحاج حسين عويني، رجل الاعمال السعودي اللبناني الاصل الذي اصبح رئيسا للوزراء في لبنان سبقت ظاهرة الحريري ولكن بحجم طبعا أقل، او أحمد الشقيري، زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، الذي كان ديبلوماسيا سعوديا قبل توليه رئاسة المنظمة عند تأسيسها).
تلك كانت، في صورة من الصور، ولا تزال "امبراطورية" سعودية اقليمية متحالفة مع امبراطورية عالمية اميركية بشكل وثيق، كانت ذروة فعاليتها الادارة المالية والدينية والسياسية لجزء مهم من "الجهاد" في افغانستان ضد الغزو السوفياتي.
الى أين يريد ان يصل التشكيك الاميركي - بعد 11 ايلول - بالاجهزة السعودية نفسها الشديدة الفعالية في العالم، وحتى تلك "غير المسيسة" منها؟
ربما يكون الامر مجرد موجة تحت تأثير الحدث... بحيث ينحصر الموضوع لاحقاً بـ"المتطرفين" داخل كل مجتمع (المتطرفون الاصوليون الذين رعتهم أميركا من افغانستان الى الجزائر في مراحل سابقة!) بمن فيه المجتمع السعودي. اما الآن فيبدو الامر وكأن المطلوب من السعودية ان تعيد النظر في بديهيات بديهيات وجودها الديني الذي يعبر عنه نظام التعليم الديني. وهذا فضلا عن استحالته، يعبر عن مدى تطرف بعض الاصوات المتشنجة في الغرب وسطحيتها.
اذن السؤال الاول: هل يؤدي هذا الضغط الى "انكفاء" سعودي تستلزمه تقاليد النظام الرصينة في وضع غير مألوف كهذا الوضع، وماذا سينتج من فراغات اقليمية لو قرر اولياء الامر في السعودية ذلك بطريقة من الطرق (مع ان الانكفاء التام مستحيل على دولة بوزن وموقع السعودية).
أما السؤال الثاني فقد تجرأ عليه زميل سعودي يكتب في "الحياة" هو داوود الشريان عندما تساءل أول من امس، عما اذا كان ينبغي تعديل تركيب مجلس التعاون الخليجي لضم العراق واليمن والانتهاء من كون المجلس مجرد "تجمع أغنياء"؟
لقد كان العام 2001 منذ ما بعد 11 ايلول عام، ليس فقط "المجتمع السعودي" الذي ظهر كمجتمع شديد الحساسية والتفاعلات العميقة بعكس الصورة النمطية السائدة عنه، بل ايضا "النظام السياسي السعودي" كنظام كبير في موقع أكثر تعقيدا من الآن فصاعدا في علاقاته بالغرب من تلك الصورة النمطية السائدة عنه... (النهار اللبنانية)