عن دار الساقي بلندن وبيروت، صدر للكاتب السعودي غازي عبد الرحمن القصيبي، رواية جديدة بعنوان "رجل جاء.. وذهب". والعمل الجديد للقصيبي يقع في 95 صفحة من الحجم المتوسط، وحمل الغلاف صورة للفنان المصور صالح العزاز. هنا مقاطع من الرواية.
غازي القصيبي

النهاية

خبر صغير في جريدة "الشروق" يتوارى في صفحة من صفحاتها الداخلية. غياب الروائي المعروف يعقوب العريان. ظريفة "غياب" هذه!. لا مبرر للقلق. مجرد غياب. في مصح خارج لندن. على أثر صراع طويل مع مرض عضال. الروائي المعروف!. كم كان سيضحك لو قرأ هذا الوصف، هو الذي لم يأخذ رواياته مأخذ الجد. اقرأ الخبر. وأعيد القراءة. لن ابكي. الآن قد ابكي في المستقبل. كما بكيت في الماضي. الف مرة. من دون ان يراني هو. من دون أن يراني أحد. من دون أن أرى نفسي. انزف من الداخل. مطرا أسود في غابة استوائية كثيفة، يسيل قطرة قطرة. التعذيب بالقطرات. قطرة واحدة، واحدة، افلتت من عيني بعيد، دمعة كبيرة بيضاء. وكان البحر، أمامنا، دمعة كبيرة زرقاء. كان يضع رأسه على حجري. "غني، حبيبتي، غني!". ومن الغناء بكاء. الطير المذبوح الراقص. الاغنية الاخيرة. اغنية البجعة. هو الذي قالها. هل صحيح ان البجعة تغني اغنية واحدة، ثم تموت؟ رجل من البدو. جاء بلا موعد. وذهب بلا موعد. غاب ضاحكا، على الاغلب. لم يكن يأخذ حياته مأخذ الجد. جاء. وذهب. وترك امرأة تحاول ألا تبكي. وتحتفظ بكثير من الحب. وكثير من الذكريات. ومفكرة ستكتب فيها، لنفسها، قصتها معه. من بدايتها الى نهايتها.

البداية

"النوم مع السراب". اسم غريب. يعقوب العريان. اسم أغرب. والصديقة التي اشترت الكتاب من مطار نفطي تصر على أن أقرأه. رواية غريبة. جريئة. بذيئة. عن كهول مضارب النفط. يجتمعون ىفي دار بعيدة عن مجتمعات النفط. مع بنات مراهقات جميلات. من أسر فقيرة. في مجتمع فقير. يجذبني الكتابُ رغما عني. أحس بثورة عارمة تجتاحُ كياني. ثورة على يعقوب العريان. وعلى كهول النفط.
غلاف الرواية الصورة لصالح العزاز

الثورة

البنات الجميلات الفقيرات يتدافعن الى "دار السرور". ويرجعن بساعات لامعة. وظروف محشوة بالدولارات. ووعود كاذبة. "ستعملين مُضيّفة، بكل تأكيد! أعرف رئيس شركة الطيران". "وأنتِ، أنتِ تصلحين عارضة أزياء، بكل تأكيد! أعرف مكتباً في باريس". "وأنتِ، سوف تكونين سكرتيرتي الخاصة. ثلاث آلاف دولار شهريا، غير المزايا الاخرى". "وأنتِ، تصلحين مذيعة. أعرف مالك قناة فضائية". أشعر بالثورة تتصاعد مع كل صفحة. أشعر بنقمة شخصية. نقمة المضيفة التي ستبقى في البيت المتداعي مع أبيها المقعد. ونقمة عارضة الأزياء التي لن تعرض شيئا سوى سيقانها أمام كهول النفط. ونقمة السكرتيرة الخاصة التي سوف ترسب في مدرستها الثانوية، وتُفصَل. ونقمة النجمة التلفزيونية التي سوف ينتهي بها المطاف في دار من دور الدعارة. ومن هم هؤلاء الكهول؟ ومن أعطاهم الحقّ في شراء بنات الناس؟ أبو فلان. وأبو فلان. وأبو فلان. أعضاء منظمة الفُجور النفطية. الممثل الشرعي الوحيد للشعب البدوي. هل لهم اسماء حقيقية؟ هل هم أشخاص حقيقيون؟ لا! هم النفط. تجسّد كهولاً. يوزعون الساعات. والظروف المنتفخة. والوعودَ المعسولة. ويُخفون ضحكاتهم في أقداح البيرة. ومن الذي كتب هذا الكلام المزعج؟ من هو...

يعقوب العريان

من هو يعقوب العريان؟ أبو من؟ ولماذا كتب هذه الرواية الاستفزازية؟ هذا الكتاب المليء بالملح. يحشو به الجراح المتخمة بالفقر. والجيوبَ المنتفخة بالنفط. ويا لوقاحة انسان نفطي يسخر من اصدقائه النفطيين الكهول. وهو -يعقوب العريان!- واحد منهم. يشاركهم تسليتهم. بكامل نفطه. بكامل عُريه. وأجهد خيالي لكي أتصوره. إلا أنه يُفلتُ، كسمكة، من أصابعي. أتصوره كرشا ضخما. ورأسا أصلعَ. ويدا مغطاة بخواتم ماسية. إلا ان الصورة تهرب. أتصوره قزماً أشيبَ، بأسنان صناعية، ونظارة سميكة طبيّة. إلا أن الصورة تضيع. أتمنى أن أقابله. لأبصقَ في وجهه، لأقولَ له ان بنات الناس لسنَ للبيع. لأقول له ان عهود المرأة/الجارية قد ولّت بلا رجعة. لأقول له انه ليس من حقه ان يكتب كتاباً قذرا كهذا. يمتهن كرامتي. ويحتقر أنوثتي. لأقول له ان النفط يستطيع أن يشتري كل شيء. إلا الاحترام. لأقول له أشياء كثيرة. عنيفة. حادة. ولكن كيف أستطيع أن أتحدث الى رجلٍ مجهول؟ الى وجه بلا ملامح؟ لو أنني رأيته...
&

Dar al SAQI
26 Westbourne Grove - London W2& 5 RH
tel: 00 44 20 7221 9347&&& Fax 00 44 20 72297492
&
دار الساقي - بيروت
بناية تابت، شارع أمين منيمنة (نزلة السارولا) الحمراء
ص ب 5342/113& بيروت لبنان
تلفون: 009611347442& فاكس 009611737256
&
&