&
تونس ـ خالد النجار: "جزيرة اليوم السابق" رواية الكاتب الايطالي الكبير أمبرتو ايكو صدرت ترجمتها العربيّة الكاملة منذ حين ومرت بصمت. أنجز الترجمة الدكتور أحمد الصمعي أستاذ الأدب الايطالي الحديث بجامعة تونس، الذي سبق ان نقل "اسم الوردة" وأعمالا ايطالية أخرى لايتالو كالفينو، وجوزيبي بونافيري.
وجزيرة اليوم السابق تدخل ضمن توجه أمبرتو ايكو الأولي وهو استدعاء الماضي واعتباره جغرافيا لا نهائيّة للخيال، وللوعي الانسانيين، ومجال لعبة بل قل متاهة مرايا للحاضر؛ فالماضي كما يقول هيغل لا يملك استقلاله بل تتشكل صورته في كل مرّة حسب الحاضر، فنحن كما يرى هيغل في حديث أبدي عن حاضرنا. و من يوم قدّم ايكو رسالته العتيدة عن المسألة الجمالية لدى القديس توما الاكويني وهو لا يكفّ عن العود للماضي الغربي خاصة الماضي المسيحي الوسيط في "اسم الوردة" يعود إلى عالم كنائس وأديرة الغرب آخر القرون الوسطى وما يدور داخل جدرانها السميكة من جدل لاهوتي ومن مسائل دينية سكولائيّة& شغلت الانسان لقرون طويلة، ومن صراع بين السلطتين الروحية والزمنية وكل ذلك من خلال لغة ثرية ومعرفة موسوعية.
وفي "جزيرة اليوم السابق" يعود امبرتو ايكو للماضي ولكنه لا يسقط في السردية الكلاسيكية فهو لا يكتب رواية تاريخية وانما الماضي بالنسبة لايكو جغرافيا رمزية، ووجود ملتبس. فالماضي ايضا شبيه بالنص الادبي فهو واقعي ولا واقعي، النصّ الأدبي الذي يعرض جوهر التجربة الانسانية بكلمات لا تحيل الى واقع معين، فهو في الآن كاذب و شديد الصدق.
&والجزير إضافة إلى أنّها جغرافيا فيزيقية هي رمز ثريّ يعني من بين ما يعنيه عزلة الانسان الأساسيّة، تلك العزلة التي أفاض في الحديث عنها الوجوديون، وتعني ايضا حلم الانسان بالهروب إلى عالم الوحدة والخيال، فكل منا يبحث عن جزيرته و كل منا يريدها، ويتصوّرها حسب الآمال التي يجري وراءها دون الفوز بها وكما يقول أحمد الصمعي في المقدّمة الجميلة التي وضعها للرواية:
"هكذا يقف روبرتو في الرواية متأملا جزيرته دون ان يتمكن من بلوغها فتصير الجزيرة رمزا لماضيه، بما أنها تقع وراء خط الهاجرة الذي يفصل يومه عن أمسه، وتصير أملا في اعادة كتابة حياته لو تمكن من عبور خط الزمن، وتصير "دافني" السفينة المهجورة التي يجد روبرتو نفسه على متنها، النقطة الثابتة التي يبث فيها بندول حياته بين ماضيه وحاضره ومستقبله.فتعود اليه ذكريات طفولته في منفيراتو وحصار كزالي الذي شارك فيه مع ابيه. وأيام باريس وصالوناتها التي عرفته بحبيبته ليليا الى ان يصل الى الظروف التي جعلته يركب البحر الى ان غرقت سفينته وقذفت به الأمواج فوق سفينة أخرى راسية امام جزيرة".
أنظر إليه هنا يتماهى بشكل مراوغ مع السندباد البحري مما يمنح السرد بعد الخرافة؛ ففي متن امبرتو إيكو تمتزج الرواية البوليسية بالرواية العاطفية بالرواية الطبيعية برواية الأفكار ورواية التحليل السيكولوجي، فهو يريد من الرواية كما يقول الدكتور أحمد الصمعي أن: يصنع نصا يستثير فضول القارئ وحب اطلاعه ويشحذ قدراته التأويلية، وأن يجرّب بنفسه، وعلى نفسه، إمكانات التأويل ليرى إلى أيّ مدى يتحرّر النص ّمن سلطة مؤلفه، و ينتج معانيه حسب القراءات التي تجري عليه.
بقي أن اقول أن هذا العمل وراءه سالم الزرقاني و دار الكتاب الجديد المتحدة& في مشروعها الترجمي لأعمال أمبرتو ايكو الكاملة الذي يذكرنا بمناقب رجال النهضة العربية الذين اختاروا النمط الصعب.
&