&
خيري منصور
&
الصورة التقليدية لالبرت اينشتاين التي اقترنت بمعظم ما نشر عنه باعتباره شخصية القرن العشرين هي تلك التي يخرج بها لسانه، علي نحو طفولي، وكأنه يسخر من كل ما قيل قبل النسبية، وقبل الانقلاب الكوبرنيكي الذي احدثته نظريته المعروفة بالنسبيّة، وبالرغم من ان ارشيفات الصحافة في العالم تخلو من صور مماثلة لماركس وفرويد ودارون، وفوكو، الا ان هؤلاء جميعاً اخرجوا ألسنتهم الي الماضي، وهم يفتضحون الذات البشرية التي كانت قبلهم مغطاة بركام من الاصداف.
ويبدو ان لكل حداثة لسانها الذي ينعتق من اللجام، ويعلن عقوقا جميلا ومشروعاً علي الآباء.
ولعّل ما سماه فرويد جريمة قتل الاب يصلح لما يتخط مثاله السايكولوجي، ومن سجاهم علي سريره الكلنيكي، فالاب سياسي باتريارك بقدر ما هو شعري وادبي الكلاسيكية وهو ايضا نظام يشمل الحياة كلها، لكنه فقد صلاحيته وان وجد عبر العصور من يحاولون تمديدها ولو عن طريق المط الافقي، والتأويل الذي يتحول لفرط تعذيب النصوص الي تقويل!
لسان اينشتاين ذكرني بعبارة شهيرة لهنري ميشو، الفرنسي الذي يعرف اكثر من سواه معني المقصلة، فقد قال ان بامكانه ان يخرج لسانه دون خوف من بتره.
لان المقصلة في بلاده تقطع الرأس كله، وتدحرجه بينما هي في امكنة اخري تقطع اللسان وتبقي علي الفم الفاغر الذي لا يكف عن الامتصاص والاستغاثة كاسفنجة جافة!
ولدينا في ما يمكن تسميته تراث الحداثة من اخرجوا السنتهم للأسلاف، أو للاباء من مختلف السلالات السياسية والمعرفية، لكن هؤلاء لم يمتلكوا ضمانة هنري ميشو، ولهذا لم يجازفوا بتعريض الرأس الي البتر، واكثرهم آثروا ان يغمدو الألسنة في اللعاب.
وان كان منهم، من انتهي كما القط إلي لحس برادة الحديد العالقة باللسان، وانتحر قبل ان ينحره احد!
وقد اتيح لي قبل فترة قصيرة ان اراجع المقدمات والبيانات المانفستوات التي اصدرها مبدعون عرب، او جماعات اشبه بالبالياد، فوجدت انها تغرق في الراديكالية، وتعد قراءها بيوتوبيا غير مسبوقة وغير محلوم بها، لكن الواقع بجمل شروطه، وبجاذبيته الشديدة استدرج الطيور حتي منبت اعشاشها في التراب وصدوع الصّخر.
وكان التباين مأساويا بين وعي الفن ووعي التاريخ، لأن الثقافة التي تتحكم بالحراك السّائد هي ادبية بامتياز.
مما ادي الي عزل حداثة الادب عن الحداثات الاخري التي تتناغم معها، ان لم تكن مجاورة ومزامنة لها علي الاقل !
وجدت علي سبيل المثال، نموذجا مبكراً يقترح تعريفا لأشعر الشّعر، هو مقدمة رزق الله حسون لتجربته في نظم سفر ايوب شعراً تبعا للترجمة المطبوعة في لندن عام 1811، واعاد حسون نظم السفر بعد حصوله علي ترجمة فانديك المستشرق والطبيب الامريكي الذي ينسب اليه بيان تأسيس الجامعة الامريكية في بيروت.
وتوالت بعد ذلك المقدمات والبيانات التي تفاضل بين شعر وآخر وفق معايير قد لا تكون من صميم الابداع.
ومن يقرأ مقدمات المازني والزهاوي مثلاً يجد انها اشبه بمواعيد مضروبة في اقصي المستقبل، لكن الشاعرين رحلا قبل ان يتحقق اللقاء، وبدا البون أوسع من قارة بين المقول نثرا كمقدمة، والمقول شعراً كمجال للتطبيق.
ولكي لا نبقي في نطاق الأدب، اري من المناسب تجريب هذا المفتاح في بوابات واقفال اخري علاها الصدأ لفرط الهجران.
تعالوا مثلاً نقرأ البيانات الأولي لثورات وانقلابات وحركات تصحيحية في عدة عواصم عربية، سنري كيف تراجع الراديكالي الي خطاب سلفيّ ، استمد مبرر ثورته من تغييره والانقلاب عليه.
&فالحدثاوي السّياسي يقّدم عينة فاقعة للنكوص والارتداد، والتورط مجدداً بادبيات الخطاب التقليدي.
وكانت بضعة عقود هي الثلث الاخير من القرن العشرين كافية لاختبار جدية التحديث، وليس ما انتهي اليه النظام المنقلب من وراثية وتلفيق الشرعيات الا الحصيلة المنطقية لذلك المسار المتحدّر، فقد اعاد نظام التحديث السياسي ابتلاع كل المقولات والممارسات التي زعم انه قاءها!
فالبتريارك العربي عاد بكامل أوصافه واحيانا عافيته ليرفل في ربيعه، رغم انه وعد بتهديم قلاع ٍ وسجون، ثم يشتد علي انقاضها ما هو اشد اظلاماً واحكاماً وسرية منها!
ويبدو ان التعامل مع الحداثة بمعناها الحضاري وحساسيتها الشاملة لم يكن من نصيب العرب الذين تسامحوا مع كبوة واحدة للحصان، وها هم يحاولون استنهاضه بالعصي والسّياط بعد ان تحولت حياته كلها الي كبوة طويلة، وكم كنا نحن العرب بحاجة الي اينشتاين من صلبنا يخرج لسانه لحراس المطلق.
ويحررنا من هذه الحداثات التي تعيش كأثلام متوازية في حقل، لا تتجادل ولا تتحاور ولا يغذي بعضها البعض الاخر، وهذا الاخفاق ليس طارئاً، فمن حللوا تجربة محمد علي باشا في التحديث وعصرنة الدولة والجيش، توصلوا بما يشبه الاجماع الي ان تلك العربة التاسع عشرية قادها جوادان سرعان ما اشتبكا، وتمزقت العربة ودواليبها بين شد الي امام وشد الي الوراء.
وتكررت هذه الدراما التاريخية مرات عديدة فمن طوروا السّلاح، وبنو الجيوش، حلقوا بجناح فولاذي واحد، لأن الجناح المدني مهيض.
رواد الحداثة العرب اخرجوا نصف اللسان فقط وكان لكل منهم احتياطيه الذي يحفظ له شيئا مما يسمي العودة.
لان الاتباعية ليست شكلاً او تقنية اسلوبية في الشعر والقصة واللوحة، انها سياق مدجج باعراف واحيانا بدساتير ، لهذا لم يستطع حرير الأدب ان يفل ّ حديد الثقافة بمعناها الواسع كمراف للحضارة ذاتها!
والتّحقيب التاريخي الذي يتردي في التصنيف المدرسي السكولائي قد يحسم ريادة فن ما، لأول من حاول ان يدير المفتاح، لكنه انكسر في القفل، ويغفل لريادة كرؤيا، وحساسية جديدة، وهنا ينبغي التفريق بين المبشر بالحداثة ورائدها، خصوصاً في شعرنا العربي الحديث الذي توقف فيه المبشرون عن الشعر لصالح اهتمامات ادبية اخري.
اننا ونحن نقرأ بيانا عن موت الحداثة في المانيا عام 1815، نجد انفسنا مطالبين باعادة تعريف هذا المصطلح، فهو منحوت علي نحو اجرائي، وليس بالمعني الدقيق الذي يقترح بل يجترح معياراً يمكن الاحتكام ليه ولو بشكل تقريبي!
والذين اخرجوا السنتهم للماضي راوحوا بين مستووين، يقدم الادب الروسي نموذجا ساطعاً لهما، فحداثة بيريلوك كمبشر ومطالب بقذف التراث الروسي الكلاسيكي الي البحر، ليست هي حداثة معاصرة ماياكوسفكي ، فكلاهما متحمس للمستقبلية كتيار حدثاوي في ذلك الوقت، لكن الأول انتهي الي تأليف كتب في فن الطبخ والآخر حلق بالشعر الروسي عالياً، وكان لا بد له ان يتحطم وهو يرتطم بالواقع الفولاذي.
هنا يمكن لراصد الظاهرة ان يتقدم بتفسير اوليّ لتحول الراديكالية الي مصالحات، ولقاء متسامح في منتصف المسافة بين الاتباعي والابداعي.
فالتحول في حياتنا العربية لم يكن مبثوثا في النسيج الاجتماعي عبر كل خيوطه، فقد اقتصر بعد الحرب العالمية الثانية علي النخبة سواء كانت من الاكاديميين العائدين من الغرب او من الشعراء الاحد ّ وعياً وحساسية، والذين استبقوا مجايليهم الي اكتشاف التهرؤ الذي اصاب ثقافة تابعة، تتقي الآخر بما امتلكت من تراثٍ، حتي لو كان قاصراً عن محاورة الشروط الطارئة.
لهذا تاقلم الوعي السّالب مع كل ما وفد اليه بمعزل عن الفحص والتمحيص، فشكي الشاعر من المدينة وهو ابن قرية نيئة ، واستحلب بعض الرّواد ت.س. اليوت وايديث سيتويل ، والسورياليين ايضا، لمجرد ان تلك الرّياح كانت عاتية وزحزحت البوابة العملاقة ـ علي حد تعبير جبرا ـ والي الآن، ثمة بيننا من يغنون في واد بينما يرقص الآخرون في واد آخر.
وما من شيفرة علي الاطلاق بين هذه الكتلة البشرية المسّيرة بقوة الاعراف وسطوة الميراث ـ لا التراث ـ وبين المشتغلين في الكتابة.
وهنا يتبدد العجب من كون ربع مليار عربي يقرأون خمسة آلاف نسخة من اكثر الكتب رواجا وتسويقاً.
نعم ، لم نخرج السنتنا كما يفعل اينشتاين وهو يتلفت وراءه الي سلفه الرياضي، ولا كما فعل ميشو وهو مطمئن الي ان المقصلة في بلاده تطال الرأس كله لا اللسان فقط.
لهذا ها نحن نمشي واقفين، ونكتب صامتين، ونرقص بلا اجساد!
والهّوة آخذة في التعمق والاتساع لا بيننا وبين قرائنا بل بيننا وبيننا!
(عن "القدس العربي" اللندنية)