قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&
د. مأمون فندي

ما من شك في ان "السوفت وير" في الكمبيوتر او المعرفة والمعلومات في المجتمعات هي الاساس، التي من دونها يكون العتاد أو المؤسسات مجرد قشرة، أو جهاز ميت.
ولكن عندما نتحدث عن القوة اللينة للدولة يظن البعض ان تلك اولوية مقلوبة لان الاصل في قوة الدولة هي القوة الجامدة والصلبة من خلال بناء المصانع والجيوش والعتاد، ذلك لان تصور هؤلاء لا يرى وضوح العلاقة، وربما السببية الواضحة بين القوة الناعمة أو اللينة (الثقافة والمعرفة)، وبين القوة الصلبة، وحتى تتضح هذه العلاقة لا بد من ضرب امثلة لدول ربما كل زادها هو القوة الناعمة، وهنا يتبادر للذهن امثلة كل من فرنسا واليابان، اذ تكون فرنسا تحديدا، رغم قلة مواردها مقارنة باميركا او بريطانيا، الا ان الثقافة الفرنسية تمثل منافسا عالميا للثقافة الاميركية، النموذج الفرنسي للدولة والمجتمع والحياة يمثل رؤية مختلفة، وتبقى قدرة فرنسا الناعمة (اي القدرة الثقافية) التي تجعل كثيرون يميلون الى دعم الموقف الفرنسي في العلاقات الدولية ضد الموقف الاميركي مثار مناقشة اوساط الدبلوماسية الاميركية، فكيف لدولة اوروبية بقدرات اقل ان تجمع حولها نوعا من الاجماع السياسي رغم محدودية امكاناتها، والملاحظ لكل مناقشات مجلس الامن ربما يخيل اليه ان العالم مقسوم الى قطبين او جبهتين: القطب الفرنسي والقطب الاميركي، نعم تكون للولايات المتحدة الغلبة ربما دائما، ولكن تبقى قدرة فرنسا على المنافسة لا يستهان بها، هذا على مستوى استخدام القوة الناعمة خارج الحدود، اما استخدام القدرة الناعمة داخل الدولة فهنا يكون المثال الياباني اكثر وضوحا، فالناظر الى حالة اليابان يجد ان الدولة تخلت بشكل اساسي عن الجانب الحربي من القوة الصلبة، وركزت كل مجهودها على مجموعة علاقات جوهرية بين مؤسسات اساسية في المجتمع الياباني، هذه العلاقات تتكون من مصفوفة اولى تسمى بالقاعدة العلمية للمجتمع او قاعدة الانتاج المعرفي، اما الضلع الثانية في المثلث فهو بتحويل المعرفة الى منتج اقتصادي قابل للتسويق، الجانب الثالث هو البناء البشري، بالتركيز على بناء المؤسسات الحديثة، التي تنمي القدرات البشرية وتؤصل للتراكم العلمي وتحويل المعلومات الى سلع اقتصادية، استطاع اليابانيون دخول عالم الحداثة، وتدريجيا اصبحوا روادا لما بعد الحداثة بشكل قد يفوق النموذج الاميركي، وهنا اعني ان النقلة من الصناعات الثقيلة الى الرقائق الممغنطة والاسطوانات المدمجة، من "الهاردوير" الى "السوفت وير"، هي قفزة اليابان الى عالم ما بعد الحداثة، هذه القفزة انعكست على الثقافة اليابانية وعلى نمط الحياة الياباني.
النقطة الجوهرية هنا هي ان علاقة القوة اللينة للدولة بقوتها الصلبة، تشبه الى حد كبير علاقة "السوفت وير" بـ" الهاردوير" في الكمبيوتر، اي ان غياب احدهما يعني ان الآخر متوقف عن العمل فـ"السوفت وير" هو عالم المعلومات والبرمجة (القوة اللينة) اما "الهاردوير" فهو عالم العتاد (الميكنة). يقابل ذلك بشكل تبسيطي في الدول علاقة الثقافة بمعناها الاشمل بمؤسسات الدولة الاخرى الصناعية والدفاعية، علاقة المؤسسات التعليمية والثقافية ببناء الدولة الحديثة.
حقيقة الامر ان نظرة المجتمعات العربية للثقافة، تختلف عن نظيراتها في كثير من ربوع العالم الحديث، الثقافة في العالم العربي تبدو مرتبطة على الاقل في المخيال الشعبي او الوعي العام بعملية الترفيه والترويح عن النفس. ربما تكون هذه واحدا من ادوار ووظائف الثقافة وليس جوهرها. الثقافة في عصر المعلومات تعني في المقام الاول عملية انتاجية في اقتصاد المعرفة، هي جزء لا يتجزأ من تماسك النسيج الاجتماعي والسياسي للدول، هي ايضا تلك القدرة الانسانية على الابتكار والتخيل، التي تدفعنا الى آفاق افضل في العلوم المختلفة، فالمجتمع دونما ثقافة حية هو مجتمع تيبست مؤسساته، واصابها العقم، لتصبح مؤسسات خالية من الخريطة الجينية، وبالخريطة الجينية اعني بالضبط المفهوم العلمي لها، تلك الخريطة التي توجد في الخلية التي تساعدها على اعادة انتاج نفسها او اشباهها في الانقسام. اما اذا فرغت الخلية من معادلتها الجينية فانها تصبح قشرة فارغة تبدو كخلية حية ولكنها في حقيقة الامر هي ميتة او في احسن الاحوال، غير قادرة على اعادة انتاج نفسها، والمؤسسات الكثيرة في عالمنا العربي تبدو وكأنها مفرغة من خارطتها الجينية ذلك لانها غير قادرة على التكيف ولا على اعادة انتاج نفسها.وذلك لغياب المكونات الجينية التي استخدمها هنا للاشارة الى الثقافة او المعلومات، معلومات عن النفس وعن الآخر لتسمح اما بتعديل الاوضاع للقدرة على المنافسة وإما بالنظرة الداخلية لمحاولة اعادة انتاج نفسها بشكل يحقق لها البقاء والاستمرار.
ومن هنا يكون الحديث عن تحديث النظام العربي مجملا، يكون حديثا عن علاقة المؤسسات المنتجة للقوة اللينة (الثقافة والمعرفة والعلوم)، بالقوة الصلبة. هذه العلاقة لا بد من ان تكون علاقة عضوية، اي انها مرتبطة ببعضها ارتباطا عضويا ينتج المؤسسات من معرفة منتجه محليا لا معرفة مستوره.
ان قمة التناقض تكمن احيانا في ان نستورد القوة الصلبة لحماية قوة ناعمة غير معرفة، او نركب ادوات القوة الصلبة على مؤسسات القوى الناعمة رغم غياب التوافق بين الاجهزة، كأنك تركب ادوات كمبيوتر "ماكنتوش" على جهاز "آي. بي. إم"، بالطبع هذا لا يصلح. يمكن الاستيراد في اطار التوافق يمكن زرع مؤسسات لا يلفظها الجسد المحلي ولا تؤثر على قدرته من حيث المناعة، اما زرع المؤسسات التي هي فقط كواجهة للحداثة رغم معرفتنا المسبقة بان التربة التي غرست فيها او ان القوة اللينة لا تستطيع ان تتقبلها فهذا معناه اضاعة للجهد والوقت. اذ لا بد ان يكون هناك توافق بين الثقافي والعلمي اللين او الناعم مع مشروع الدولة الصلب المتمثل في الصناعات المختلفة.
يبدو الحديث حتى هذه اللحظة حديثا نظريا، لكن ما اقصده هو ان علاقة القوة اللينة للدولة بالقوة الجامدة او الصلبة هي السياق الذي تحدث فيه اي عملية تحديث، اذا لا يمكن ان تقوم بعملية تحديث بمجرد عملية تجميل او شد وجه لمؤسسات ما قبل جرائية التحدي بالنسبة لمجتمعاتنا متعدد الأوجه، فنحن بقدر انتفاعنا من الحداثة الا اننا في معظم الاحيان نكون ضحايا سرعة الحداثة وقفزاتها.
فاذا نظرت بشكل عملي الى الانسان العربي منذ بداية القرن الماضي، تجد ان مجتمعاتنا بدأت في تعلم القراءة والكتابة كوسيلة للحاق بركب الحداثة، اي اننا كنا بصدد الكتابة والكلمة المكتوبة كمطيتنا الى عالم الحداثة. واجتهدنا في الخروج من العالم الشفوي الى العالم المكتوب، وتعلمنا الطباعة وبدأنا في الصحافة والكتابة، ولكن ما ان بدأنا هذا الطريق حتى دخل علينا الراديو كاختراع حديث واعادنا الى عالم السماع والشفاهة مرة اخرى، ثم أتى التلفاز ونقلنا من عالم الكلمة المكتوبة الى عالم الصورة كوسيلة للتواصل، كل ذلك عطل تجربتنا وتطورنا الطبيعي، اذ نحن نركب الآن موجة متحركة تلقينا من قمة موجة الكتابة الى سفح السماع في عالم الراديو، الى قمة اخرى ممثلة في الصورة، وما ان تعودنا على ركوب هذه الموجة حتى دخل علينا عالم الانترنت، المعتمد على الكتابة اصلا وكذلك الصورة ايضا ليدفعنا مرة اخرى الى سفح موجة جديدة تتشكل لا ندري هل هي ستدفعنا الى الامام ام الى الخلف، هل هي عودة الى بداية القرن ومأسسه الكتابة على انها الاصل ام اننا في عالم خليط متداخل ما بين الكتابة والصورة والسماح والمشافهة كوسائل اتصالية لنقل المعلومات.
في هذا الجو المتخبط كيف يتسنى لنا بناء اولى لبنات المجتمع المعرفي، والتي يكون الاصل فيها هو التراكم العلمي، تتنازعنا الآن ايضا تيارات واهواء ايديولوجية تحركت من اليقين الديني الى اليقين العلمي (فترة ما بعد الحربين الى الآن) ثم الى اليقين الديني مرة اخرى كمحرك اجتماعي وثقافي، في ظل هذا الجو يبقى سؤال السياق اكثر إلحاحا، سؤال كيفية بناء مؤسسات تعمل على تأصيل العلاقة بين القوة الناعمة والقوة الصلبة؟ اظن انها نقطة جديرة بالحوار، وبالاهتمام في وقت نقف فيه على مفترق طرق.