أسامة العيسة
&
&
اعتاد الكثيرون وصف جبرا إبراهيم جبرا الذي رحل عن عالمنا قبل عدة أعوام بأنه واحد من أهم الأدباء والمفكرين العرب، ومن أكثرهم تأثيرا في حركة الأدب العربي المعاصر، ويمكن لمس ذلك في اوجه إبداعاته المختلفة، كإسهاماته النقدية البارزة، ورواياته، و قصصه اللافتة منذ (البحث عن وليد مسعود) مرورا بالغرف المغلقة حتى (عالم بلا خرائط) التي كتبها مع صديقه (عبد الرحمن منيف) و أثارت جدلا لدى صدورها.
وهو الرسام و الناقد التشكيلي، و أيضا الذي قدم للقارئ العربي ابرز الكتاب الغربيين و عرف بالمدارس و المذاهب الأدبية و لعل ترجماته لشكسبير من أهم الترجمات العربية للكاتب البريطاني الخالد، وكذلك ترجماته لعيون الأدب الغربي مثل ترجمته البديعة لرواية (الصخب و العنف) التي نال عنها الكاتب الأمريكي وليم فوكنر جائزة نوبل للآداب و لا يقل أهمية عن ترجمة هذه الرواية ذلك التقديم الهام لها، ولولا هذا التقديم لكان فهم الرواية فيه صعوبة كبيرة.
وقبل ذلك أو بعده فان جبرا هو ذلك (اللورد الإنجليزي) حسب تعبير الشاعر احمد دحبور- وكما كان يصفه أصدقاؤه و عارفوه و محبوب النساء& وكاتب (البرجوازية) إذا أردنا الاستعانة بقاموس نقدي سابق و كان شائعا، ولكن من يعرف ان هذا اللورد و البرجوازي نشا في بيئة اقل ما يقال عنها أنها بعيدة عما لصق من جبرا من صفات وعن أجواء رواياته (البرجوازية)، وهو و قبل رحيله عاد إلى (بئره الأولى ) و كتب عن أزقة الطفولة و الخان الذي ولد به و العلية و الراهب يوسف و أبيه البناء الذي كان يحمل الحجارة على ظهره مقابل خمسة قروش يعطيها للام للتصرف بها بحكمتها و درايتها و التي (مهما تكن حكيمة و دارية في أنفاقها، فعي تعلم ان عليها بعد ان تتكفل بإطعامنا، ان تخيط ثيابا بيديها، و ترقعها، وتدبر أمرها من قطع القماش القليلة الميسرة)-كما كتب جبرا في سيرته التي حملت اسم (البئر الأولى).
و لا يعرف الذين قراوا هذه السيرة ان هناك شخص كان له دور أساسي في هذه البئر ، وهو شقيقه الأكبر يوسف و الذي أهداه جبرا نسخة من سيرته الذاتية كتب عليه هذا الإهداء (الى أخي الحبيب الذي لولاه لما امتلأت بئري الأولى هذه أبدا ،مع حبي).
أخي يوسف..
و في بئره الأولى يذكر جبرا فضل يوسف عليه و دوره في جعله يواصل التعليم.و يعيش يوسف ألان في حارة السريان في مدينة بيت لحم العتيقة، و تبدو حارة السريان ببيوتها العتيقة حزينة، صمت ثقيل يزيد من وطأته ان الشمس لا تستطيع التسلل إلى أزقة الحارة لتلقي تحية الصباح، إلا بصعوبة شديدة.
و يوسف مثقف مثل شقيقه الراحل جبرا، وله اهتمام خاصة بالسريان الذين تنتمي لهم عائلة جبرا، ويبدا بالحديث عنهم قائلا (السريان هم عرب اقحاح، و الاسم مشتق من اسم السوريا) و خلال النقاش تقول زوجته شيئا بالسريانية، فيعلق الأستاذ يوسف قائلا:
-تطلب مني ان أوزع عليكم السجائر، اللغة السريانية لغة حية، وهي شقيقة للغتين العربية والعبرية.& ويقول (عندما غزا الصليبيون البلاد ، وقف السريان وقفة معروفة مع صلاح الدين الأيوبي دفاعا عن هذه البلاد و أهلها..)
يغلف حارة السريان حزن مقيم و قلوب ترحل مليئة بالحنين و الآسي الى عوالم الآباء و الأجداد، و ربما يعود جزء من ذلك إلى المذابح التي ارتكبت بحق الأرمن و السريان في بداية هذا القرن.
يقول يوسف (كنت الابن البكر في العائلة، وكان عمري ست سنوات عندما قدمت مع والدي من تركيا اثر مذبحة السريان هناك، وفي بيت لحم ولد أخي جبرا، وبقية اخوتي، و البيت الذي ولد به لم يعد له أي اثر ألان).
و يضيف (بعد سنوات من مكوثنا في بيت لحم انتقلنا إلى القدس بسبب عمل أبى، كنا ثمانية أشخاص نسكن في غرفة وحيدة بالقرب من باب الخليل بالقدس، كانت ظروفنا صعبة جدا، وكان والدي يكسب القليل، وبعد سنوات أصبحت المعيل الأساسي للعائلة، حيث كنت معلما بالنجارة و اكسب 25 قرشا كل يوم وهو مبلغ له قيمته آنذاك).
قروش لعنترة
يحب يوسف شقيقه الراحل جبرا كثيرا، و عندما كبر& والدهما الذي كان يحمل الحجارة على ظهره طوال اليوم مقابل خمسة قروش، بدا يوسف بالعمل لاعالة الأسرة، و اخذ يشتري بقروش يوفرها كتبا ليقراها و شقيقه الأصغر جبرا..
ولا يعتبر يوسف نفسه من المثقفين رغم أجادته لاكثر من لغة و يصف نفسه بأنه من العمال القليلين المثقفين و يقول (كنت أنا و جبرا نحب الأدب و القراءة، و رغم فقرنا كنت اجلب بقروش أوفرها، كتبا مختلفة لنقراها مثل سيرة عنترة و سيف بن ذي يزن و مجلات مصرية أخرى.
و ذات مرة قرر جبرا الذي كان مبرزا في المدرسة كما يقول شقيقه يوسف ترك المدرسة للعمل و مساعدة الأسرة الفقيرة، ويذكر في (البئر الأولى) انه لولا تهديد شقيقه يوسف له بالضرب لما عاد إلى المدرسة و ذهب لمساعدة الأسرة الفقيرة.
و يستذكر يوسف تلك الأيام، و يتذكر انه قال له عندما علم بنيته نرك المدرسة:
-أنا اتعب لتصبح في النهاية عتالا على التلة.
و التلة التي يقصدها يوسف هي تلة باب الخليل بالقدس، حيث كان يتجمع (العتالين) لنقل البضائع للناس ، و لا يذكر يوسف انه هدد شقيقه جبرا بالضرب..!
و تظل الذكريات و اللحظات التي عاشها الشقيقان ، هي رصيد العمر كله بالنسبة ليوسف، فهي (اللحظات التي لا تشترى) كما وصفها أمل دنقل ذات يوم..!
و من الأمور التي يستذكرها يوسف، عندما أنهى جبرا دراسته في الكلية العربية بالقدس، وكيف ان العائلة كادت تطير فرحا بابنها الذي سيعمل مدرسا ب (12) جنيها، و ينقذ العائلة من فقرها..!
و يتذكر انه مثل كل الأفراح و اللحظات السعيدة فان الفرحة لم تدم طويلا فمدير الكلية العربية آنذاك الأستاذ (احمد سامح الخالدي) قرر إرسال جبرا في بعثة إلى (كامبردج) ..!
و يتذكر يوسف النقاشات التي دارت في أوساط العائلة و انتهت بسفر جبرا و عودته في عام 1948 ليعمل مدرسا في الرشيدية و ينقل الأسرة من الغرفة الوحيدة الى شقة في القطمون، وهو أحد الأحياء التي كانت راقية في القدس الغربية قبل سقوطها في أيدي العصابات الصهيونية.
و في نفس العام، انتقلت الأسرة للعيش مجددا بعد سقوط القطمون في حارة السريان في بيت لحم، و سافر جبرا ليبحث عن عمل في الدول العربية ، حيث استقر في بغداد أستاذا في كلية الآداب ، و ليسافر بعد حين في بعثة من مؤسسة فرانكلين الى هارفرد و يعود ليعمل في شركة النفط العراقية و في أثناء ذلك توفي الأب و الام قبل ان يسطع نجم ابنهما.
و دارت الأيام، وجرت مياه كثيرة في نهر الحياة و اصبح جبرا ما اصبح ..!
شعر و موسيقى و هيطلية
يقول يوسف ( مع اني اكبر من جبرا، الا انه سبقني الى الموت ، أنها مشيئة الله، و في النهاية الخلاصة واحدة ، فلان يسبق فلانا الى الموت بعام.. عامين او اكثر، ليست هذه المسالة).
و يضيف ( جبرا لا يموت في قلوب محبيه ).
و يقول (كان جبرا وديعا جدا و مسالما، لم ينخرط في النشاط السياسي آنذاك في فلسطين، وكان يستهويه الشعر الوطني و خصوصا شعر عبد الرحيم محمود، كان يحب شهيد (الشجرة) كثيرا)
و الشجرة التي ينطقها أهلها (السجرة) قرية قرب الناصرة استشهد فيها الشاعر عبد الرحيم محمود.
و خلف يوسف في البيت القديم آلة (أكورديون) قديمة جدا، اشتراها يوسف عام 1936، بأربعة جنيهات و نصف من شارع يافا بالقدس الغربية ، وكانت مثار اهتمام كبير من قبل شقيقه جبرا في ذلك الوقت..و كتب عنها في بئره الأولى
و يقول يوسف ان جبرا كانت له اهتماماته الموسيقية، و كان مولعا بالموسيقار باخ. وعندما جلب آلة الأكورديون الى البيت تعلق جبرا بها كثيرا..&
- وهل تذكر حكاية (الهيطلية) التي يذكرها الأستاذ جبرا في بئره الأولى؟&
- آه..بعد صوم يوم الخمسين، صنعت أمي آكلة (الهيطلية) المعروفة من الأرز و الحليب، ودخل عليها جبرا ابن السبع سنوات، بعد ان سكبت الآكلة في الإناء و أراد ان يأكل، فطلبت منه ان ينتظر حتى يعود بقية العائلة، و لكنه غافلها و جلب أترابه من أولاد الحارة و أكلوا الطبخة، و عندما دخلت تفرق الأولاد خائفين..!
و يقول يوسف بان شقيقه جبرا بدا حياته الأدبية بكتابة الشعر بالإنجليزية و كان ينشر قصائده في مجلة (الفورم) بالقدس في الأربعينات، و في تلك الفترة كتب مسودة روايته التي نشرت فيما بعد باللغة الإنجليزية (صراخ في ليل طويل) و اثر صدورها كتب عنها الناقد مارون عبود مشيرا انه تفوق رواية طه حسين (دعاء الكروان) كما يذكر يوسف.
ومنذ ذلك الوقت و يوسف يقرا كل شيء يصله من أدب شقيقه أو ما يكتب عنه، و يحتفظ بملف يحوي عشرات القصاصات من الصحف العربية و الإنجليزية تتناول أدب جبرا.&
- ما هو اكثر عمل تحبه للأستاذ جبرا ؟
- احب كل أعماله، و اكثر ما يعجبني في أعماله هو الحوار، و دائما كنت أقول له عندما نلتقي (أنت يا جبرا عبقري في الحوار) و كل رواية جديدة له كنت أقراها و كأنه لا يوجد مثيلا لها.&
- اخذ عليه كثير من النقاد على انه يعكس في أعماله أجواء (برجوازية) لا يعيشها معظم الفلسطينيين..
-هذا الكلام مردود عليهم، لقد عشنا حياة فقيرة جدا، ومعظم روايات جبرا هي ، بشكل أو بآخر، تعبيرا عن سيرته الذاتية، و الالتزام الوطني في أعماله واضح وكان يعيش حياة متواضعة.
قبض إدريس بالدولار و جبرا بالدينار
يؤكد يوسف ان فلسطين هي حب جبرا الأزلي، و أثناء أقامته في العراق كان يقضي اشهر الصيف في بيت لحم و القدس، ومنذ عام 1967 لم يستطع القدوم، ويفخر يوسف بالجوائز و الأوسمة التي حصل عليها شقيقه، من جائزة جامع كولومبيا عام 1981، و جائزة مندى الآداب العالمي في روما عام 1983، وجائزة من الكويت عام 1987، وجائزة العويس عام 1980 ووسام القدس من عرفات و جائزة تونس عام 1991.
و جبرا الذي كرمته الكويت بجائزة، منحته العراق جائزة صدام الأدبية عام 1988، ويقول يوسف بان لجنة التحكيم قررت منح الجائزة مناصفة بين يوسف إدريس و جبرا إبراهيم جبرا، ولكن الرئيس العراقي السابق صدام حسين (تدخل) ليأخذ الاثنين قيمة الجائزة الكاملة و هي لكل واحد منهما 30 ألف دولار.
و لكن كما يذكر يوسف فان إدريس قبض بالدولار و لكن أخيه قبض الجائزة بالدينار العراقي !
اللقاء الأخير
اللقاء الأخير بين الشقيقين كان قبل موت جبرا بأشهر، حيث التقيا في العاصمة الأردنية عمان، ويستذكر يوسف ذلك اللقاء ( كان في كامل لياقته الذهنية و البدنية، و لم يكن يشكو من شيء، و لكنها إرادة الله).
و في تلك الزيارة جاء صديقه الروائي عبد الرحمن منيف من دمشق ليراه و يقول يوسف بان منيف صديق حميم لجبرا (الروح بالروح) وكان يراهما يجلسان الساعات الطوال يتحدثان في أمور تخصهما ، وكان جبرا مشغولا بكتابة الجزء الثاني من سيرته الروائية بعنوان (شارع الأميرات)
يقول يوسف (بعد البئر الأولى اصدر جبرا عددا من الكتب، وكان بصدد إصدار الطبعة الثانية من البئر الأولى التي تحمس لإصدارها ماهر الكيالي مدير المؤسسة العربية للدراسات و النشر).
و يضيف يوسف بعد صمت حزين 0( قبل وفاته بفترة قليلة، اخبرني انه سيكتب جزءا ثانيا من سيرته الذاتية، و تتناول فترة وجوده في العراق و اختار لها اسما هم شارع الأميرات).
و هو اسم الشارع الذي أقام فيه جبرا في بغداد حتى وفاته و تزوج فيه من لميعة رفيقة عمره. وقبل أسبوعين من وفاته قال جبرا لأخيه يوسف انه كتب خلال أسبوع واحد نحو 200 صفحة من شارع الأميرات، و يعلق يوسف (لعله كان يسابق الموت).
و صدر شارع الأميرات..، كان جبرا إبراهيم جبرا يردد و خصوصا قبل وفاته في لقاءاته الصحفية ان المبدع لا يموت، وان كان ذلك لا ينطبق على الجميع، فانه على الأرجح ينطبق على رجل مثل جبرا آثار اهتمام الناس و شغلهم في حياته الدنيا و سيعيش في أعماله، التي ما زال بعضها، إلى ألان، مثار نقاش و جدل لا ينتهيان..! وهو أمر كان متوقعا من جبرا الذي رحل تاركا (وليد مسعود) يصارع (عالما بلا خرائط) لوحده..!
وهو الرسام و الناقد التشكيلي، و أيضا الذي قدم للقارئ العربي ابرز الكتاب الغربيين و عرف بالمدارس و المذاهب الأدبية و لعل ترجماته لشكسبير من أهم الترجمات العربية للكاتب البريطاني الخالد، وكذلك ترجماته لعيون الأدب الغربي مثل ترجمته البديعة لرواية (الصخب و العنف) التي نال عنها الكاتب الأمريكي وليم فوكنر جائزة نوبل للآداب و لا يقل أهمية عن ترجمة هذه الرواية ذلك التقديم الهام لها، ولولا هذا التقديم لكان فهم الرواية فيه صعوبة كبيرة.
وقبل ذلك أو بعده فان جبرا هو ذلك (اللورد الإنجليزي) حسب تعبير الشاعر احمد دحبور- وكما كان يصفه أصدقاؤه و عارفوه و محبوب النساء& وكاتب (البرجوازية) إذا أردنا الاستعانة بقاموس نقدي سابق و كان شائعا، ولكن من يعرف ان هذا اللورد و البرجوازي نشا في بيئة اقل ما يقال عنها أنها بعيدة عما لصق من جبرا من صفات وعن أجواء رواياته (البرجوازية)، وهو و قبل رحيله عاد إلى (بئره الأولى ) و كتب عن أزقة الطفولة و الخان الذي ولد به و العلية و الراهب يوسف و أبيه البناء الذي كان يحمل الحجارة على ظهره مقابل خمسة قروش يعطيها للام للتصرف بها بحكمتها و درايتها و التي (مهما تكن حكيمة و دارية في أنفاقها، فعي تعلم ان عليها بعد ان تتكفل بإطعامنا، ان تخيط ثيابا بيديها، و ترقعها، وتدبر أمرها من قطع القماش القليلة الميسرة)-كما كتب جبرا في سيرته التي حملت اسم (البئر الأولى).
و لا يعرف الذين قراوا هذه السيرة ان هناك شخص كان له دور أساسي في هذه البئر ، وهو شقيقه الأكبر يوسف و الذي أهداه جبرا نسخة من سيرته الذاتية كتب عليه هذا الإهداء (الى أخي الحبيب الذي لولاه لما امتلأت بئري الأولى هذه أبدا ،مع حبي).
أخي يوسف..
و في بئره الأولى يذكر جبرا فضل يوسف عليه و دوره في جعله يواصل التعليم.و يعيش يوسف ألان في حارة السريان في مدينة بيت لحم العتيقة، و تبدو حارة السريان ببيوتها العتيقة حزينة، صمت ثقيل يزيد من وطأته ان الشمس لا تستطيع التسلل إلى أزقة الحارة لتلقي تحية الصباح، إلا بصعوبة شديدة.
و يوسف مثقف مثل شقيقه الراحل جبرا، وله اهتمام خاصة بالسريان الذين تنتمي لهم عائلة جبرا، ويبدا بالحديث عنهم قائلا (السريان هم عرب اقحاح، و الاسم مشتق من اسم السوريا) و خلال النقاش تقول زوجته شيئا بالسريانية، فيعلق الأستاذ يوسف قائلا:
-تطلب مني ان أوزع عليكم السجائر، اللغة السريانية لغة حية، وهي شقيقة للغتين العربية والعبرية.& ويقول (عندما غزا الصليبيون البلاد ، وقف السريان وقفة معروفة مع صلاح الدين الأيوبي دفاعا عن هذه البلاد و أهلها..)
يغلف حارة السريان حزن مقيم و قلوب ترحل مليئة بالحنين و الآسي الى عوالم الآباء و الأجداد، و ربما يعود جزء من ذلك إلى المذابح التي ارتكبت بحق الأرمن و السريان في بداية هذا القرن.
يقول يوسف (كنت الابن البكر في العائلة، وكان عمري ست سنوات عندما قدمت مع والدي من تركيا اثر مذبحة السريان هناك، وفي بيت لحم ولد أخي جبرا، وبقية اخوتي، و البيت الذي ولد به لم يعد له أي اثر ألان).
و يضيف (بعد سنوات من مكوثنا في بيت لحم انتقلنا إلى القدس بسبب عمل أبى، كنا ثمانية أشخاص نسكن في غرفة وحيدة بالقرب من باب الخليل بالقدس، كانت ظروفنا صعبة جدا، وكان والدي يكسب القليل، وبعد سنوات أصبحت المعيل الأساسي للعائلة، حيث كنت معلما بالنجارة و اكسب 25 قرشا كل يوم وهو مبلغ له قيمته آنذاك).
قروش لعنترة
يحب يوسف شقيقه الراحل جبرا كثيرا، و عندما كبر& والدهما الذي كان يحمل الحجارة على ظهره طوال اليوم مقابل خمسة قروش، بدا يوسف بالعمل لاعالة الأسرة، و اخذ يشتري بقروش يوفرها كتبا ليقراها و شقيقه الأصغر جبرا..
ولا يعتبر يوسف نفسه من المثقفين رغم أجادته لاكثر من لغة و يصف نفسه بأنه من العمال القليلين المثقفين و يقول (كنت أنا و جبرا نحب الأدب و القراءة، و رغم فقرنا كنت اجلب بقروش أوفرها، كتبا مختلفة لنقراها مثل سيرة عنترة و سيف بن ذي يزن و مجلات مصرية أخرى.
و ذات مرة قرر جبرا الذي كان مبرزا في المدرسة كما يقول شقيقه يوسف ترك المدرسة للعمل و مساعدة الأسرة الفقيرة، ويذكر في (البئر الأولى) انه لولا تهديد شقيقه يوسف له بالضرب لما عاد إلى المدرسة و ذهب لمساعدة الأسرة الفقيرة.
و يستذكر يوسف تلك الأيام، و يتذكر انه قال له عندما علم بنيته نرك المدرسة:
-أنا اتعب لتصبح في النهاية عتالا على التلة.
و التلة التي يقصدها يوسف هي تلة باب الخليل بالقدس، حيث كان يتجمع (العتالين) لنقل البضائع للناس ، و لا يذكر يوسف انه هدد شقيقه جبرا بالضرب..!
و تظل الذكريات و اللحظات التي عاشها الشقيقان ، هي رصيد العمر كله بالنسبة ليوسف، فهي (اللحظات التي لا تشترى) كما وصفها أمل دنقل ذات يوم..!
و من الأمور التي يستذكرها يوسف، عندما أنهى جبرا دراسته في الكلية العربية بالقدس، وكيف ان العائلة كادت تطير فرحا بابنها الذي سيعمل مدرسا ب (12) جنيها، و ينقذ العائلة من فقرها..!
و يتذكر انه مثل كل الأفراح و اللحظات السعيدة فان الفرحة لم تدم طويلا فمدير الكلية العربية آنذاك الأستاذ (احمد سامح الخالدي) قرر إرسال جبرا في بعثة إلى (كامبردج) ..!
و يتذكر يوسف النقاشات التي دارت في أوساط العائلة و انتهت بسفر جبرا و عودته في عام 1948 ليعمل مدرسا في الرشيدية و ينقل الأسرة من الغرفة الوحيدة الى شقة في القطمون، وهو أحد الأحياء التي كانت راقية في القدس الغربية قبل سقوطها في أيدي العصابات الصهيونية.
و في نفس العام، انتقلت الأسرة للعيش مجددا بعد سقوط القطمون في حارة السريان في بيت لحم، و سافر جبرا ليبحث عن عمل في الدول العربية ، حيث استقر في بغداد أستاذا في كلية الآداب ، و ليسافر بعد حين في بعثة من مؤسسة فرانكلين الى هارفرد و يعود ليعمل في شركة النفط العراقية و في أثناء ذلك توفي الأب و الام قبل ان يسطع نجم ابنهما.
و دارت الأيام، وجرت مياه كثيرة في نهر الحياة و اصبح جبرا ما اصبح ..!
شعر و موسيقى و هيطلية
يقول يوسف ( مع اني اكبر من جبرا، الا انه سبقني الى الموت ، أنها مشيئة الله، و في النهاية الخلاصة واحدة ، فلان يسبق فلانا الى الموت بعام.. عامين او اكثر، ليست هذه المسالة).
و يضيف ( جبرا لا يموت في قلوب محبيه ).
و يقول (كان جبرا وديعا جدا و مسالما، لم ينخرط في النشاط السياسي آنذاك في فلسطين، وكان يستهويه الشعر الوطني و خصوصا شعر عبد الرحيم محمود، كان يحب شهيد (الشجرة) كثيرا)
و الشجرة التي ينطقها أهلها (السجرة) قرية قرب الناصرة استشهد فيها الشاعر عبد الرحيم محمود.
و خلف يوسف في البيت القديم آلة (أكورديون) قديمة جدا، اشتراها يوسف عام 1936، بأربعة جنيهات و نصف من شارع يافا بالقدس الغربية ، وكانت مثار اهتمام كبير من قبل شقيقه جبرا في ذلك الوقت..و كتب عنها في بئره الأولى
و يقول يوسف ان جبرا كانت له اهتماماته الموسيقية، و كان مولعا بالموسيقار باخ. وعندما جلب آلة الأكورديون الى البيت تعلق جبرا بها كثيرا..&
- وهل تذكر حكاية (الهيطلية) التي يذكرها الأستاذ جبرا في بئره الأولى؟&
- آه..بعد صوم يوم الخمسين، صنعت أمي آكلة (الهيطلية) المعروفة من الأرز و الحليب، ودخل عليها جبرا ابن السبع سنوات، بعد ان سكبت الآكلة في الإناء و أراد ان يأكل، فطلبت منه ان ينتظر حتى يعود بقية العائلة، و لكنه غافلها و جلب أترابه من أولاد الحارة و أكلوا الطبخة، و عندما دخلت تفرق الأولاد خائفين..!
و يقول يوسف بان شقيقه جبرا بدا حياته الأدبية بكتابة الشعر بالإنجليزية و كان ينشر قصائده في مجلة (الفورم) بالقدس في الأربعينات، و في تلك الفترة كتب مسودة روايته التي نشرت فيما بعد باللغة الإنجليزية (صراخ في ليل طويل) و اثر صدورها كتب عنها الناقد مارون عبود مشيرا انه تفوق رواية طه حسين (دعاء الكروان) كما يذكر يوسف.
ومنذ ذلك الوقت و يوسف يقرا كل شيء يصله من أدب شقيقه أو ما يكتب عنه، و يحتفظ بملف يحوي عشرات القصاصات من الصحف العربية و الإنجليزية تتناول أدب جبرا.&
- ما هو اكثر عمل تحبه للأستاذ جبرا ؟
- احب كل أعماله، و اكثر ما يعجبني في أعماله هو الحوار، و دائما كنت أقول له عندما نلتقي (أنت يا جبرا عبقري في الحوار) و كل رواية جديدة له كنت أقراها و كأنه لا يوجد مثيلا لها.&
- اخذ عليه كثير من النقاد على انه يعكس في أعماله أجواء (برجوازية) لا يعيشها معظم الفلسطينيين..
-هذا الكلام مردود عليهم، لقد عشنا حياة فقيرة جدا، ومعظم روايات جبرا هي ، بشكل أو بآخر، تعبيرا عن سيرته الذاتية، و الالتزام الوطني في أعماله واضح وكان يعيش حياة متواضعة.
قبض إدريس بالدولار و جبرا بالدينار
يؤكد يوسف ان فلسطين هي حب جبرا الأزلي، و أثناء أقامته في العراق كان يقضي اشهر الصيف في بيت لحم و القدس، ومنذ عام 1967 لم يستطع القدوم، ويفخر يوسف بالجوائز و الأوسمة التي حصل عليها شقيقه، من جائزة جامع كولومبيا عام 1981، و جائزة مندى الآداب العالمي في روما عام 1983، وجائزة من الكويت عام 1987، وجائزة العويس عام 1980 ووسام القدس من عرفات و جائزة تونس عام 1991.
و جبرا الذي كرمته الكويت بجائزة، منحته العراق جائزة صدام الأدبية عام 1988، ويقول يوسف بان لجنة التحكيم قررت منح الجائزة مناصفة بين يوسف إدريس و جبرا إبراهيم جبرا، ولكن الرئيس العراقي السابق صدام حسين (تدخل) ليأخذ الاثنين قيمة الجائزة الكاملة و هي لكل واحد منهما 30 ألف دولار.
و لكن كما يذكر يوسف فان إدريس قبض بالدولار و لكن أخيه قبض الجائزة بالدينار العراقي !
اللقاء الأخير
اللقاء الأخير بين الشقيقين كان قبل موت جبرا بأشهر، حيث التقيا في العاصمة الأردنية عمان، ويستذكر يوسف ذلك اللقاء ( كان في كامل لياقته الذهنية و البدنية، و لم يكن يشكو من شيء، و لكنها إرادة الله).
و في تلك الزيارة جاء صديقه الروائي عبد الرحمن منيف من دمشق ليراه و يقول يوسف بان منيف صديق حميم لجبرا (الروح بالروح) وكان يراهما يجلسان الساعات الطوال يتحدثان في أمور تخصهما ، وكان جبرا مشغولا بكتابة الجزء الثاني من سيرته الروائية بعنوان (شارع الأميرات)
يقول يوسف (بعد البئر الأولى اصدر جبرا عددا من الكتب، وكان بصدد إصدار الطبعة الثانية من البئر الأولى التي تحمس لإصدارها ماهر الكيالي مدير المؤسسة العربية للدراسات و النشر).
و يضيف يوسف بعد صمت حزين 0( قبل وفاته بفترة قليلة، اخبرني انه سيكتب جزءا ثانيا من سيرته الذاتية، و تتناول فترة وجوده في العراق و اختار لها اسما هم شارع الأميرات).
و هو اسم الشارع الذي أقام فيه جبرا في بغداد حتى وفاته و تزوج فيه من لميعة رفيقة عمره. وقبل أسبوعين من وفاته قال جبرا لأخيه يوسف انه كتب خلال أسبوع واحد نحو 200 صفحة من شارع الأميرات، و يعلق يوسف (لعله كان يسابق الموت).
و صدر شارع الأميرات..، كان جبرا إبراهيم جبرا يردد و خصوصا قبل وفاته في لقاءاته الصحفية ان المبدع لا يموت، وان كان ذلك لا ينطبق على الجميع، فانه على الأرجح ينطبق على رجل مثل جبرا آثار اهتمام الناس و شغلهم في حياته الدنيا و سيعيش في أعماله، التي ما زال بعضها، إلى ألان، مثار نقاش و جدل لا ينتهيان..! وهو أمر كان متوقعا من جبرا الذي رحل تاركا (وليد مسعود) يصارع (عالما بلا خرائط) لوحده..!





التعليقات