أحسنوا الظن رعاكم الله- فهذا العنوان ليس محصلة فورة عاطفّية أتت في غير أوانها، أو ثمرة تجليّات "صوفيّة" في عصر العولمة، وسيادة رأس المال. كل ما في الأمر أن الكلمات تقاطرت طوعا من تأمل المشهد الإعلامي العربي بكل أطيافه. وما تعنيه، وتعتني به هذه الأسطر ببساطة هو مفهوم الحب، وصورة الحبيب كما تظهر، وتصوّر في الفضاء العربي سواء في مجال الغناء أو التمثيل. وهذه الكلمات لا تحمل موعظة إلى احد فكل نفس بما كسبت رهينة، وإنما هي محاولة لتوصيف واقعٍ اتصالي مُرُّ المقدمات، كارثي العاقبة.
وقصة الحب، والحبيب في الإعلام العربي حكاية تستحق النظر، خاصة إذا نظرنا إلى حال بعض الفضائيات العربيّة التي بدت وكأنها قد فَرّغت معظم وقت بثّها لرسم هذه العاطفة السامية ، وإظهار أطرافها في صور ساذجة "متهتكة"، ويتم كل ذلك بإصرار عجيب على ترسيخ مفاهيم عجيبة عن (قيمة الحب)، وكيف ينبغي أن تكون صورة (شكل) ذلك الحبيب، أو الحبيبة. تأملوا حال المغنين، وأبطال، وبطلات الأفلام المصاحبة للأغاني الحديثة (الفيديو كلب) التي تطالعنا وجوها جديدة مع كل شمس شارقة، وكيف تظهر هذه "الضحية" أو ذاك "المخدوع" وقد تحولّت، أو تحوّل إلى مسخ جراء عمليات الصبغ، والتلوين، وكشف النحور، والمستور، على أيدي خبراء "الديكور" الذين يصوّرون لنا الحبيب، و الحبيبة بكل هيئة، وملّة، ولكنها حتى وهي في أفضل حالاتها صور لا تمت لنا بصلة، على الرغم من مزاعم تقول بأن الإعلام هو صورة الواقع. فلماذا على سبيل المثال لا على سبيل الإقرار- لا تتم قصص الحب والوله هذه إلا على ظهور السيارات الفارهة، وعلى الشواطىء الذهبيّة، وحقول الزهور اليانعة؟
وكيف تكون صورة الحبيب في (حلم ) كل شاب، أو فتاة تشاهد هذه الصور في ظل واقع يقول بأن ما يزيد على 70من أرضنا العربية صحراء جرداء!! ثم كيف لا تظهر علاقات الحب، وصور المحبين إلا لمترفين من ذوي العيون الزرقاء، الذين تعرضهم الشاشات، وهم يتنقلون بين اليخوت، والطائرات الخاصة، وفق "تحويجة" تقول لابن وابنة " الحارة" العربيّة بأن حق الحياة امتياز لغيرك، وتتركه، وتتركها في طابور "البطالة" أو أمام مكاتب"القبول" يتساءل: من أنا ومن هؤلاء، بينما تتوالى أمامه على الشاشة صور الحبيب المحظوظ، والحبيبة الولهانة تلاحقه وهي تتثنى دلالا، بينما هو منشغل عنها بمداعبة خيوله في مروج خضراء لم تنبتها أية ارض عربية.
وإثارة الأسئلة الحائرة هنا ليس بغرض التقليل من (فتوحات) المستثمرين في الفضائيات العربيّة، أو بخسهم جهودهم (الجبارة) في اكتشاف (المواهب) ، بحيث وصل الحال بهم إلى مرحلة متقدمة من الدقة، تمكّنهم من (التقاط) صوت أية "حسناء" ،حتى لو كانت تدندن مع نفسها، في زقاق خلفي في عمق أعماق "حمص"، أو على تلال "مرجعيون" ، أو حتى في حارات "شبرا الخيمة"، ليتسلّمها من بعد "خبراء" تزوير الصوت، والصورة ، لتتحول - عبر الفضاء العربي- إلى سلعة بلهاء تغني، أو ترقص في "حقول" لا نعرفها، وتروج "لحب" لا وجود له، وتبحث عن "حبيب" صورته لا تشبهنا.
ومن هنا تبدأ الإشكالية الاتصالية في معنى الحب وصورة الحبيب، التي هي هنا كمثال على ما يمكن أن ترسخّه وسائل الاتصال الجماهيري هذه من مفاهيم تبثها كمسلّمات قاطعة ليتلقّفها بعد ذلك (وحيدا) رقم قريب من 150مليون فتى، وفتاة عربيّة يعيشون ثورة العاطفة، والشباب. وفي ظل غياب مؤسسي شبه شامل تتدفّق مثل هذه الحقن الاتصاليّة عليهم لتشكّل ملامح ووجدان جيل تائه في جو من التناقض الاجتماعي والاقتصادي بين ما يرى على هذه الشاشات من مباهج الحب والحياة، وما يعيشه في واقعه اليومي من معاناة، وموانع. وحين تبحث عن بعض الأثر وبقية المتأثر تجد ذلك أرقاما تتصاعد عاما إثر عام في سجلات دوائر الأمن، وملفات المحاكم.



التعليقات