يمكننا أن نناقش كل القضايا بكل شفافية بما فيها القضية الطائفية، ويمكننا أن نختلف كما نشاء في قراءتنا وتحليلنا للمشكلات التي تعانيها البحرين، لكن ثمة قاعدة تحكم هذا الاختلاف (ولا أقول الخلاف)، هذه القاعدة تنطلق من ثوابتنا الوطنية والدينية.
ومن المنطلق الوطني نؤكد أن سقف الوطن وحدوده هما آخر حدود جغرافيا الاختلاف، ومن المنظور الديني نعني ما أكده الذكر الحكيم في محكم الآيات: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"" الأنبياء: .92 نعم واحدة، تعترف بالتعدد، لكنها لا تنزع للخلاف والاقتتال الذي يُذهب ريحنا ويهلكنا، ولا يستفيد منه سوى أعدائنا. ومن هذه المنطلقات وعلى هدي ثوابتنا نستطيع مناقشة القضايا كافة ونكء كل الجراح بما فيها الجرح الطائفي، بشرط ألا نتحول ـ في انتمائنا المذهبي ـ إلى أسرى للمدلول التاريخي والاجتماعي المحمل بالروح الطائفية، أو أسرى للكتب ذات النعرة الطائفية الاقصائية، التي تكفر الآخر وتسلبه حقه الديني في الايمان وحقه الوطني في الوجود، وحقه التاريخي في الاختلاف. كان لابد من هذه المقدمة قبل أن أسجل اختلافي المبدئي مع ما طرحه الكاتب سيد ضياء الموسوي في جريدة الوسط حول: "خريجات الخدمة الاجتماعية". والقضية تستحق المناقشة بكل جدية في سياق مسألة البطالة وأمراض الشللية والمحسوبية، وفي سياق عملية الحرمان من حق العمل كحق من حقوق الانسان والمواطنة، وهي مشكلة حقيقية تواجهها البحرين التي تؤسس وتبني مشروعها الاصلاحي، لكن المشكلة أو لنقل الفتنة الأكبر هي الرؤية من المنظار الطائفي، لأن البطالة تشمل الجميع، والشللية داء عضال يشكو منه الجميع. ولكي لا يساء فهم رؤيتنا، أؤكد في البداية أن مطلب تعيين خريجات الخدمة الاجتماعية مطلب وطني بحريني، يعطي المصداقية للدستور والميثاق والأطروحات كافة التي تتعلق بمشاركة المرأة والفتاة، لكن بنفس الجدية أرفض رفضاً باتاً أن يتم تعطيلهن أو تشغيلهن بسبب انتمائهن المذهبي، وبالتالي أرفض مناقشة الأمر من معطى طائفي. هذا أولاً، أما ثانياً وهي القضية الأخطر أن تصل حدود الرؤية إلى كارثة استعداء الخارج أو الاستقواء به بشكل شديد الوضوح، كقول الكاتب بالحرف: "ولسنا ملومين إن أوصلنا القضية إلى الخارج"، وفي عمود آخر لنفس الكاتب يهدد بإيصال القضية الى المنظمات الحقوقية الدولية. وهنا لابد من التوقف لكي نحتكم جميعاً للضمير الوطني البحريني وللولاء "الأصيل" لعروبتنا وإسلامنا. وعند هذه النقطة أضم صوتي الى صوت الكاتبة طفلة الخليفة، التي كتبت الأسبوع الماضي في عمودها اليومي المعروف حول: "قضية الاستقواء بالخارج والشكاية له من أوضاع داخلية". ويعلم الكاتب كما يعلم جميع الشرفاء في هذه الأمة أن هذا الخارج ـ ودون أن نقلل من أسباب الداخل ـ هو سبب بلوتنا، وهذا الخارج الذي صدع الرؤوس بالحديث عن حقوق الانسان وحقوق الأقليات وحقوق المرأة والطفل هو الذي ينتهكها يومياً، وهذا الخارج ليس ببعيد عنا، فعلى بعد كيلومترات في العراق قام هذا الخارج (الأمريكي ــ البريطاني) بأكبر مجزرة في تاريخ الانسانية، وقاد بنفسه عمليات الاقتتال الطائفي والعرقي والديني. إن هذا الآخر (الخارجي) يريد العراق كله، ويريد فلسطين كلها، لا تفرق طائراته وقنابله بين سني وشيعي وكردي وكلداني ودرزي وعلوي، ولا بين يمين ويسار ولا معتدل ومتطرف. في العراق صبت أمريكا الزيت على الجراح الطائفية والعرقية، فالتهبت حتى انفجرت مجازر عرقية يمارسها أكراد ضد عرب وعرب ضد أكراد، وكذلك بين شيعة وسنة، وبين مسلمين ومسيحيين، كان آخرها في البصرة تحت حراسة قوات هذا الآخر الخارجي، الذي لم يعد خارجياً بل صار من أهل البيت العربي بكل أسف. ففي البصرة يُـقتل المصلون في المساجد، وفي أربيل يُـقتل الأكراد المسلمون في عيد الأضحى، يتم كل ذلك برعاية هذا الآخر الذي يريد بعضنا إيصال قضية "خرجات الخدمة الاجتماعية" إليه والشكوى له. هل وصل الأمر الى درجة استدعاء واستعداء هذا الآخر ليحل لنا مشاكلنا بقتلنا جميعاً لكي يرتاح هو ونرتاح نحن؟ سوف يُسعد أمريكا ويُسعد عصابة تل أبيب هذا النوع من الكتابات التي تستجير بالآخر الأجنبي، لتجعل له مبرراً ومسوغاً منطقيين للتدخل في شأننا الداخلي. ربما جاءت قوات "المارينز" لتحل مشكلة تعيين الفتيات، وتقصف عائلة "الحاج متولي" التي حرمت الخريجات من حقهن في التعيين، وتقصف "بالمرة" ديوان الخدمة المدنية وكذلك وزارة التربية والتعليم، وعلى هذه القوات المحمولة براً وبحراً وجواً أن تبرمج صواريخها الموجهة بالكمبيوتر لكي تصيب وتقتل أبناء طائفة محددة دون أخرى. المنظار الطائفي يعمي البصر والبصيرة لا يرى إلا من ثقب واحد، والنتائج في هذه الحالة وخيمة. وليتذكر هؤلاء الذين تتعلق قلوبهم بالخارج أن في العراق الآن شعبا يعيش حالة بطالة كاملة، ولا يقبض من أفراد هذا الشعب إلا عملاء الغزاة، فهل نطلب إليهم بعد كل ما نعرف ونرى ونقرأ ونسمع أن يحلوا لنا مشكلة عمل فتيات الخدمة الاجتماعية؟! فلنهاجم وننتقد الحكومة والأجهزة المسئولة ونقيم المناظرات كما نشاء، نعارض أو نتفق داخل الأسرة البحرينية، أما أن نلوح كل يوم بتصدير مشكلاتنا للخارج، فتلك هي الكارثة الحقيقية. لا أريد ولا أحب أن استخدم مصطلحات التكفير الديني أو السياسي، لكنني مضطرة الى استدعاء مقولة السيد خسرو شاهي ممثل الجمهورية الاسلامية الايرانية في الملتقى الرابع عشر للفكر الاسلامي بالجزائر، حين قال: "ان الأعداء أيها الاخوة لا يفرقون بين سني وشيعي، إنهم يريدون القضاء على الإسلام كفكرة وأيديولوجية عالميتين، لذا فان أي دعوة أو عمل لتفريق الصفوف باسم السنة والشيعة يعني الوقوف إلى جانب الكفر وضد الإسلام والمسلمين، وهو بالتالي كما أفتى الإمام الخُميني حرام شرعاً وعلى المسلمين التصدي له". على المسلم أن يقاوم لا يوالي أعداءه أو يستدعيهم للحل والعقد. فنحن نقف بكل قوة مع المسلمين المقاومين من فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله والمقاومة العراقية، وهم الذين يجعلون مرجعيتهم الأساسية الولاء للدين والوطن والأمة. وما أجمل ما كتبه الكاتب الكبير محمد بن المختار الشنقيطي حين قال: "لو قام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) من مضجعه اليوم لانتسب إلى المقاومة اللبنانية، ولو قام الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) لانضم للمقاومة العراقية، ولهوى كل منهما بسوطه على ظهور فلاسفة التفريق والتمزيق الطائفيين". أخيراً وقبل أن أختم هذه المداخلة، أقول للكاتب المحترم ولغيره: انني مواطنة بحرينية (سنية المذهب) ولا أجد الوظيفة في البحرين، رغم أنني من عائلة الحاج متولي. [email protected]