نعيم عبد مهلهل
&
&
&
"ياعبدي طهرت منظر الخلائق سنين وما طهرت منظري ساعة. وفي كل يوم أنظر الى قلبك وأقول : ماتصنع لغيري وأنت محفوف بخيري، أما أنت أصم لاتسمع!"
&أبو حامد الغزالي
&أبو حامد الغزالي
&في مطلع الستينيات نشرت مجلة النفط ولأول مرة في العراق قصائد مترجمة للشاعر الأسكندري، اليوناني الأصل قسطنطين كافافي، وفي منتصف السبعينيات نشرت الصفحة الأخيرة في جريدة الفكر الجديد قصائد لكافافي ترجمة الشاعر العراقي سعدي يوسف، ثم صدرت بكتاب مستقل يحتوي على مائة قصيدة مع مقدمة مترجمة عن الشاعر وعالمه، وقد زامن هذا أهتمام عالمي بكافافي وعلى مستوى الدرس الجامعي، ففي جامعات أمريكا يعد الطلاب من هواة الدراسات الشعرية كافافي ظاهرة شعرية تشتغل على الهاجس الروحي الصعب وأن ثمة تقابلات كثيرة بين هاجس اليوم وما أراد أن يقوله كافافيس في قصائده في عزلة معتمة وحياة هامشية قضاها حتى موته موظفا مواظباً في العدلية المصرية غير عابىء بالذي يحدث ولم ينتبه أليه أحد إلا عندما ذكره الكاتب: أي. أم فوسترفي كتابه الأسكندرية تأريخ ودليل عام 1922، سلط الضوء فيه على هذا الشاعر في وصف جعل العالم يجتهد في نبش التراث الشعري الفذ لكافافي عندما وصفه قائلا :{ السيد اليوناني ذو القبعة القشية، الذي يقف بلا حراك أبداً عند زاوية منحرفة قليلاً عن الكون }. وأيضا كان للروائي لورنس داريل في كتابه الشهير < رباعية الأسكندرية > دور في صناعة المشهد الأسطوري لرجل كان يحلم أن ينال من الأضواء بمقدار الشمعة التي يضيء بها غرفته وهو يتحسس أجساد من يرغب أن يكشف دواخلهم الخجولة داخل القصيدة. وكانت فكرة الشعر عند كافافي أنه الغاية البعيدة داخل الجسد الأنساني والتي يحق لنا تحسسها بأصابع الشعر فقط. وهو ماحفز داريل ليوقظ مجد المدينة ويعيد ترتيب تواريخ الحدث فيها عبر الحياة الساطعة لهذا الذي أطلق عليه لقب { الحارس الغريب}.
في السفر متعة صحبة كتاب الشعر كبيرة، أما في الحرب، فالشعر يكون المنقذ دائماً من رتابة ذلك الزمن الطويل الذي يسبق الليالي المجنونة، والمفارقة مع كافافي كنت دائماً أستحسن أعادة قراءة قصائده في مساءات البرد الشمالي عندما تكون الربايا قد هيئت جنودها لأستذكار أهاليهم وبعضهم يشتهي ظله الآخر فيقوده الفراش الى مداعبة أصابعه، ولكن لاشيء في مكان وزمان رجل مثل كافافيس يقود جموح رغبتك الى أكتشاف الداخل عندها تستطيع أن تتغلب على قسوة البرد ونوازع تأخير الأجازات والفقدان |
الذي يصيب عائلة الربيئة عندما تنحر شظية ما رقبة أحد الجنود.
في ذلك المكان الذي يستطيع به فمك أن يلامس خد الغيمة يدرك الشعر المفاهيم الرائعة التي خلق من أجلها، ولأن الشعر صنيعة قلب عاشق وتطور بعد ذلك ليتشعب مثل جذر شجرة الجوز وليصير وسيطاً للطقوس الميتافيزيقية والموسمية والفنية، فأنه يمثل أكتمال المشهد الكوني لدى كل ناظر عندما تجلس متربعاً على محيط الحصى المطل على الوادي الأخضر وتتأمل في شيخوخة الرجل وهو يدون بأصابع ثملة ومرتجفة واحدة من غوايات الحس اللذيذة التي عرفوا متأخرين أنها تعيش في لب المتغير الذي شمل الذات الغربية : وقالوا حينها :أن هذا الشعر أنما هو أرتقاء بالحاجة المفقودة، وعده البعض تأسيساً لصوفية جديدة. وانا مع هذه الرؤى، فقراءات الربيئة أرتني شكلا مكتملاً ومبعثراً ما بين الرغبة والممانعة لتكون لذة ممنوعة ولكنها ضرورية لنكتشف فيها حقيقة الحدث الروحي والتأريخي معاً كما في قصيدته { البرابرة } أذ رغم قسوتهم وبربريتهم، فقد كانوا كما يقول الشاعر في خاتمة القصيدة :
&والأن ماذا يحل بنا من دون برابرة
&لقد كانوا نوعاً من الحل
هذا الحس الذي رأت منه الدراسات الحديثة أنه الحس الملائم للتعامل مع عصر كهذا يعمم شهوانيته بطريقة سرية الى الذاكرة ويحكمها بمتغيرات النص الى أحالات عديدة تدرك من خلالها أن الشعر بروحه ومكيدته أنما هو الخيار الأهم عندما نقرر رسم الشكل القادم لحياتنا، وفي عزلة كافافي ومداعبات الخيال الممنوعة التي كان يمارسها في غموض وسرية، وبعضها كان يطبق على جسد ما، حقيقي كان أم متخيل، فالأمر بالنسبة للشعر هو أكتمال حاجة لابد معها أن يكون الأمر على هذه الشاكلة، لهذا أختار كافافيس الماضي الأغريقي ليكون مرجعية لحاضر أراد به أن يمتع روحه وثقافته في ظروف قاسية بعد مجد عائلي وتجاري وسفر دائم. ويبدو أن لطفولة كافافي ومعانات أسرته من نوبات الأفلاس وبعضاً من طباع والدته جعلت الشاعر الحارس لفنار الأسكندرية يذهب بشعره الى الجسد المحرم وفيه يصب رغبات الداخل في غرفة كان أثاثها الغارق في الشرقية ينبئك عن طقوس محرمة غارقة في العتمة والسرية، ومتى رأت الضوء وكان الشاعر غائباً في دهاليز الموت وما أكثر اللذين ينالون المجد متأخرين شأنه شأن الفرنسي أرثر رامبو.
يشكل الحس مصدر أبداع كافافي، وتأخذ عزلته جانباً مهماً من هذا الأبداع الذي أرتكز على الأرتماء في الماضي القديم كتعويض عن رؤى كان الشاعر يراها قد تتحقق فأستعاظ عنها بأن يدلف الى الخفي من ذلك العالم الأغريقي الذي كان عري الروح والجسد متجاوران بفعل مكاشفات الفلسفات الأغريقية القديمة التي رأت في ربة الجمال واحدة من الغايات السعيدة التي ينبغي على الأثيني ان يمتلكها في مجتمع كانت طقوسه تقام بين رومانسية طافحة وزهو لفلسفة الكلام والمنطق وبين نظرة العسكرتاريا التي جعلت الأغريق يفكرون بأجتياح العالم أكثر من مرة:
في ذلك المكان الذي يستطيع به فمك أن يلامس خد الغيمة يدرك الشعر المفاهيم الرائعة التي خلق من أجلها، ولأن الشعر صنيعة قلب عاشق وتطور بعد ذلك ليتشعب مثل جذر شجرة الجوز وليصير وسيطاً للطقوس الميتافيزيقية والموسمية والفنية، فأنه يمثل أكتمال المشهد الكوني لدى كل ناظر عندما تجلس متربعاً على محيط الحصى المطل على الوادي الأخضر وتتأمل في شيخوخة الرجل وهو يدون بأصابع ثملة ومرتجفة واحدة من غوايات الحس اللذيذة التي عرفوا متأخرين أنها تعيش في لب المتغير الذي شمل الذات الغربية : وقالوا حينها :أن هذا الشعر أنما هو أرتقاء بالحاجة المفقودة، وعده البعض تأسيساً لصوفية جديدة. وانا مع هذه الرؤى، فقراءات الربيئة أرتني شكلا مكتملاً ومبعثراً ما بين الرغبة والممانعة لتكون لذة ممنوعة ولكنها ضرورية لنكتشف فيها حقيقة الحدث الروحي والتأريخي معاً كما في قصيدته { البرابرة } أذ رغم قسوتهم وبربريتهم، فقد كانوا كما يقول الشاعر في خاتمة القصيدة :
&والأن ماذا يحل بنا من دون برابرة
&لقد كانوا نوعاً من الحل
هذا الحس الذي رأت منه الدراسات الحديثة أنه الحس الملائم للتعامل مع عصر كهذا يعمم شهوانيته بطريقة سرية الى الذاكرة ويحكمها بمتغيرات النص الى أحالات عديدة تدرك من خلالها أن الشعر بروحه ومكيدته أنما هو الخيار الأهم عندما نقرر رسم الشكل القادم لحياتنا، وفي عزلة كافافي ومداعبات الخيال الممنوعة التي كان يمارسها في غموض وسرية، وبعضها كان يطبق على جسد ما، حقيقي كان أم متخيل، فالأمر بالنسبة للشعر هو أكتمال حاجة لابد معها أن يكون الأمر على هذه الشاكلة، لهذا أختار كافافيس الماضي الأغريقي ليكون مرجعية لحاضر أراد به أن يمتع روحه وثقافته في ظروف قاسية بعد مجد عائلي وتجاري وسفر دائم. ويبدو أن لطفولة كافافي ومعانات أسرته من نوبات الأفلاس وبعضاً من طباع والدته جعلت الشاعر الحارس لفنار الأسكندرية يذهب بشعره الى الجسد المحرم وفيه يصب رغبات الداخل في غرفة كان أثاثها الغارق في الشرقية ينبئك عن طقوس محرمة غارقة في العتمة والسرية، ومتى رأت الضوء وكان الشاعر غائباً في دهاليز الموت وما أكثر اللذين ينالون المجد متأخرين شأنه شأن الفرنسي أرثر رامبو.
يشكل الحس مصدر أبداع كافافي، وتأخذ عزلته جانباً مهماً من هذا الأبداع الذي أرتكز على الأرتماء في الماضي القديم كتعويض عن رؤى كان الشاعر يراها قد تتحقق فأستعاظ عنها بأن يدلف الى الخفي من ذلك العالم الأغريقي الذي كان عري الروح والجسد متجاوران بفعل مكاشفات الفلسفات الأغريقية القديمة التي رأت في ربة الجمال واحدة من الغايات السعيدة التي ينبغي على الأثيني ان يمتلكها في مجتمع كانت طقوسه تقام بين رومانسية طافحة وزهو لفلسفة الكلام والمنطق وبين نظرة العسكرتاريا التي جعلت الأغريق يفكرون بأجتياح العالم أكثر من مرة:
&المنتصرين، المشهورين، المتألقين
&هذه الحملة التي ليس لها مثيل ولا قرين
&هكذا نهضتنا، عالما هللينياً جديداً وعظيماً
على تلك المشارف المرهفة الحس وقف كافافيس ليقول كلمته. وكنت في قراءاتي لهذا الرجل أصمد ضد التأثيرات التي يمكن لتلك القصائد أن تتملكني مما يضطرني الى مجارات من يختبىء في فراشه ليمارس طقس المودة مع يديه، غير أنني كنت واعياً لفهم أن تعيش مع قصيدة فمنذ أن قرأت كافافيس لأول مرة شعرت بشدو العاطفة الى مدركات وعي القارىء والمقروء ووقفت بثبات عند تخوم الوعي فأكتشفت الكثير من الألم الأنساني الذي كان الشاعر الأسكندري يعانيه في متاهات الرجوع الى الوراء ففكرت يقيناً بأن مثل هذا الحس يمكنه أن يصمد في ليل الثلج وأن يهمل صراخ الجبهات ويرتدي قميصاً شفافاً يريك من محاسن الجسد الكثير غير عابىء حتى بما يقوله الطقس أن الليل سيكون موعداً لعاصفة ثلجية لاترحم.
كانت القصيدة عند كافافيس هي الحس بأعلى درجات أيقاعاته وكانت روح الشعر تسبح في مكان ضيق لايخرج من محيط ذاكرة الرجل الذي كان زمن صمته وتأمله أكثر من زمن كتابته وكان وعي المكان لديه يتحقق في مدينة واحدة تتشظى منها سماوات حضارة بعيدة لكنها ماثلة في كل لحظة بفضل أستعادة الجسد حسية اللحظة والتمتع بها ورغم هذا كانت المدينة في فلسفة كافافي تمثل الخيبة الواعية لقدرها والتي تتمنى أكثر مايتمناه العشاق الأغربق ورغم هذا يؤثر الموجود الكوني وطبول الحرب على صمت الرجل وينزعج من الأحداث فيطلق رصاصات الرحمة على جسد المدينة ويقول : أنها الخراب أينما ذهبت. وتلك بعض خطابات الأسى الواضحة التي أظهرها كافافيس في قصائده رغم الغموض الذي لف معظم حياته في سير يومي رتيب، من البيت الذي لم يأوي سواه الى مكان الوظيفة، وفي الليل تأتي أستعادات غامضة تنزل فيها حتى ألهة أثينا من مقاصف متعتها لتشارك الكاتب رصف رؤاه على الورق ومن ثم رزم هذه الأوراق في خزانة مهملة ولكنها منحوتة بطريقة { الأرابسيك } حيث حرص اليوناني أن يكون كل ماحوله من الماديات شرقية، أما الروحانيات فكانت أغريقية صرفة.
&لاوجود لسفينة لك، لاوجود لطريق
&فمثلما دمرت حياتك هنا، في هذه الزاوية الصغيرة
&فقد دمرتها في العالم بأسره
هذا جعلني أعتقد أن اللذين سحرهم كافافي متأخراً وخاصة الأجيال التي تعاني المرض الحضاري في أمريكا، كانت تفكر بالشاعر مثل حصان طروادة، أي أنه منقذ بالمخادعة، فاللذين قرأؤه أكتشفوا أن المتعة الحسية االتي تمتلك هواجس كافافي تكفي لتكون أنموذجاً لخلاص من رتابة الثقافة الجديدة التي تهتم بقارىء المترو أكثر من قراء الصالونات فعدوا أمر أكتشاف بهجة كافافي على أنها رسالة معلنة بضرورة عودة الجمال ليكون المخلص من عذابات المشهد المرتبك الذي يشترك في صناعته الكمبيوتر والخدع البصرية وينفذ بشكل سييء على طريقة الأكشن. لهذا فأن الحس الذي فضحته القصائد بطرق بارعة وتقنيات تحتاج الى صفاء الحدائق المنعزلة كي نفك شفراتها أرتنا في قدرة الشاعر الكثير من المزاوجات بين الخفي والمعلن. وأنها نجحت في تطويع الحدث التأريخي ليكون حدث الحاضر وكأن الماضي الأغريقي كان يسير عارياً في شوارع الأسكندرية أو أن كافافي أراد من خلال هذا الماضي أن يفسر الخدع الحياتية التي تمثلها أشكاليات الفلسفات الحديثة التي قربت العالم الى حروبه الكونية بشتى جهاتها. لأجل هذا أرتدينا ثوب الشعر الذي نسجته أحاسيس كافافي وأدخلنا متاهة الظل الى بقعة الضوء فكانت الربيئة المكان المثالي لتحسس ما يقدر عليه الشعر في الكشف عن مزيد من نزوات الجسد عندما يتملكنا موت اللحظة أو ألم الغربة وحتى نزول الثلج على أكتاف معاطفنا ليشعرنا بما أرادت قدرة الرجل أن تتوصل أليه في عزلتها الأغريقة وكانت في رؤاها تمثل الحدث الناضج والضمير الذي لاحدود لمودته عندما يرغب بأرتقاء الحالة المثالية التي نريد فيها أن نمسك اللحظة بالأصابع المرتجفة، ويقيناً أن محاورات أماسي الربايا قد صنعت من متعة قراءات الحس الكافافي عالماً أدركت فيه الروح ماتريد، وأستيقظ فيه الحس على صدى نشوة الجسد وهو يبغي من تخيل المشهد الجميل أن يصنع لوجوده مقامات من الحلم الطافح في ليل دخان السيكارة والكأس والوقت المتأخر الذي كان فيه كافافيس يستحضر ألهته المحببة ليقيم معها طقوسه الممنوعة التي يفضح الشعر رغباتها ورغم هذا فهو يصر على صناعتها:
&
&يصمم كل فترة على بدء حياة أفضل.
&لكن عندما يأتي الليل بنصائحه الخاصة،
&بمصالحاته، ووعوده،
&عندما يأتي بكل قوته الجسدية
&التي تشتهي وتبحث ـ عندها
&ضائعاً يذهب ثانيةً الى لذته المميتة ذاتها..
&يصمم كل فترة على بدء حياة أفضل.
&لكن عندما يأتي الليل بنصائحه الخاصة،
&بمصالحاته، ووعوده،
&عندما يأتي بكل قوته الجسدية
&التي تشتهي وتبحث ـ عندها
&ضائعاً يذهب ثانيةً الى لذته المميتة ذاتها..







التعليقات