عماد فؤاد من أمستردام: برزت على السطح الأوربي خلال القرن الماضي ظاهرة جديدة يمكننا أن نصفها بوجود العديد من الكتاب والروائيين ذوو الأصول العربية الذين يكتبون بلغات أجنبية، وإذا كانت هذه الظاهرة استطاعت أن تفرز العديد من الأسماء الهامة - ليس على الساحة العربية فقط وإنما على الساحة العالمية أيضاً - التي قدمت إبداعاتها في اللغتين الفرنسية والإنجليزية تحديداً، وخصوصاً الفرنسية، وفي مقدمة هؤلاء: محمد ديب، مالك حداد، |
مولود معمري، كاتب ياسين (الجزائر)، ألبير قصيري، أندريه شديد، أحمد راسم، جورج حنين، جويس منصور (مصر)، أمين معلوف (لبنان)، الطاهر بن جلون (المغرب)، فإننا اليوم أصبحنا أمام نفس الظاهرة ولكن في لغة ثالثة وجديدة، ألا وهي الهولندية، والتي تتمتع الآن بوجود العديد من الأسماء ذات الأصول العربية التي هاجرت عائلاتها من بلدانها الأصلية إلى بلجيكا وهولندا منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى سنوات السبعينيات.
&ونستطيع أن نقول إن هؤلاء الكتاب الذين لمعوا خلال الأعوام الأخيرة على الساحتين الأدبيتين في بلجيكا وهولندا، يعتبرون أنفسهم كتاباً أوربيين تماماً، لأنهم تربوا ونشئوا في المجتمعات الأوربية التي تحلُّوا بطباعها واكتسبوا لغاتها، لدرجة أن الكثيرين منهم لا يستطيعون التحدث بالعربية أصلاً، ولكنهم استطاعوا أن يجعلوا الحركة الأدبية الهولندية تقف أمام مفارقة ربما تحدث للمرة الأولى في تاريخها الثقافي ولغتها الأم على حد سواء، وهي اكتشاف لغتهم من جديد من خلال كتابة أدبية تمتلك سحرها ورونقها الخاص، فهؤلاء الكتاب العرب جعلوا المتحدثين بالهولندية يكتشفون كمّ الشعر الذي تحتويه لغتهم، والتي طالما اتهمت بأنها لغة جافة تفتقد البلاغة والإيقاع الأدبيين الذين يتوفران في اللغات الأوربية الأخرى، كالإنجليزية والفرنسية والأسبانية والإيطالية، وخرجت عشرات الأقلام الأدبية في بلجيكا وهولندا لتشير إلى الإنجاز الأدبي الهام الذي استطاع هؤلاء الكتاب الشباب تقديمه إلى اللغة الهولندية، وهو الموقف الذي أعاد إلى الأذهان المقولة التي طالما كررتها الصحف الفرنسية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، حين كتبت على صدر صفحاتها تقول: (إن الأدب الفرنسي كان في طريقه إلى الموت لولا اثنان: "فرنسوا ميتران" و"أمين معلوف")!.
و"أمين معلوف" اللغة الهولندية اليوم هو الكاتب المغربي - الهولندي الشاب "حفيظ بوعزة" (مواليد العام 1970)، والذي نال في منتصف مارس الماضي 2004 جائزة البومة الذهبية لعام 2004، والتي تعتبر أهم الجوائز البلجيكية للأدب المكتوب باللغة الهولندية (قيمة الجائزة 25 ألف |
يورو)، عن روايته المعنونة Paravion ، والتي صدرت أواخر العام الماضي 2003 عن دار نشر Prometheus بأمستردام، وإلى جوار "بوعزة" تبرز العديد من أسماء الكتاب ذوو الأصول العربية في الأدب الهولندي المعاصر، والذين تصدروا الترشيحات لأغلب الجوائز الأدبية الرفيعة الممنوحة من هولندا أو بلجيكا، وعلى رأس هؤلاء: "عبد القادر بنعلي" و"مصطفى ستيتو" و"نعيمة البزاز" و"محمد بن زقور" و"يوسف حلال" و"فؤاد العروي" و"أحمد الصادقي" وغيرهم. "إيلاف" التقت الروائي الهولندي المغربي الأصل "حفيظ بوعزة" في أمستردام، وكان هذا الحوار:
&
* هل توقعت حصول روايتك الأخيرة "برافيون" على جائزة البومة الذهبية لعام 2004؟
- على الإطلاق، كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي، من قبل رشحتني العديد من الجهات الإعلامية في هولندا وبلجيكا للحصول على الجائزة، ولكنني لم أتوقع الحصول عليها بهذه السرعة، حتى عندما كانت رئيسة لجنة التحكيم تقرأ رأي لجنة التحكيم في الكتاب الفائز بشكل غير مباشر لم أكن أدرك أن هذه الكلمات عن روايتي، وقد سبق لي أن رشحت للجائزة عن مجموعتي القصصية الأولى "قدما عبدالله"، ثم رشحت روايتي الأولى "مومو" وهي رواية قصيرة في 96 صفحة للجائزة نفسها في القائمة الأولى، ثم تكرر الترشيح مع الرواية الثانية لي وهي "سليمان"، ولكن يبدو أن "برافيون" كانت هي الأكثر حظاً.
&
* حاولت في هذه الرواية أن تصنع مزجا أدبياً بين رواية الرسالة الطويلة وروايات الرعاة، فهل كان هذا هدفاً لكتابة الرواية منذ البداية؟
- فكرة برافيون في ذهني منذ العام 1998، وقتها لم أكن أبلغ بعد الـ 28 عاماً، ولم أكن أملك وقتها المقومات الفنية والتكنيكية التي تؤهلني لكتابة الرواية بشكل فني أرضى عنه، وعندما بدأت أمتلك الإمكانيات الفنية والتقنية لكتابة الرواية بدأت في الإعداد لكتابتها، واخترت قالب رواية الرعاة كما هي في الثقافة اليونانية مثل "تيوقريطس" Theocritus، وقررت أن أمزج هذا القالب مع قالب الرسالة الطويلة الموجهة إلى شخص مجهول، ثم قررت أن التي ستحكي الرواية أو التي ستقول الرسالة هي امرأة، وعندما وصلت إلى هذا التصور عن الرواية كنا أصبحنا في العام 2002، كنت أهدف إلى مزج رواية الرعاة بالمكان العربي الذي أصفه في الرواية وهو المكان الذي ولد فيه أبي في الريف المغربي، وهو المكان الذي نشأت فيه صغيراً، على الرغم من أنني ولدت في قرية اسمها "وجده" على الحدود الجزائرية المغربية، وحين قررت كتابة الرواية فكرت في السفر إلى المغرب كي أحكي بشكل واعٍ عن المكان الذي أكتب عنه، لكنني فضلت في النهاية أن أكتب من ذاكرتي، حتى أمستردام عندما وصفتها في الرواية كانت في شكل خرافي وليس واقعي.&&
* ولكن بعض النقاد الهولنديين أشادوا بالجزء الأول من الرواية والذي تتحدث فيه عن المغرب باعتباره الجزء الأكثر سحراً وعجائبية، فيما هاجموا الجزء الثاني الذي تتحدث فيه عن أمستردام بحجة أنه يخلو من هذا السحر، فما هو تعليقك؟
- أعرف هذا الرأي، ولكن نظرية النقاد الهولنديين هي أن أي كتابة عن أي مدينة عربية تذكرهم بـ"ألف ليلة وليلة"، أو يريدون أن تكون الكتابة عن هذه المدن مثل "ألف ليلة وليلة"، فهم لديهم نظرة استشراقية يبحثون عنها فيما يطالعونه من الأدب العربي المكتوب بلغتهم أو المترجم إليها، وأنا ألعب بهذه النظرة الاستشراقية في "برافيون"، هم شعروا بانتفاء السحر في الجزء الخاص عن أمستردام في الرواية لأنهم رأوا أنني أتحدث عن الواقع الذي يعيشونه يومياً، ورغم ذلك أزعم أنني كتبت هذا الجزء بنفس السحر الذي كتبت به عن المغرب.
&
* تعتبر نفسك كاتباًّ هولندياً، ولكن في الوقت نفسه تعتبر الهولندية هي لغتك الثانية بعد العربية، ألا تعتبرها مفارقة تحتاج منا لوقفة؟
- أكتب باللغة الهولندية وأفكر بها، لأنني تعلمتها قبل أن أتعلم اللغة العربية، وحين بدأت أقرأ العربية كنت في السادسة عشرة أو السابعة عشر، أؤكد دائماً أنني كاتب هولندي لأنني لا أريد للحركة النقدية في هولندا أن تنظر إلي على أنني كاتب مغربي يكتب بالهولندية، فأنا لا أكتب رواياتي بالعربية ثم أترجمها إلى الهولندية، لكنني أفكر باللغة التي أكتب بها، وجنسية الكاتب هي اللغة التي يكتب بها وليس الأرض التي جاء منها، من السهل أن يقول عني الهولنديون إنني كاتب مغربي يكتب بالهولندية، لكنني في قرارة نفسي أعتبر حفيظ بوعزة كاتباً هولندياً، فكل ما أريده أن تكون شخصيتي ككاتب متوحدة مع ما أكتبه، بغض النظر عن شخصية الإنسان الذي أكونه، شخصية الكاتب هي أسلوبه واللغة التي يكتب بها.
&
* وماذا عن شخصية الإنسان حفيظ بوعزة، هل تشعر في قرارة نفسك بأنك مغربي؟
- شخصيتي مزيج من المغرب وهولندا، فأنا ولدت لأسرة مغربية هاجرت إلى هولندا، لكنني عشت وتربيت في هولندا التي لا أعرف لنفسي وطناً سواها، ودائماً ما أواجه بهذا السؤال في وسائل الإعلام الغربية، وأحياناً كثيرة لا أعرف كيف أرد عليهم، لأنني مزيج من الثقافتين، ولا أستطيع أن أحدد أي الأجزاء بداخلي من المغرب وأيها من هولندا.
&
* بدأت الكتابة الأدبية بالهولندية بعد قراءتك لكتاب "ألف ليلة وليلة" ..(يقاطعني)
- من قبل كنت أقرأ الأدب العالمي مترجماً إلى الهولندية، ومن خلال هذه القراءات اكتشفت "ألف ليلة وليلة"، وكان أول الكتب العظيمة التي نبهتني لهذا الكتاب الهام كتاب "الألف" للأرجنتيني "خورخي لويس بورخيس"، ثم اكتشفت أن هناك العديد من الكتاب العالميين الآخرين الذين وقعوا في عشق "ألف ليلة وليلة" والولع بها، ومنهم "كورتاثار" و"جابرييل جارثيا ماركيز" وسواهم، وربما تندهش حين تعرف أنني تعلمت العربية من خلال هذا الكتاب، حيث كنت أذهب يومياً إلى إحدى المكتبات المجاورة لمنزلي في أمستردام وأنا ابن سبعة عشر عاماً حاملاً العديد من القواميس الهولندية والعربية، وأجلس بالساعات لأترجم كل كلمة في "ألف ليلة وليلة" المترجمة إلى الهولندية إلى العربية، وهكذا تعلمت العربية، التي درستها بعد ذلك في جامعة أمستردام، وهو ما يدفعني منذ فترة للاهتمام بترجمة الأدب العربي القديم إلى اللغة الهولندية، وبالفعل ترجمت خلال الأعوام القليلة الماضية العديد من عيون الشعر العربي القديم إلى الهولندية، منها قصائد من المجون العربية لأبي نواس وامرؤ القيس وابن المعتز ولبيد بن ربيعة وابن خفاجة، وقريباً سيتحول مشروع الترجمة هذا إلى سلسلة تصدر سنوياً، لكي يتعرف الشعبين الهولندي والبلجيكي على الشعر العربي القديم.











التعليقات