باريس - من كاظم جهاد: مع انتهاْء القرن العشرين ودخولنا مشارف الألف الثالث، تقدٌمت الكثير من المجلات والدوريات الغربية بجردة لمكتسبات القرن الفائت ومراجعة لأهم الأحداث والانجازات التي حققتها الانسانية في هذا القرن المتناقض والموسوم بالغرابة في أكثر من جانب. قرن وطأ فيه الانسان تربة القمر وحقق اكتشافات علمية ومعرفية عديدة، ولكنه شهد أيضاًًًًً حربين عالميتين وما لا يحصى من الحروب الاقليمية. باختصار عن العدد الخاص الذي كرسته ٍّ"لوموند دي ديبا" ("عالم المناظرات") التابعة لصحيفة "لوموند" للقرن العشرين، والذي حرره عدد من أكبر المختصين في مختلف العلوم الدقيقة والانسانية، نقدم في الحلقات الخمس التالية مراجعة لبعض الظواهر والانجازات التي طبعت بميسمها العميق القرن الآفل. هنا الحلقة الرابعة.
قفزات هائلة على صعيد الاقتصاد وعلم الاجتماع والذرة
لا شك أن علوما انسانية ودقيقة عديدة، من الاقتصاد الى علم الاجتماع فالذرة فالتاريخ، قد حققت في القرن العشرين قفزات هائلة وغير متوقعة. الا أن علم الأحياء أو البيولوجيا يظل يحتل موقع الصدارة بين هذه العلوم، وذلك لما حققه من نتائج باتت تفرض نفسها على تصورنا للكائن الحي وتسمح لنا بانتظار استخدامات عديدة لهذه النتائج تطال علاقة الكائن بجسده ولعلها تمكنه حتى من تطويع أمراضه ومعايشة ألمه على نحو لم يكن متاحا له في أية لحظة سابقة من تاريخه. في حوار مطول مع عالم البيولوجيا الفرنسي فرانسوا جاكوب (جائزة نوبل في 1965)، نلخص هنا أهم أطروحاته، نقف على المراحل الأساسية لتطور هذا العلم.
يلخص جاكوب المناظرات التي أثارها تدخل البيولوجيا في حياة الكائن وما ترتب عليها من ردود دينية وسياسية وأخلاقية في ثلاث. فهناك أولا الجدل المثار حول الوراثة وطبيعة "الجينات". بدأ علم الوراثة في نظره في 1900 مع اكتشاف أن قوانين ماندل المكتشفة في القرن التاسع عشر لا تسري على النبات والحيوان وحدهما بل تتعداهما الى الانسان. وهذا ما تمخض عن احدى أكبر مناظرات القرن، هذه المتعلقة بتحسين النوع. كان أول من تحدث في هذا الموضوع ابن عم لدارون، عالم رياضيات اسمه غالتون، عني أيضا بالوراثة وتطور الأنواع. كان يعتقد، من دون برهان، بأن الوراثة لا تنحصر في السمات الجسمانية، من لون العينين والشعر الى طول القامة، بل تتعداها الى القدرات العقلية. كان يعتبر& أن الفقراء أقل ذكاء من الأغنياء وينجبون مع ذلك أكثر منهم، ولذا نصح باعاقة تكاثرهم. وسرعان ما تلقف السياسيون أطروحته. فسن الأمريكان قوانين لاعاقة "تلويث" البيض بالسود وبعض المهاجرين، وكذلك فعل الدانماركيون والسويديون. فقد مورس الاجهاض القسري في هذه البلدان. ولم تتبعها في ذلك أقطار أوربا اللاتينية، بباعث من تأثير الديانة الكاثوليكية وكذلك لانعدام الاهتمام بالوراثيات، في فرنسا بخاصة.
يلخص جاكوب المناظرات التي أثارها تدخل البيولوجيا في حياة الكائن وما ترتب عليها من ردود دينية وسياسية وأخلاقية في ثلاث. فهناك أولا الجدل المثار حول الوراثة وطبيعة "الجينات". بدأ علم الوراثة في نظره في 1900 مع اكتشاف أن قوانين ماندل المكتشفة في القرن التاسع عشر لا تسري على النبات والحيوان وحدهما بل تتعداهما الى الانسان. وهذا ما تمخض عن احدى أكبر مناظرات القرن، هذه المتعلقة بتحسين النوع. كان أول من تحدث في هذا الموضوع ابن عم لدارون، عالم رياضيات اسمه غالتون، عني أيضا بالوراثة وتطور الأنواع. كان يعتقد، من دون برهان، بأن الوراثة لا تنحصر في السمات الجسمانية، من لون العينين والشعر الى طول القامة، بل تتعداها الى القدرات العقلية. كان يعتبر& أن الفقراء أقل ذكاء من الأغنياء وينجبون مع ذلك أكثر منهم، ولذا نصح باعاقة تكاثرهم. وسرعان ما تلقف السياسيون أطروحته. فسن الأمريكان قوانين لاعاقة "تلويث" البيض بالسود وبعض المهاجرين، وكذلك فعل الدانماركيون والسويديون. فقد مورس الاجهاض القسري في هذه البلدان. ولم تتبعها في ذلك أقطار أوربا اللاتينية، بباعث من تأثير الديانة الكاثوليكية وكذلك لانعدام الاهتمام بالوراثيات، في فرنسا بخاصة.
منع العلاقات الجنسية بين الآريين وسواهم (اليهور والغجر بخاصة)
وجاء هتلر والنازيون ليعيدوا العمل بأطروحة تحسين النوع البشري بالتلاعب بالنسل. كانوا يريدون انتقاء البشر كما تنتقى الأبقار الحلوب أو كما كان فريديريك الثاني في القرن الثامن عشر يفكر بانتاج أشجار رمان تمنح ثمارا أكبر حجما. ومنعوا العلاقات الجنسية بين الآريين وسواهم (اليهور والغجر بخاصة). ثم، مع انحدار النازية، آلت نظرية تحسين النوع وانتقاء النسل الى الزوال. ونقابل هذه الشاكلة في ارجاع كل شيء الى البيولوجيا في مناظرة أخرى اخترقت القرن هي أيضا، وتدور حول الفطري والمكتسب. هنا تجابهت أطروحتان حول الدماغ وأواليات التعلم. فيرى البعض أن الأفراد يتمتعون في موروثهم البيولوجي والجيني بخصائص ثابتة، أي فطرية، غير قابلة للتعديل وتساهم في تحديد شخصيتهم مرة والى الأبد. وهو تصور مرتبط بنظرة اجتماعية محافظة ترى أن الأفراد والمجتمعات غير قابلين للتغيير. فيما يرى البعض الآخر أن الدماغ البشري شبيه بلوح من الشمع يمكن أن نخط فيه ما نشاء، فالفرد هو بهذا المعنى صنع تربيته. هنا نجد الماركسية وسواها من الفلسفات المتفائلة والقائلة بامكان استيلاد انسان جديد.
كلتا الأطروحتين تقومان في نظر جاكوب على اساءة فهم البيولوجيا. فنحن نعرف اليوم أن النمو الدماغي للفرد ينشأ من التفاعل المستمر بين الفطري، أي المتوارث بالولادة، والمكتسب عبر التربية. فقد اكتشف العلماء قبل سنوات أن القطط حديثة الولادة تظل عمياء اذا ما أبقي عليها معزولة عن النور في الأسابيع التالية لولادتها. فالقدرة على البصر تنشأ من تفاعل القنوات الدماغية البصرية والنور& أو الوسط الطبيعي.
كلتا الأطروحتين تقومان في نظر جاكوب على اساءة فهم البيولوجيا. فنحن نعرف اليوم أن النمو الدماغي للفرد ينشأ من التفاعل المستمر بين الفطري، أي المتوارث بالولادة، والمكتسب عبر التربية. فقد اكتشف العلماء قبل سنوات أن القطط حديثة الولادة تظل عمياء اذا ما أبقي عليها معزولة عن النور في الأسابيع التالية لولادتها. فالقدرة على البصر تنشأ من تفاعل القنوات الدماغية البصرية والنور& أو الوسط الطبيعي.
انتاج منظومة عضوية ليست منظومة الأبوين وان كانت تشبهها
فلا معنى اذن لمحاولة البحث عن مقدار الفطري ونسبة المكتسب، كما فعل البعض في الولايات المتحدة الأمريكية عندما راحوا يقارنون بين نمو توأمين أو يبحثون عن "جينات الذكاء". ولقد جاء اكتشاف "المفتاح الأميني" ADN الذي يمثل نوعا من مفتاح جيني للكائن، في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، ليقلب النظرة العلمية الى هذه الأمور رأسا على عقب. مكن هذا الاكتشاف من معرفة أواليات نقل السمات والخصائص من جيل الى آخر عبر نوع من القفزة. فمع كل جيل يعاد انتاج منظومة عضوية ليست منظومة الأبوين وان كانت تشبهها الى حد بعيد. ثم تطور الاكتشاف بدراسة الجرثومات التي يمكن معالجتها بكمية هائلة الوفرة وحقنها بجينات جديدة لمقارنة التنويعات الحاصلة. هكذا صار بالامكان مراقبة منظومات حية بدل الاكتفاء بدراسة منظومات ميتة أو تالفة.
ثم تم، قبل عشرينات عاما، اكتشاف أن الخلايا القاعدية، من حوامض ذرية وبروتينات وما اليها، التي نجدها في جميع المنظومات الحية، لا تتعرض للتغيير على امتداد مراحل التطور. وجميع هذه الاكتشافات تتواءم ونظرية دارون، سوى أن الداروينية بقيت موضوعة تحت طائلة الشك لأنها تمس أصول النوع البشري وتطال معتقدات الانسان الدينية.
ثم تم، قبل عشرينات عاما، اكتشاف أن الخلايا القاعدية، من حوامض ذرية وبروتينات وما اليها، التي نجدها في جميع المنظومات الحية، لا تتعرض للتغيير على امتداد مراحل التطور. وجميع هذه الاكتشافات تتواءم ونظرية دارون، سوى أن الداروينية بقيت موضوعة تحت طائلة الشك لأنها تمس أصول النوع البشري وتطال معتقدات الانسان الدينية.
طائفة ثانية من الأسئلة أثيرت حول الشاكلة التي بها يحصل تطور الأنواع. كان داروين يقول بالانتقاء الطبيعي. فبعض المنظومات والأعضاْْْء تثبت نجاعتها وقوتها وتحل محل سواها. هذا ما يفسر وجود أسماك سابحة في الماء وطيور محلقة في الفضاء. لكن الصدفة تتدخل في بعض الحالات. كما عندما نجد طيورا تهاجر الى جزيرة معينة وطيورا أخرى تهاجر الى جزيرة مغايرة. أو عندما نجد طيورا تطير بأسرع من غيرها. ويظل الجدال حاميا لمعرفة حجم المصادفة والانتقاء الطبيعي. الا أن جاكوب يعتقد أن العاملين متضافران كما هي الحال بين الفطري والمكتسب.
وتدور طائفة ثالثة من الأسئلة حول وتيرة التطور. كان داروين يقول& يتطور منتظم ومتدرج. لكن معاينات أخيرة ترينا تناوبا بين تغيرات مفاجئة وفترات بطء.
وتدور طائفة ثالثة من الأسئلة حول وتيرة التطور. كان داروين يقول& يتطور منتظم ومتدرج. لكن معاينات أخيرة ترينا تناوبا بين تغيرات مفاجئة وفترات بطء.
التدخل في نمو الجنين وتفادي المرض
ولقد انطرحت أسئلة جديدة مع بداية معالجة الجينات. صار بالامكان مراقبة جينة معينة وعزلها ومكاثرتها. اكتفى الانسان طوال قرون بمراقبة الكائنات الحية، والآن صار في مقدوره التدخل فيها والتحكم بها. مما يفتح المجال واسعا للمناظرات الفكرية والأخلاقية. فالمنظومات الوراثية المحسنة تمكن من ادخال جينة تزيد من مناعة نبتة ضد طفيلي أو حشرة. لكن يجب أن نكون واثقين من أنها لن تدخل الى النبات عنصرا ساما أو تطور فيه مناعة ضد بعض الوقايات الضرورية. الأمر نفسه في ما يتعلق بالانسان. فيمكن تعديل تساهم في تحسين صحته، لكن لا يمكن التدخل في نشأته أو انحداره الجيني الكامل، الا في الحالة المحتملة التي نجابه فيها آفة من شأنها أن تبيد البشرية جمعاء. ذلك أن من الأساسي ألا تسقط الوراثيات من جديد في حبائل نظرية تحسين النسل العنصرية والنازية.
يظل النقاش بالطبع مفتوحا وهو يتأثر بقناعات العاملين الأخلاقية والدينية. فلنأخذ مثال الجنين وامكان التدخل في نموه لتفادي مرض ممكن أو عاهة ممكنة. البريطانيون يعتقدون أن الجنين في أيامه الأربعة عشر الأولى لا يشكل اكثر من "ما قبل جنين". في فرنسا، يعتبر الجنين "كائنا انسانيا ممكنا". المسألة هي اذن مسألة قناعات، وما يزال علماء مختلف البلدان بعيدين عن التوفر على أخلاقية موحدة في هذا الشأن.
يظل النقاش بالطبع مفتوحا وهو يتأثر بقناعات العاملين الأخلاقية والدينية. فلنأخذ مثال الجنين وامكان التدخل في نموه لتفادي مرض ممكن أو عاهة ممكنة. البريطانيون يعتقدون أن الجنين في أيامه الأربعة عشر الأولى لا يشكل اكثر من "ما قبل جنين". في فرنسا، يعتبر الجنين "كائنا انسانيا ممكنا". المسألة هي اذن مسألة قناعات، وما يزال علماء مختلف البلدان بعيدين عن التوفر على أخلاقية موحدة في هذا الشأن.
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& عرض: كاظم جهاد
&






التعليقات