لا يقوى اي انسان محب للحياة والجمال والاناقة والنظافة والنظام الا ان يقع في غرام تلك الفاتنة الناعسة لندن، الجالسة في قلب الجزر البريطانية على الاطلسي وبحر الشمال والمانش، والمرتبطة بكل العالم الحي والمتخلف والميت روحيا وفكريا وحضاريا. لقد دهشت وانا ازور لندن اول مرة من بساطة جمالها وسعة صدر اهلها، ورحابة ساكنيها، هؤلاء البشر الذين لطالما قلنا ونحن نتمازح في مقاهيها اننا لو كنا مكانهم لم استوعبنا هذه الامم القادمة الينا باشكال وثقافات مختلفة، منهم العالم والتاجر والمتدين والشاذ والاجئ والمقامر والمنحرف، والدراس (امثالنا) واشكال مختلفة من التواجد الانساني لم ولن تسمع به الا اذا زرت بريطانيا وتعرفت على خليطها السكاني العجيب، والاعجب من ذلك الحرية التي تمنحك اياها هذه المدينة من لحظة دخولك اليها والمدن البريطانية الاخرى حتى لحظة مغادرتك اياها، انك لن تجحد من يسالك عن سبب تواجدك وماذا تعمل وما هو مقصدك وهواك.
في دول كثيرة في العالم المتاخر وبعض المتقدم يضجر المواطن والسائح من كثرة التواجد الامني في الشوارع، ويصاب احيانا بالرعب من كثرة المسلحين على ابواب البنايات والمؤسسات والمخافر، مما يجعل السائح يخشى على نفسه فيغادر ذلك البلد طلبا لللاحساس بالراحة، في بريطانيا الوضع مختلف، فالزائر للمدن البريطانية يتمنى ان يرى شرطة في الشوارع، فلن تراهم الا في حالتين لحظة وقوع حادث وهو نادر الحدوث او تراهم في الشوارع المزدحمة (شاب وشابة يرتديان البزة الشرطية الجميلة بدون مسدسات ولدى كل منهم هراوة صغيرة توضع مكان المسدس، كثيرا ما تندرنا نحن و الطلاب الانجليز على ذلك عندما نصف لهم رجال الشرطة العرب في بعض البلدات الثورية حيث يحمل الرجل منهم كلاسنكوف ومسدس معا ويقف في احد مفترقات الطرق ينظر للمارة فينظرون الية خلسة فيضحك الزملاء الانجليز في الجامعة متسائلين ان كان هنالك معركة في الشارع فنخبرهم بالنفي طبعا هذا الشكل الشرطي في وقت السلم والهدوء والناس تتسوق وقت الغروب فلا يصدق الانجليزي مايسمع. انه عالم مختلف بين مفهوم الشرطة في الغرب وفي الشرق،فعندهم تفرح حين ترى سيارة شرطة في الشوارع البريطانية لانك تشعر بالامان واحيانا كثيرة كنا نتمنى ان نرى سيارة الشرطة دائما لانها مصدر نجدة وامان لنا، بينما هي مصدر قلق في اماكن اخرى من العالم وحالة شؤم في بعض المدن والعواصم العربية.
كنت كثيرا ما انتقد مظاهر التدين الاسلامي الفج في المدن البريطانية، والتي لو كانت في اي دولة عربية لوضع لاصحابها حد، انه التمادي في الحرية على حساب الاخرين، كنت دائما اجد شخصا من مالي او الباكستان او بنغلادش او دول اسلامية اخرى او عربيا في بعض الاحيان يرتدي سروالا ابيض قصير وثوب ابيض اقصر منه وعلى راسه عمة ملونة وله لحية طويلة كثة غير مهذبة بيده مسواك طويل يفرك به اسنانه ويسير بالشوارع متلفتا يمنة ويسرة وهو في حالة دعوة دائمة، اغلب هؤلاء البشر لا يتكلم العربية ويقراء القران مترجما ولا يجيد الانجليزية وهو مصر على اقامة دولة الخلافة في بريطانيا، انه الجنون بعينة، لقد كنت اتجادل مع هؤلاء الشبان المسلمين والعرب المنجرفين معهم منذ ان دخلت بريطانيا عام 99، كنت اقول لهم لو ان متدين مسيحي جاء الى دولة عربية او الى دولة مسلمة وارتدي ملابس دينية مسيحية وحمل الصليب على صدرة والتقي باطفالكم ونساءكم ودعاهم للمسيحية او اليهودية ماذا ستصنعون به؟ الا يستفزكم تصرف هذا الانجليزي المسيحي الذى غزا ديار الاسلام وجاء يدعو للمسيحية، قالو بلى، انكم انتم تستفزون مشاعر الناس هنا في بريطانيا، وتتحدون مشاعرهم، وتسيرون في شوارعهم على هيئتكم تلك التي لا تردونها في بلانكم الاصلية، ومع ذلك فهم لا يشعرونكم باستياءهم، لان هذا بنظرهم ضريبة الحضارة والديمقراطية وحرية الفكر والدين والاعتقاد. ومع ذلك فانتم تستغلون الحرية الممنوحة لكم الى اقصاها وهذا سوف ياتي بحماقات تنهي هذه الحرية، عندها لن تجدون من يستقبلهم في ديارهم ولا دياركم.
لقد ترك الانجليز الفكر الاسلامي يترعرع في بريطانيا تحت مضلة حرية الدين والاعتقاد، فكانت تقام مؤتمرات دينية لفرق دينية اسلامية منها ما هو معتدل ومنها ما هو ضال، حيث الطرق الدينية المختلفة مثل القاديانية والبهائية والصوفية والتوحيد والهجرة والتحرير وغيرها، وتلك العقائد واتباعها في اغلب اعضاؤها كانوا قد قدموا على اساس الاضطهاد الديني والطائفي والعرقي والمذهبي وغيرها. لقد كنت اتعجب كيف ان هذه التيارات متروكة تعيش وتفعل ما تشاء، لذلك لقد تاخرت الضربة على العاصمة التي نحب كثيرا، لان بلد يتعامل بكل مظاهر التقدم الحضاري والتحكم عن بعد في اغلب الاجراءات الامنية فانه حتما سيكون عصي عليه فهم عقلية منحرفة لبعض المتطرفين المدعين للاسلام.
كلما كنت التق مع بعض الشباب العربي او المسلم في بريطاتيا كلما تحسرت على حال الامة، ليس لان الامة ليس بها من يمثلها ولكن لان اغلب العمال والمقيمين في الغرب باسثناء الاطباء والعلماء وبعض الدارسين والسياح هم من المحبطين في بلدانهم العربية والاسلامية ومن مزوري البطاقات ومحترفي النصب والذين لا يبارحون بوابات السفارات الغربية في العواصم العربية والاسلامية والذين ياتون بكل الوثاق المختلفة الصحيحة والمزورة من اجل السفر للغرب للعمل بكل ما هو غير لائق ومحترم، مما يشكل ابشع صورة عن الاسلام والمسلمين والعرب بشكل خاص، بينما اغلب العرب والمسلمين العاديين هم من النادر مايذهبون للغرب وخصوصا بريطانيا، لذلك من تجدهم في بريطانيا وبعض عواصم اوروبا هم تعساء العرب ومضطهدي العرب ومتطرفيهم الاجتماعيين والدينيين باستثناء ما ذكرت سابقا، فعندما يفشل هؤلاء في الاندماج في المجتمع البريطاني والغربي وتحت وطئة الاحساس بالغربية يلجئون الى التدين لقتل الشعور بالغربة ولايجاد مجتمع بديل عن المجتمع الذي فشل في الاندماج به، من هنا يسهل باعتقادي تسيس هؤلاء البسطاء التعساء تحت مسمى الدين لفعل اي شيء.
نتعاطف مع الضحايا البريطانيين في التفجيرات، ومع ذوي المصابين ونتمنى ان ينجو الاسلام من هؤلاء البشر الذين لا يعرفون ما هو الاسلام ولا يقرأون حروف القران الكريم بلغته العربية، بل يتثاقفون اسلاميا باجتهادتهم الخاصة التي يتوصلون اليها من خلال جلساتهم الخاصة وكتب جيب صغيرة يطبعونها في لغاتهم الاصلية الخاصة، ومن مرشديهم الدينيين.
لقد تاخرت الضربة في بلد الديمقراطية والحرية الدينية والتسامح، فهل تتغير عقلية الجناه والضحايا.




التعليقات