في يوم حار من أيام آب،وأنا في طريقي لزيارة مهمة الى أحد الأصدقاء واذ كنت متعبا من زحمة السرافيس قررت أن أستقل تاكسي مع أني أعرف أن الكلفة ستكون غالية لأن صديقي يسكن في الضواحي البعيدة. أشرت بيدي لسيارة تاكسي صفراء، ولأني كنت قد وضعت في فمي 'حبة هولس على نعناعquot;، فتحت الباب الأمامي وأشرت للسائق دون أن أتكلم أن يذهب عبر الشارع الأيمن،ففعل،ثم عبر الجسر،ثم أشرت له أن يمر من شارع يتوسط ثلاثة شوارع عريضة، ثم تابعت حديث الاشارات معه،فكلما وصلنا لمفرق طرق يسألني هو باشارة من يده الى أين فأرد باشارة من يدي دالا اياه على الطريق الصحيح.
كان الجو حارا جدا وكان عداد سيارة التاكسي يسابق درجة الحرارة، ولأني كنت متعبا جدا ألقيت رأسي على مسند المقعد لأرتاح قليلا بعد أن انتهيت من quot;حبة الهولسquot; لاعنا بيني وبيني نفسي حظي الذي قادني في هذا اليوم التعيس لأن أركب سيارة تاكسي سائقها أخرس لايتكلم ولايفهم سوى لغة الاشارات.

كنا قد شارفنا على أن ننتهي من آخر شوارع المدينة قاصدين شارعا فرعيا يقودنا الى الضاحية التي يسكنها صديقي عندما لكزني بيده مستفسرا بلغة الاشارات ان كان يسير في الاتجاه الصحيح فنكست برأسي أي نعم. وكنت لأقول لنفسي كيف سمحوا لهذا الأخرس أن يقود سيارة! على أية حال انها غلطتي، لقد كان من واجبي أن أنزل من سيارته وأنا لازلت في وسط المدينة حالما عرفت بأنه أخرس، وأن أستقل سيارة أخرى. ولكن وعندما لاحظت علامات التذمر والتأفف على وجه هذا الأخرس، لمعت في ذهني فكرة ذكية. أخذت قلمي وكتبت على قصاصة ورق:هل تكتب وتقرأ ? فهزرأسه مبتهجا وكأني اكتشفت قانون الجاذبية، فرحت جدا لجوابه أنا أيضا وما هي الا لحظة حتى انقض على القلم والورقة وكتب:لوين رايح ? فكتبت مجيبا: ضاحية الشهداء.فماكان منه الا أن صفر صفرة طويلة قائلا بصوت خفيض: ياريتك من الأول كتبت هيك يا آدمي..ف صرخت به:وهل أنت تتكلم يارجل ? ظننتك أخرسا. فرد وأنا ظننتك أخرسا، ياالله ماذا فعلنا بأنفسنا.. وبدأنا نضحك والعرق يتصبب منا بعد أن اكتشفنا هذا المقلب الذي ورطنا أنفسنا به.

اذن لغة الاشارات لاتكفي للحوار، ولغة تبادل الرسائل لا تفي بالغرض، اذ لا بد من من الكلام والمناقشة والاستماع لذبذبات الصوت والاصغاء لرنين الكلمات لكي نشعر بمعنى الكلمة فنحسها لأن الكلمة حياة.
لايكفي أبدا أن يتحادث الجيران من خلف الأسطح باشارات السلام، اذ لا بد من الزيارات واللقاءات وتبادل الآراء لتنمو العلاقة ولكي يكملها التفاهم وتثبتها المحبة. فهل يستمع لنصيحتي الجيران على طرفي الحدود? لنصلِ...

د.اياد قحوش