في يوم الجمعة 3 تشرين الأول/اكتوبر 2008 نشرت بعض الصحف هذا الخبر: (عالم سعودي يدعو الى نقاب بعين واحدة) : دعا أحد علماء الدين السعوديين النساء الى ارتداء النقاب الشامل الذى لا يظهر سوى عين واحدة. وقال الشيخ محمد الهبدان ان اظهار المرأة لعينيها الاثنتين قد يشجعها على تزيينهما، مما قد يصير مثارا للغواية. وكان الشيخ الهبدان الذى يتمتع بنفوذ لدى أوساط علماء الدين فى السعودية، يرد على سؤال فى أحد برامج قناة المجد الدينية. ووصف الشيخ الهبدان النقاب المقترح بالمعقول، انه من المستحسن للنساء ارتداء نقاب به شبكة فى منطقة العينين، وعلى تلك الشبكة قطعة من قماش تغطى احدى العينين، فتسدلها المرأة اثناء السير، وترفعها عندما تريد التأكد من سلعة اثناء التسوق!!!.انتهى.

ان النقاب الذى دعا اليه الشيخ يشبه النقاب الأفغاني اضيف اليه (ستارة) على احدى العينين. فيا اللمنظر الرائع، ويا لراحة المسكينة التى ترتديه، فقد أجبرت على أن تكون عوراء طالما هى خارج القفص (البيت). لماذا يجب أن تضحي المرأة براحتها بسبب رجال لا يستطيعون كبح جماح غريزتهم الجنسية وشبقهم؟ لا أريد الدخول فى معمعة الجدل حول الحجاب والتحجب فقد كتب الكتاب وأفتى المفتون بما يعادل عدة مجلدات ضخمة حول الموضوع دون التوصل الى نتيجة. ولكن الذى لاحظته فى بلدى العراق الذى بدأ ينتشر فيه الحجاب منذ ان اغتصب القوميون والبعثيون الحكم فى عام 1963، وازداد انتشاره بشدة بعد سقوط الحكم البعثي فى عام 2003. وعندما زرت بغداد فى منتصف عام 2004 كاد النساء يختفين عن الأنظار، ومن تخرج منهن خارج بيتها، أو بالأحرى خارج قفصها (تغلف) نفسها بشرنقة سوداء من قمة الرأس الى أخمص القدمين. وأخبرنى جميع من استفسرت منهم من ان التحرش بالنساء ازداد مع انتشارالحجاب، حسب القول المعروف : كل ممنوع مرغوب.

ان ما يحدث اليوم فى بعض البلاد الاسلامية من الحجر أو محاولة الحجر على المرأة ليس بالأمر الجديد، وهو على ما يعتقد كان قد بدأ فى العصر الحجري وفى وقت لم يكن الانسان قد تعلم الكلام بعد، وأغلب الظن ان (اللغة) بين البشر كانت تشبه الأصوات التى تصدر عن قرود (الشمبانزي) المعروفة. كانت قوة العضل هى السائدة، فكانت السلطة للأقوى، اي : للرجل. ولما كانت الرغبة الجنسية غريزة تشترك فيها كافة المخلوقات (حيوانات ونباتات) فان الانسان لم يشذ عنها، فكان يمارسها اينما شاء ووقتما شاء مثل باقى الحيوانات. ثم لعبت الرغبة فى التملك دورها، فقام الذكر بخطف من يشتهيها من الفتيات والاحتفاظ بها فى الكهوف او ما أشبه، وربما يتركها هناك لحين عودته من الصيد الذى هو طعامه وطعام الانثى التى تنتظره فى الكهف. وحينما لا يتسنى لأحدهم الحصول على انثى، يقوم باختطاف انثى غيره وقد يقتله اذا ما حاول منعه. وعندما تعلم الانسان الزراعة، ساعده ذلك على الاستقرار فى مكان واحد، ثم نشأت التجمعات البشرية التى شكلت أساسا للقبائل فيما بعد، ومن ثم ظهرت القرى والمدن. وتطورت العلاقة بين الرجل والمرأة وصارت تعرف ب (الزوجية).

ونتيجة لهذه التجمعات فقد زاد حرص الذكور على الاناث اللاتى أخذن يسترن المناطق الأكثر اثارة من أجسامهن خوف الاعتداء عليهن من قبل الذكورالغرباء. وفيما عدا بعض المساعدة للأزواج فى الحقول، فقد كن يقضين معظم الوقت فى المنازل للعناية بالأطفال واعداد الطعام. و كان الزوج هو الحاكم بأمره ولا تعارضه الزوجة فى شيء. التغير من الصيد الى الزراعة ونشوء التجمعات البشرية أدى الى نشوب خلافات ونزاعات فيما بينها، فتغير مجموعة منها على الأخرى لغاية النهب والسلب بالدرجة الأولى، فكانت الأناث من ضمن (الغنائم) وكن ينتقلن من سيد الى آخر.

وبسبب التعقيدات الجديدة فى الحياة فقد بدأ ظهور الأديان التى وضعت للبشر حدودا وأنظمة لكافة تصرفاتهم، وتقبلها الناس طمعا بالثواب وخوفا من العقاب فى العالم الآخر ومن غضب الله عليهم فتهتز من تحتهم الأرض أو ترميهم السماء بالحجارة أو ينقطع عنهم المطرفتموت مزارعهم وتهلك حيوانتهم. وقامت الأديان بتنظيم العلاقات الزوجية، وفى كل الأحوال كان الرجل هو المستفيد الأول. أما المرأة فانها حصلت على بعض الحقوق ولكن فرض عليها أكثر الواجبات وتقبلتها مرغمة لأنها أضعف عضلا ولا تستطيع حماية نفسها من الأخطار أو القيام بالأعمال التى تتطلب جهدا بدنيا كبيرا.

بعد كل نبي يظهر أشخاص نطلق عليهم اسم (رجال الدين) او (المشايخ) ليفسرون للناس ما قاله نبيهم فى حياته من أحاديث وأوامر ونواهى، كل حسب ما يراه وما يعجبه، ويتقاضون ثمنا لذلك، عينا أو نقدا. وحتى اليوم لا تزال بعض القبائل الأفريقية يقدمون لهم الهدايا والقرابين، من ضمنها الفتيات والدجاج!!. والغريب ان تقديم الفتيات على شكل هبات لرجال الدين ما زال يمارس حتى اليوم فى معظم البلاد الاسلامية حيث يهب بعض الناس بناتهم الى شيوخ الدين مهما كانوا طاعنين فى السن، تبركا بهم وطمعا بالجنة، ولا تستطيع الفتاة المسكينة المعارضة ولا حتى ابداء الرأي. ويقال أن شيخنا الجليل القرضاوي قد وهبه أحدهم ابنته وتزوجها وهي فى عمر يقل عن عمر حفيدته. وللأمانة أذكر أنه قبل عدة سنوات وفى احدى ندواته التلفزيونية ذكر الشيخ أحمد الكبيسي أن بعض الناس يعرضون عليه بناتهم، ولكنه اعتذر عن قبول ذلك.

فى الخمسينات من القرن الماضي أخذ الحجاب بالتراجع سنة بعد أخرى فى الكثير من الدول العربية ومنها العراق حيث بدأت المرأة تسفر عن وجها وتتخلى عن عباءتها وتزاحم الرجل فى كثير من الأعمال، كما بدأ التدريس المختلط فى الكليات. و بدأنا لأول مرة نسمع أصوات مذيعات فى الاذاعة العراقية، ثم شاهدناهن من على شاشات التلفزيون. ولأول مرة تصل امرأة عربية الى منصب وزير كانت الدكتورة نزيهة الدليمي حيث أسند اليها الزعيم عبد الكريم قاسم منصب وزيرة البلديات.
ولسبب ما، فمنذ نهاية الستينات بدأ الحجاب ومعه العباءة بالعودة وأخذ ينتشر بسرعة فائقة ليس فى العراق وحده بل فى كل البلدان العربية.

بعد تشكيل (مجلس الحكم) فى العراق ظهر الوزراء يقفون صفا واحدا أمام عدسات المصورين وكان بينهم اثنتين أو ثلاثة محجبات و (معبئات). وهنا اختلفت آراء الناس فى ذلك فمنهم من حمد الله وشكره على هذا النصر المبين، ومنهم من فغر فاه منكرا ومستنكرا ما يراه. أما منظر أعضاء مجلس البرلمان اثناء انعقاد الجلسات فان الناظر اليهم يحسب انه فى حفلة تنكرية أو كرنفال.

اثناء زيارتى للعراق فى منتصف عام 2004 بعد غياب ربع قرن عنه، شاهدت العجب والعجاب، اذ لم أشاهد انثى غير متحجبة حتى وان كانت طفلة فى دور الحضانة، وكلهن (مشرنقات) بشرانق سود ومنظرهن يبعث الكآبة فى النفس. يضاف الى ذلك فان الكثير من الشبان (وربما أكثرهم) أطلقوا لحاهم ويرتدون (الدشاديش) السوداء ؛ والجدران المطلة على الشوارع العامة غطيت بالقماش الأسود (بمناسبة مأساة عاشوراء) ؛ والساحات العامة التى كانت عليها تماثيل الطاغية أصبحت معرضا (للبوسترات) لأشخاص معممين ملتحين. ولولا وجود العدد الهائل من السيارات لظننت اننى قد عدت الى ما قبل أربعة عشر قرنا. واذا ما نجح مشايخنا وخاصة السلفيون منهم (لا سمح الله) فى الاستيلاء الكامل على الحكم، ستمشى السيدات المشرنقات خلف أزواجهن على بعد عشر خطوات، وستحل (الخيل والبغال والحمير) محل السيارات!.


عاطف العزي
كندا