قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سعى قادة quot;حركة التحرر الآشوريةquot;- مار بنيامين شمعون ،كابتين ملكيس ، آغا بطرس ،الملك قمبر ،وغيرهم- لاقامة quot;دولة آشوريةquot; تضم الأقاليم الآشورية في كل من (العراق وتركيا وسوريا).

ولأجل تحقيق مشروعهم ، خاضوا حروباً وقادوا انتفاضات مسلحة ضد الاستعمار العثماني، ومن ثم ضد الحكم الفاشي في العراق في ثلاثينات القرن الماضي. بيد أن مصالح quot;الدول العظمىquot; التي تقاسمت تركةquot;الرجل المريضquot;- الامبراطورية العثمانية- اقتضت أن لا ترى quot;الدولة الآشوريةquot; النور، على الرغم من الاهتمام الكبير الذي حظيت به quot;القضية الآشوريةquot; من قبل quot;عصبة الأممquot; بعد الحرب العالمية الأولى.مع استقرار الحدود السياسية لصالح الدول العربية المستحدثة في الشرق الأوسط بموجب اتفاقية quot;ساس بيكوquot; انكفأ الآشوريون على ذاتهم الى حين برزت في النصف الثاني من القرن الماضي تنظيمات وأحزاب آشورية ارتكزت الى رؤية سياسية وقومية جديدة ، تقوم على التعاطي بواقعية مع الأوضاع السياسية الجديدة التي افرزتها الحروب العالمية، والنظر الى القضية الآشورية باعتبارها جزء من القضايا الوطنية العامة في كل دولة ،حلها يرتبط بشكل مباشر بقضية الديمقراطية وحقوق المواطنة واقامة quot;الدولة المدنيةquot;.


في سوريا ،موطن السريانquot;الآشوريينquot;، وقد أخذت اسمها عنهم ، منذ استقلالها كدولة حديثة عن الفرنسيين عام 1946 ،تنكرت حكوماتها العربية للهوية الآشورية ، ورفضت الاعتراف بالآشوريين كقومية وشعب له خصوصيته الثقافية والتاريخية ،كما رفضت منحهم حقوقاً قومية وديمقراطية ،هي من صلب وأسس حقوق المواطنة ومن شروط الديمقراطية ، وهي تعد من أركان الوطنية الصحيحة.تالياً ،الحكومات السورية ، أقصت الآشوريينquot;سريان/كلدانquot; عن المشاركة السياسية في ادارة البلاد.


صحيح أن الآشوريين لم يعد يتطلعون الى quot;كياني آشوريquot; مستقل خاص بهم ،على الأقل آشوريي سوريا ،لكن صحيح ايضاً ، أن تخليهم عن حلم quot;الدولة الآشوريةquot; لا يعني بالمطلق أنهم غدوا quot;شعباً من غير قضيةquot;.فبغض النظر عن عدد الآشوريين في سوريا ،والمقدر بنحو مليون شخص- اذا ما تجاوزنا التسميات والتقسيمات الطائفية والمذاهب الكنسية المستعربة والضائعة ، وتلك الخائفة من أن تلقي ثوب العروبة ، الذي حشرت فيه قسراً ، والاعلان عن انتمائها للآشورية أو السريانية أو الكلدانية ndash; للآشوريين قضية واضحة ،بسمات وطنية لا غبار عليها ،يلتف حولها الرأي العام الآشوري ،وتحظى بتعاطف وتأييد الكثير من السوريين.مثل العديد من القضايا الوطنية الهامة ،وقعتquot;القضية الآشوريةquot; ضحية العقائد والآيديولوجيات السياسية والدينية التي ارتكزت عليها وتخفت خلفها حكومات الاستبداد في سوريا. للقضية الآشورية وجه قومي: يتمثل بالخصوصية الثقافية والاثنية للآشوريين.هذه الخصوصية مهددة من قبل هوية عربية مهيمنة طاغية ، لا تخلو من نزعة شيوفينية. ووجه آخر ديني/اجتماعي: باعتبار معظم الآشوريين يعتنقون المسيحية و يعيشون ضمن غالبية مسلمة ترفض مساواتهم معها في حقوق المواطنة.وقد تكرس هذه التمييز البغيض ،القومي والديني ، بين ابناء الوطن الواحد ،رسمياً في جميع دساتير الدولة السورية الحديثة ، وامتد الى الدستور الحالي الذي وضعه حزب البعث العربي الاشتراكي بعد انقلابه على السلطة عام 1963.وليس من المبالغة القول: أن أحوال الآشوريين زادت سوءاً في ظل حكم حزب البعث. فالبعث لم يكتف باختزال الهوية الوطنية السورية بـquot;العروبة والاسلامquot; واقصاء أو اسقاط باقي الهويات السورية من (آشورية/سريانية وكردية وأرمنية وشركسية...) وبفرض العروبة كهوية وانتماء على الآشوريين وعلى كل السوريين من غير العرب فحسب ، وانما طالبهم بالتخلي عن شخصيتهم القومية وعن هويتهم الثقافية واعلان ولاءهم السياسي المطلق للعروبة وحدها لا شريك لها ،بذريعة تحصين وتمتين quot;الوحدة الوطنيةquot; التي غدت اليوم ،وبسبب هذا الاستبداد ،السياسي والقومي والثقافي ، أكثر هشاشة وضعفاً مما كانت عليه قبل عهد البعث.وتطبيقاً لنهج التعريب ، فرض البعث حصاراً على المؤسسات الثقافية والتربوية والنوادي الاجتماعية والرياضية الآشوريةquot;السريانية/الكلدانيةquot;التي وفرت بيئة ثقافية واجتماعية خصبة ومناسبة لنمو الوعي القومي لدى الآشوريين ولانطلاقة الحركة الآشورية المعاصرة ، وقد أمم البعث البعض من هذه المؤسسات وأغلق البعض الآخر. هذا وقد عمل النظام البعثي في سوريا ، بأساليب وطرق مختلفة ،على عزل الحركة الآشورية وإبعادها عن باقي القوى والحركات الوطنية الأخرى في سوريا ، وبشكل خاص عن quot;الحركة الكرديةquot; ،التي عاشت وتتعايش معها بحكم التاريخ والجغرافية السياسية ،نجح النظام في ذلك الى حد كبير ، مستفيداً من بعض التراكمات والمحطات السلبية التي سادت العلاقة بين الشعبين ،الكردي والآشوري ، في مراحل تاريخية معينة.كذلك استفاد من تقصير النخب الآشورية والكردية على حد سواء في ترميم العلاقة الكردية الآشورية وتعزيز الثقة بين الشعبين. وكما هو معلوم ان quot;ملف الأحزابquot; في سوريا ،مسند بشكل كامل الى quot;الأجهزة الأمنيةquot; ،التي اثبتت براعتها الفائقة ليس في تهميش وتقويض أحزاب سورية عريقة وشرذمتها الى مجموعات متنافرة فحسب ، وانما في احتواء الكثير من الأحزاب والحركات السياسية ،العربية والاقليمية ، لحسابات تتعلق بمصالح واستراتيجيات النظام. وللتشويش على quot;القضية الآشوريةquot; ،وربما لقطع الطريق أمام ظهور تنظيمات آشورية جديدة بعد نمو الحالة الآشورية في سوريا ،شجعت السلطات السورية على ظهور وبروز تنظيمات وتشكيلات آشورية/سريانية هجينة ، بعضها محلي المنشأ وبعضها الآخر مستورد ، تحت عناوين وتسميات مختلفة ،ابرزها أو جديدهاquot;الجمعية الثقافية السريانيةquot; ،التي احتفل بالاعلان عنها في المركز الثقافي العربي بالقامشلي ، بتاريخ 18ايار الماضي وبراعية رسمية من الدولة السورية.


لا يخفى على المهتمين بالشأن الآشوري ، وقوف خلف هذه الجمعية الثقافية ، تنظيم quot;مجهول الهوية والانتماء والأهدافquot;.ظاهرياً ،يضم مجموعة من السريانquot;الآشوريينquot;الأتراك المهاجرين الى اوربا ،نشأت وترعرعت في أحضان حزب العمال الكردستاني التركيquot;PKKquot;.في بداية ظهورها كانت ترفع شعارات عدائية ومتطرفة ضد الدولة التركية ، واليوم تعمل علناً داخل تركيا وبتسهيلات من حكومتها.ومنذ ظهور هذه المجموعة في تسعينات القرن الماضي ،ابان مرحلة شهر العسل السياسي لـ حزب quot;PKKquot; في سوريا ، وهي تتنشط بحرية وبتسهيلات من السلطات على الساحة السورية.والأمر المثير حول هذه المجموعة ،هو مضي سنوات على انطلاقةquot;فضائيةquot;سورويو تي فيquot; التي تشرف عليها وتديرها من السويد ،من غير أن تطرح أي قضية أو حقوق سياسية تخص آشوريي سوريا.والأنكى من ذلك أنها تقوم بتشويه الحقائق وتضليل الرأي العام الآشوري فيما يخص واقع وأحوال الآشوريين السوريين. في ضوء هذه الوقائع والمعطيات السياسية يبدو جلياً ان ولادة quot;الجمعية الثقافية السريانيةquot; لم تكن ولادة طبيعة ،تالياً هي لم تؤسس لأجل خدمة الثقافة السريانية كما يزعم القائمين عليها ،وانما وجدت لتكون غطاء قانوني أو يافطة لنشاط وتحرك هذه المجموعة المستورد على الساحة السورية لأغراض وأهداف لا علاقة لها بالثقافة السريانية.فتعليم اللغة السريانية وإحياءها هي أهم بكثير وأكبر من أن تترك لهكذا جمعية.انها تتطلب ،امكانيات مادية ومعنوية كبيرة ،من فتح مدارس ومعاهد وأقسام خاصة بالأدب السرياني في الجامعات السورية. وهذه مهمة وواجب الدولة باعتبارquot;اللغة السريانيةquot;هي اللغة الوطنية القديمة لسوريا وهي جزء من تراثها الوطني.
في وسط هذا المشهد الكارثي آشورياً ، بالمعنى السياسي والقومي ، ظهرت quot;المنظمة الآثورية الديمقراطيةquot; ،خلافاً لمواقفها المبدئية السابقة ، الى جانب هذا التنظيم المستورد والمصطنع ، للتسويق له في المجتمع الآشوري الذي لفظه.ويبدو أن خاطفي المنظمة الآثورية(مكتبها السياسي الطائفي الفاقد للشرعية) ،أو على الأقل المتنفذين فيه ، قرروا ،بعد مؤتمرهم العام الأخير البائس ، الذهاب بعيداً في علاقاتهم مع هذا التنظيم ،والغمز من خلاله الى السلطات السورية.والا بماذا يفسر حضورهم المميز الى جانب ضباط المخابرات السورية في مدينة القامشليquot;حفل الاعلان عن الجمعية الثقافية السريانية quot; ،ومن غير أن يحترموا ، كطرف في المعارضة السورية ، توقيعهم على quot;اعلان دمشق للتغير الديمقراطيquot;.هذا التراجع والانحدار السياسي لخاطفي المنظمة الآثورية يعود بشكل أساسي الى شعورهم بالعجز والافلاس السياسي والقومي ،بعد سلسلة أزمات عصفت بالمنظمة ومازالت تهددها بالمزيد.أن ترميم حالة التشرذم في quot;الحركة الآشورية السوريةquot; واعادة ثقة الجماهير بها لن يكونا بارسال باقات الورد لمجالس العزاء والهمروجات الاحتفالية. كما أن التعويض عن خسارة المنظمة الآثورية لعشرات من خيرة كوادرها لن يكون عبر اقامة علاقة آنية ولأجل مصالح أنانية ضيقة مع أناس لا يكنون أي ود أو احترام للشعب الآشوري ولقضيته.


أخيراً: يخطئ كل من يعتقد بأن الترخيص لهكذا جمعية ثقافية سريانية، أو فتح مكاتب لبعض الحركات والأحزاب الآشورية العراقية ،مثلquot;الحركة الديمقراطية الآشورية-زوعاquot; وquot;المؤتمر الآشوري العامquot; ، هي خطوات انفتاحية من قبل الدولة السورية على الآشوريين وقضيتهم العادلة.فالنظام السوري ، بحكم طبيعته اللاديمقراطية وأيديولوجيته القومية وعقيدته السياسية ،هو اليوم أكثر بعداً عن quot;القضية الآشوريةquot; وعن الحقوق الديمقراطية للآشوريين.ففي الوقت الذي تفتح مقرات ومكاتب لمجموعات آشورية غير سورية ، يلاحق نشطاء الحركة الآشورية السورية ويهددون بالاعتقال والفصل من وظائفهم.

سليمان يوسف يوسف

سوريا
كاتب آشوري: مهتم بحقوق الأقليات
nbsp;
[email protected]