تعاقب الليل والنهار هو الدلالة الوحيدة التي تؤكد معنى الوقت.. اما الساعة فهي اكتشاف له اسس اخرى لست مهتما جدا بتوضيحها.. اشياء كثيرة كانت تحدث مؤخرا، تستوقفني وتجعلني اكون اكثر جدية بتنفيذ ما انا عازم عليه.. وفعلا تأكد لي ان لاجدوى من الانتظار ولا بد ان يحدث ما يجب ان يحدث.. علما انّي واثق من ان الاحداث مهما كانت عظيمة فهي في طريقها للنسيان، لذا فالامر في غاية السهولة وربما في غاية السخف والسخف هنا كون اننا احيانا نبالغ بتعظيم الامور ونبالغ كثيرا باستعطاف الاخر ليشاركنا اعمالا لا نصفها بالتفاهة ونعتقد اننا اصبنا بتحديد مستوى او قيمة تلك الاشياء التي كثيرا ما تنتهي نهايات بائسة ومخزية، ثم نشعر بالعار بعدها ونختفي كي نجعل الاخر ينسى او يتناسى ما قد روجنا للتفاهات التي تكشف بلاهاتنا المغلفة برعونة مزوّقة.. لم تكن جارتي صاحبة الشقة رقم (3) قد ماتت بعد عندما دعتني للعشاء بمناسبةيوم لا اتذكر فيما اذا كان يوم الاب او الام او... كان يوم احد ما.. يوم يشكل مناسبة لشخص تعنيه هذه المناسبة، لكنها كانت تعاني الوحدة لذلك وجدت اني اول المرشحين الذين يستحقون مشاركتها جريمة قتل الوقت والضحك على مرور الهواء من نافذتين متقابلتين في شقتها الملعلقة قي الطابق الذي قال لي صديقي انها قريبة من الله وبعيدة عن الحياة، ثم ماتت لسبب مازلت لا اعرفه تماما لكن احدهم قال انها ماتت... عموما، لقد قلت ان هنالك اشياء تحدث وهي اشياء لا يفترض ان تكون.... لآنني واقول بصراحة لايمكن ان اكون بريئا بتلك السهولة من كل ما يحدث من حولي.. وربما هذا هو السبب الرئيسي الذي جعلني مؤخرا ادون تفاصيل يومياتي وبعض الكلمات التي اطلق عليها صديقي الناقد كلمة قصائد.. كانت الموسيقى ناشزة، تبدو وكأنها حرب لذا رأيت الغالبية منهم يتراقصون بهيئة ذبائح منداة بعويل يمتد لنهايات غير متوقعة، نهايات ترتدي لون الايام المرّة، الايام المنحنية توسلا ان لاتغيب الى الابد.. ضربت الارض عدّة مرات بحذائي الذي اكرهه ورددت.. هل لي ان اكلم السيد ستون... وانتبهت فجاة لصوت طفلة انتصبت امامي بنهدين صاروخين وسألتني.. ثم رقصت امامي الى ممر معتم تبعتها حتى اخر غرفة.. قال لي ستون بصوته الهائل انه مستعد ويتمنى ان يتعاون.. لكنه اردف بعض المفردات التي تتوخى الثقة وتحيل الى التهديد ثم رفع كاسه بوجهي دون ان يبتسم.... كان من المحتمل ان اغير رأيي لولا ما صادفتني من امور كانت وكأن احدا وقّتها آنذاك، فقط لتزيد من حماسي وتدعوني للاستعجال في الامر.. ومن غير المعتاد ان اكون هكذا، انزف كلاما واثير الشكوك من حولي وعندما انظر الى احد ما، كأنني اقول له ستموت او سأموت او موت.. لذلك ذهبت الى اكبر مقبرة في تورونتو ودونت بعض اسماء الموتى ثم لعبت بحروفها وتشكّلت لدي مقاطع مضحكة اعجبت صديقي الناقد الذي اسهب في تعبيراته عن تطور الصورة الشعرية في قصائدي ndash; حسب تعبيراته. الاشياء برمتها كانت تنادي للكف عن الاستمرار بهذا الشوط الاحمق الذي امارسه في يومياتي.. فلا انا ولا هذه الورقة، فما عسى ذلك ان يسمّى ؟ ولم لا افرح واغني مثل ما يفعل الاخرون في المرقص او المصحّات؟ وكما كل مرّة اتعقب بخيالي صورا ما تلبث ان تنتهي مثل موجة الافلام الهزيلة والنساء البليدات والارصفة المكتّظة بالناس الباحثين عن ممرات للوصول لاهداف غير مرئية... اعود لمكان سكني واتحدث بالهاتف مع فتاتي الصغيرة التي اتفقت معي على انني خيّبت املها وان املها هذا تحوّل الى صرخة في النوم او وعكة دائمة في الصحو الذي هو اساس ما يدعونا جميعا لان نحلم ونتفاءل ونحب ونكره ونزعل ونصالح ونساوم و. و..و... فلا أمل فيك.. هكذا اخبرتني حاكية الهاتف وغاب الصوت ساحبا معه الكثير من الذكريات التي طالما كنت اتسلّى بها عندما تداهمني اشباح الوحدة والرغبة بالكف عن التنفس. اتذكر واقول لنفسي يجب ان لا يتكرر ذلك، ويجب ان اكون اكثر حسما وجديّة في الايام القادمة.. وكانت الايام القادمة مزيجا من ايام غير مختلفة عن سابقاتها، بل كانت اكثر ابتذالا من حيث السبل المختلفة المجتمعة لتكوين مفردة الحياة او سبل العيش التي هي اصلا غير متاحة ضمن المفهوم الغريزي.. مات صديقي الناقد فجأة، دفنه الاصدقاء وكنت معهم. شعرت بفراغ وكنت ازوره بين حين واخر وأقرأ له بعض الكتابات التي غالبا ما امزقها في ما بعد.. كنت كل ما اتذكره تنتابني ضحكة طويلة تدور بي كل التصورات التي كنّا نتحدث بها حيث كان هو يتحمس في نقاشه ويصفني بالسلبي المطلق، بناءا على رأيه في ان الحياة تملك الكثير الذي يستحق، لكنه لم يكن يعلم طبعا انه سيفارق بهذة السهولة............................... بعد فترة اصبح السيد ستون جزءا مهما في حياتي حيث زرته عدّة مرّات واصبح يسمعني باصغاء ويشرح لي الكثير عن عمله ويساومني على المبلغ الذي لم نتفق عليه حتى اللحظة.. وكنت اختفي تحت ملامح شخص لا يشبهني، عندما يواجهني بالسؤال المباشر.. من هو؟؟ ولم تريد قتله؟ فاتذرع له بحجج وتشتيت واتملص من نظرته الثاقبة.. صار اغلب وقتي ضائعا في جمع قصاصات الورق التي اعتقد انها تؤرّخني وتدافع عنّي أمام الآخرين.. كرهت الكتب وصرت اعشق الأستماع لكلام الناس في المحلاّت العامة.حتى ان مفردة صغيرة تهمس بها إمرأة مسنّة، تبقى معي طويلا، ارددها بحب وكأنها تعني شيئا مهمّا.. اختفي لأيام عن المدينة واتجوّل في الحدائق النظيفة واتمنّى لو كنت شجرة.. بائع الأثاث القديم أخذ كلّ شيء، لدرجة أنني لاأملك كرسيا أو طاولة لأسند عليها كوعي لكتابة وصيتي.. بعض الذين اعرفهم صاروا يكرهونني ويصفونني بالقذر، وكنت استمتع بذلك.. فأنهم لا يعرفون مدى الحضيض الذي يعيشونه.. جمعت المبلغ الذي طلبه ستون.. أخذ يحصي النقود، وطلب منّي تفاصيل سبق وأن قلتها له.. ثم بين لي، ان بعد موت الشخص لابد ان ياخذ مكآفته من الورث.. فاجبته بالرضى وانا مبتسم.. حددت له المكان والزمان وخرجت اعانق الهواء.... الآن لم يعد لي بيت، أنا سعيد جدا،لأنني سارحل.. ساترك كلّ شيء وأرحل.لا ندم على شبابيك يومي ولا أحزان ماسخة أهدرها كما كنت.. أتوق لأيام لم تكتمل وأرى المسامير تدقّ مساماتي.. ألتصق بالأبراج الساقطة، فاغضب من شدّة غبائي وبلاهتي.. على من سأرمي كسلي وكلّهم لايفقهون معنى مروري خلف ظلال الأسئلة.. لاموجة للبحر أتقّيها وأهرب.. لاجراح اعشقها كما كنت. روائح الأحزان تخنق عبائتي وهم لا يلاحظون جنوني المذهّب وكلامي المساق إلى الأزل..... أعوم على سطح فقير في كلّ شيء وأترك خلفي زعلا على البقايا.. أشفق عليهم هولاء التماثيل الناجين من الحروب، الراحلين مع تيار المجهول....محطات... صار العمر محطات... سقطت اسناني وهرب مع الوقت شعر رأسي.. وليس لديّ ما أتكيء عليه سوى الكلام.. ليس بمقدور احد ان يراني بعد..حتى ستون الذي لايعرف من سيتلقى رصاصاته، سوف لن أضطر لرؤيته.. سوف لن أكون مجبرا على شيء..سيقرأون ورقتي ويتصنعون الحزن...هم لا يلاحظون جنوني المذّهب وكلامي المساق إلى الأزل..لا يسمعون الأغاني التي اكتبها عن قبائل الفراغ وهمومي... همومي المزيّفة.. هم يجرحون بقائي، وأنا أشدّ عنان الله للرحيل.. أجلب كلّ أوهامي وارصفها، فتلتمع أيامي بالجري خلف المنخفضات الزاخرة بالقيح... اعيش طامسا وسرفة الوقت تعرف مدى عمق تجاعيدي وذهولي.. أتلوّى بينهم وتزحف كواسري حروفا متعبة، ترويها تلويحات لاتعلو.. أفقد الأوزان.. الأوقات تعلكني ضاحكة، تبصقني فاكره لحظة إنبثاقي من تلك السوائل التي لم تعد تغريني... تكسرني حروف الجرّ.. ارفع يديّ مضموما لقطيع المصلين ونجهش كالخراف المزيّنة بالمساء المسلول.. حيث تسعل الأشجار باصقة دمها على خريف اوراقي.. وأنا اكبر كلّ لحظة ألف عام..فلمن أشتكي ولا بسمة مولودة لأجلي..؟؟ ولمن أعود عندما يخطف خطو الغروب على مدينة ترفض قرفصتي في زواياها؟؟؟؟؟؟ من سيفهم وضوحي ومباشرة إيماءاتي المريضة ؟؟ أنا فاعل منصوب على عرش يشمخ بالزهد المزوّر، وهم يتكئون على أرجحتي المزمنة.. أنا سارق مظلوم... أفتّش عن غنائمي في أنقاض هجرتها العيون.. اشعر باسف حزييييييين... وانا اتكوّم حيث مباغة رصاصات ستون من خلفي...... علّهم سيقرأون ورقتي........................ أيها القاتل المأجور، سأراك، لاتخش شيئا، فانا أكره الشرطة والكلاب. تعال.. اليوم..في منتصف ألهمّ.. سأراك وامنحك ما تبقّى منّي.. لا تعتل همّ الأوراق والوقود والأسلاك، سأجازيك بكلّ ما تستحق ألطيور والأشجار من مسرّات وأطعمك أشهى عسل من دمي المتخثّر على أرصفة الأنتظار..سأكون لقمتك الهانئة.. فارحمني برصاصاتك وسكاكينك الضاحكات.. يا صديقي الوحيد المتهاون هاهو الليل يقترب.. والكوابيس تنعب على مقربة من مخدتي... أينك ؟؟ بين حين ودهر تجفّ البحار وينزل المتسللون من اعالي اليأس، فاعّدهم، وأتفقد الرصاصات في مشجب قلبي ولا أكتفي بكلّ هذه الطعنات والبراكين والخواءات والجمل المنقوصة... فهلاّ أتيت.. قبل اليوم لنحصد ما تبقّى.. ساراك بصحبتي... ونفترق بعد حين كما يحصل معهم... هم....... هم..... جميعهم............ حيث لاوداع......
- آخر تحديث :







التعليقات