الناقد د.سامي سليمان: النقاد المعاصرون قدموا مجموعة من الكتابات محدودة القيمة

محمد الحمامصي من القاهرة: يشارك الناقد د. سامي سليمان أستاذ الأدب والنقد العربي الحديث بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة في الفعاليات الثقافية متابعا ومشاركا، ويتوقف محللا الكثير من الظواهر الأدبية سردا وشعرا، قدم سبعة كتب نقدية مهمة منها (الخطاب النقدي والأيديولوجيا: دراسة للنقد المسرحي الاجتماعي في مصر 1945 ـ 1967)، (خطاب التجديد النقدي عند أحمد ضيف)، (حفريات نقدية: دراسات في نقد النقد العربي المعاصر) وغيرها، التقيناه وتعرفنا منه علي رؤيته النقدية بداياتها وما خلصت إليه الآن.
يقول د.سامي سليمان: أثناء عملي في بحث الماجستير في النصف الثاني من الثمانينات حيث كنت أدرس مسرح محمود دياب أحد أبرز مسرحي الستينيات وبالتحديد عام 1989، وبعد أن قطعت شوطا كبيرا من القراءة في الفلسفة وتاريخ الفكر والنقد، تكوّن لدي حلم السفر إلي أوروبا للتعرف علي تطبيقات أفكار العدالة والحرية والديمقراطية في الممارسات اليومية للمواطن الأوروبي، وهذا جذر منطقي فمن يقارن ما أنتجته الثقافة الأوروبية في هذه المجالات بما أنتجته الثقافة العربية القروسطية (ثقافة القرون الوسطي) سيكتشف فوارق هائلة كلها تكاد تصب في مصلحة الثقافة الأوروبية، مثال ذلك أن هناك الكثير منا يرون أننا لا نحتاج الديمقراطية الأوروبية لأن تراثنا فيه الشورى، قرأت سنوات في هذا المجال وتوصلت أولا إلي أن الشورى في تراثنا أن يقوم كبار العلماء والشخصيات باختيار الحاكم، ثانيا ليست هناك سلطة تمثل المجموع تستطيع أن تراقب الحاكم، ثالثا عرف تاريخنا فكرة الصراع علي السلطة وفي حالة انتصار طرف ليس معه الحق بمقاييس الحق يقول مفكرو القرون الوسطي أن يتم إقرار حكم ذي الشوكة حكم الغالب.اكتشافي ذلك أدي بي إلي الحلم بأن السفر لأوروبا لأعرف كيف يحيي الناس مثل هذه الأفكار أفكار العدالة والحرية والديمقراطية في حياتهم اليومية، وبالفعل سافرت إلي ألمانيا ودرست هناك ثلاث سنوات وراقبت كيف تتجلي هذه الأفكار في سلوك الناس حيث رأيت ولمست وخبرت تحقيقا لقيم العدالة والحرية، وهنا حدثت الصدمة التي أدت بي إلي رفض الثقافة العربية.
أثناء وجودي بألمانيا درست النقد المسرحي الاجتماعي في مصر من 1945 إلي 1967، ونتيجة قراءتي للنقد الألماني خاصة والأوروبي عامة اكتشفت أن ما كتب من نقد معاصر في العربية قدمه نقاد كبار مثل محمد مندور وغالي شكري ولويس عوض ومحمود أمين العالم وغيرهم هو مجموعة من الكتابات محدودة القيمة، وهنا تأزمت أكثر وتوقفت، إنني أدرس النقد العربي الحديث والنقد الغربي الحديث لسببين الأول أن أستفيد من النقد الغربي في دراستي للنقد العربي، النقد العربي منذ أوائل العقد السابع من القرن التاسع عشر حتى الآن تياراته الأساسية قائمة علي الاستفادة من النقد الغربي، وهذا معناه أن أي دارس له ينبغي أن يتصل بعمق بالأصول الغربية لاتجاهات النقد الحديث.
كيف أحل أزمتي مع ما اكتشفته من محدودية الابتكار والإبداع والجدة في النقد العربي الحديث؟ توقفت عن الكتابة شهورا أثناء ذلك واصلت قراءاتي في النقد الأوروبي ثم فكرت بهدوء وتوصلت إلي القناعة التالية: هذه بضاعتنا وهذا ما أنجزته الأجيال السابقة التي ندعي أنها أجيال الريادة، وعليّ أدرسه في سياقه أولا التاريخي والثقافي والاجتماعي، وثانيا اللحظة الراهنة، لأنه في السياق الأول أرده إلي السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي حتى لا أتجنى عليه وجزء من هذا السياق العلاقة بالنقد الغربي، وهنا اكتشفت مفارقة مضحكة تتجلي عند معظم هؤلاء النقاد الكبار حتى أوائل السبعينيات من القرن العشرين: كل ناقد عربي كبير يتبني اتجاها أو أكثر من اتجاهات النقد الغربي ويقدمه للمتلقين العرب علي أنه أحدث الاتجاهات النقدية الغربية ولا يكون ذلك صحيحا إطلاقا.
السياق الثاني سياق اللحظة الراهنة، أنا ابن اللحظة وحين أتعامل مع الماضي لا يمكن تجاهل اللحظة، وهذا يحتم عليّ أن يكون لي موقفا، فحين أعود إلي كتابات هؤلاء النقاد أو التراث العربي، أعود لأبحث عما يساعدني في أن أحيا اللحظة الراهنة.

** هكذا إذن بدأت مسيرتك النقدية؟
** هذه كانت اللبنة الأولي، كان منطقيا أن يكون النقد العربي نشاط ثقافي فاعل في حياة الجماعة العربية، ويترتب علي هذا أن أي ممارسة نقدية تقوم علي الوعي العميق بمتطلبات اللحظة وينتج عن هذا الوعي محاولات بلورة نظريات ومناهج لدراسة الظواهر الأدبية، ومنذ بدأت منطلقا من هذه الرؤية قدمت ثمانية كتب، كتابي الأول (الخطاب النقدي والأيديولوجيا دراسة في النقد المسرحي 1945 ـ 1967) وفيه أسست لمفهوم في الخطاب النقدي أميز فيه بين مجموعة عناصر أساسية تبدأ من الأشمل (الصيغة النقدية) مرورا بالمقولة النقدية والآلية النقدية وانتهاء بالعنصر الأخير نمط العلاقات التي تتحكم بين العناصر الثلاثة الأولي، ثانيا طرحت تصورا للعلاقة بين الخطاب النقدي بوصفه خطابا فكريا وثقافيا وبين الأيديولوجيا التي تحكمه، وهنا طبقت هذا المنظور علي كتابات محمد مندور ولويس عوض وقد تجلت مجموعة من النتائج بعضها في صالح هؤلاء الكتاب وكثير منها ليس في صالحهم.
كتاب الثاني (خطاب التجديد النقدي عند أحمد ضيف) حيث عرف ضيف في تاريخ النقد الحديث باعتبار أنه سبق طه حسين في تقديم منهج الناقد الفرنسي لانسون، قرأت كتابات أحمد ضيف بشكل مختلف فاكتشفت أنه أول ناقد عربي حديث حاول أن يؤسس نقدا عربيا حديثا علي أساس نقد النقد العربي القديم، ووصل إلي مجموعة من النتائج أن النقد العربي القديم غير صالح لقراءة الأدب العربي الحديث، وهنا تأكد لي سلامة رؤيتي في قراءة التراث القديم قراءة نقدية، وواصلت استكمال رؤيتي ومنطلقي في كتابي (حفريات نقدية.. دراسات في نقد النقد العربي المعاصر) الذي بلورت فيه مفهوما أو تصورا لما يسمي نقد النقد، هذا المفهوم يقوم علي عدد من العناصر أولها أن نقد النقد هو نشاط معرفي يتعامل مع الكتابات النقدية بطريقة تشبه الطريقة التي نتعامل بها مع نظرية الفلسفة، ثانيا أن النشاط يقوم علي الاعتداد بدور القارئ، وهنا نبتعد عن منطقة الوصف وإدعاء الموضوعية، المعني الذي تكشف في إطار الفلسفة الوضعية في الثقافة الغربية، ثالثا هدف نقد النقد إخضاع النشاط النقدي لمجموعة من التساؤلات التي تنصب علي مراجعة الفروض وما ينتج عنها من إجراءات لتحليل النصوص وما يرتبط بها من مصطلحات.

** في ضوء هذه الرؤية كيف ترى للمشهد النقدي في مصر الآن؟
** هناك نشاط واضح في الهيئات والجامعات والتجمعات النقدية والأدبية وأن هذا النشاط لم يعد مقصورا علي المدن الكبري، أيضا هناك حركة نشر نشطة فيما يتعلق بالنقد حيث يوجد انفتاح في المناهج النقدية المستخدمة في قراءة النصوص والظواهر الأدبية، ولا أحد يزعم أن يقدم النظرية الأحدث في النقد الغربي.
هناك درجة عالية من الوعي لدي كثير من النقاد الذين يستخدمون أو ينطلقون من النظرية الغربية بخصوصية في تحليلاتهم للأنواع الأدبية العربية وظواهرها، وكل هذا في مجمله يكشف أننا في مرحلة فيها نشاط نقدي مهم، ولكن تنقص هذه الحركة النقدية جوانب عدة لكي تصبح أكثر فاعلية يمكن تلخيصها في أولا: أن هناك ضعفا عاما في الاقبال علي القراءة وهذا لا يخص النقد وحده ولكن يخص مختلف الكتابات. ثانيا: المؤسسات التعليمية كافة حولت العملية التعليمية إلي مجرد ملخصات ومذكرات تحتوي علي معلومات لا تغني ولا تسمن من جوع. ثالثا: ترتب علي هذا المناخ افتقاد الغالبية العظمى من المتعلمين وخاصة الشباب متعة القراءة.

** وماذا عن فاعلية هذه الحركة النقدية علي الساحة الأدبية؟
** أعتقد أنها فاعلية متحققة، هناك جانب من النشاط النقدي منصرف إلي متابعة الكتابات الجديدة سواء للكبار أو الشباب، بعض الكتابات النقدية قامت بالترويج لأفكار معينة وهناك كتابا توافقوا معها لأن المنطلقات واحدة وهناك من رفضوا، وكلا الأمرين موجود، أليس هذا دليل حيوية الحركة النقدية.

** كيف ترى لمشهد الشعر المصري؟
** كافة الاتجاهات ممثلة ولكل اتجاه من يتلقاه، لكن هناك اتجاه شعري ينحصر متلقوه في فئة قليلة نتيجة تشكل رؤية شعرية تعتمد علي استخدام رموز ليس لها علامات تقود القراء لفهمها، أو تعتمد علي عالم جمالي شديد التشظي، وهذا أدي إلي ضرب الشعر لصالح الرواية والقصة القصيرة.