عزمي بشارة: لا بديل عن طرح برنامج ديمقراطي كمشروع وطني وقومي
من سعد القرش من القاهرة:يقول الكاتب الفلسطيني عزمي بشارة انه شرع في إعداد كتابه الجديد حين كانت الولايات المتحدة ترفع الديمقراطية شعارا ضاغطا على حلفائها quot;وتتدخل عدوانيا ضد غيرهمquot; لكن الديمقراطية أصبحت يتيمة بتخلي واشنطن عنها حتى كشعار بعد تطورات الاحداث بين عامي 2005 و2007. ويحث في كتابه (في المسألة العربية.. مقدمة لبيان ديمقراطي عربي) على quot; ضرورة طرح برنامج ديمقراطي وطني وقوميquot; بحيث تنشأ الديمقراطية من منطلق داخلي كعملية توازن موضوعي بين قوى متعددة منظمة. ويرفض التحول الديمقراطي بتدخل خارجي مستشهدا quot;بانهيار نظرية المحافظين الجدد الامريكيين وبخاصة بعد العدوان على العراق واحتلاله والضرر اللاحق بعملية التحول الديمقراطي في المنطقة نتيجة لعملية الربط التي تمت مع التدخل العسكري بالعدوانquot; مضيفا أن التدخل الامريكي في العراق تجاهل quot;المسألة العربيةquot; وحاول زرع فكرة أن التعددية الديمقراطية هي التعددية الطائفية وأنها ممكنة دون قومية.
ويقول ان التدخل الامريكي لمصالح سياسية واقتصادية تحت شعار الديمقراطية أساء للقضية الديمقراطية quot;كمسألة قوميةquot; لانه وضعها خارج الاجندة الوطنية والسيادة.
والكتاب الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت يقع في 271 صفحة كبيرة القطع ويضم فصولا منها (بؤس نظريات التحول الديمقراطي) و (الديمقراطية والدولة الريعية) و ( اشكالية القبيلة والدولة) و(القومية والدين واشكالية الهوية) و(الديمقراطية والجماعة السياسية والهوية) و (المواطنة بين التجانس والتعدد).
ويقول بشارة في المقدمة ان الكتاب نتج من وحي التفاعل مع الازمات العربية الاخيرة وتجربته الشخصية في صياغته للافكار المتعلقة بالقومية العربية والمواطنة الديمقراطية في ظروف quot; شديدة التعقيد... مررت أثناء هذا الكتاب بعدة منعطفات وأزمات مثل الحرب (الاسرائيلية) العدوانية على لبنان وحملات التحريض والملاحقة الاسرائيلية بسبب ترابط نشاطي السياسي والفكري والتي حولتني في اخرها الى ملاحق ومطلوب من قبل اسرائيلquot; التي اتهمته بعد الحرب التي دارت بينها وبين مقاتلي جماعة حزب الله اللبناني في صيف 2006 على مدى 34 يوما بتلقي أموال من الخارج وتمرير معلومات الى حزب الله عن مواقع استراتيجية في اسرائيل.
وردا على تلك الاتهامات اتهم بشارة اسرائيل بتصفيته سياسيا. وسلم في ابريل نيسان الماضي استقالته من الكنيست الى السفارة الاسرائيلية في القاهرة. ولا يعترف حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي أسسه عام 1995 باسرائيل دولة للشعب اليهودي.
ويقول بشارة في كتابه ان من مظاهر اعاقة التحول الديمقراطي في العالم العربي quot;اختلاط الاصلاح السياسي بالتدخل الاجنبي والاجندة الاستعمارية وذلك من دون مشروع سياسي ديمقراطي وطني مقابلهquot; مضيفا أن هذا الاختلاط يمنح هامش مناورة واسعا لقوى غير ديمقراطية معادية للاستعمار في مقابل موقف توفيقي للانظمة العربية القائمة.
وتابع أن هذا الموقف التوفيقي للانطمة quot;غير الديمقراطيةquot; الحالية يناور بين تخيير حليفها الامريكي بقبولها كما هي أو مع اصلاح محدود وبين صعود قوى معادية للولايات المتحدة.
ويضيف أن من هناك عائقا اخر أمام الديمقراطية هو العشائرية السياسية التي يقول انها تشوه مفهوم التعددية quot; وتمنع نسج علاقة فرد-مجتمع-دولة أو مواطن- دولةquot;.
لكن بشارة لا يذهب الى تعميم هذه الظاهرة التي من تجلياتها ارتباط البنية القبلية باليات الحكم كمصدر قوى بشرية للاجهزة الامنية أو كقوة مانعة للانضمام في نسيج الدولة مضيفا أن هذا الوضع يسمح quot;بعقد صفقات وتقديم خدمات لاعضائها (العشيرة) أو أفرادها أو حمايتهمquot; بدلا من أن يتمتع الفرد بحقوق المواطنة الديمقراطية.
ويستعرض المسار التاريخي العربي حيث quot;يجري انكار الجماعة القومية حتى داخل الدولة القطرية ويرتبط الفرد بجماعة ما قبل قومية تعيق الانسجام داخل المجتمع. ويستعاض عن الديمقراطية بالتوازن بين الجماعات العضوية والطوائف والقبائل ويستعاض عن المواطنة بالعضوية في جماعة تتوسط بين الفرد والدولةquot; مشددا على أن هذا مثل المشهد ليس تعددية ديمقراطية بل مجرد توزان وتعايش ربما يتحول في أي لحظة الى احتراب أهلي.
وتحت عنوان (الديمقراطية كقضية سياسية.. خصوصية الاصلاح عربيا) لا يجد بشارة مبررا لتأجيل مهام الديمقراطية بحجة تغيير ثقافة المجتمع قائلا ان دولا عربية ترفض أن تؤدي دورا باتجاه الانتقال للديمقراطية والاصلاح بدعوى أن المجتمع غير جاهز.
ويضرب المثل بما يسميه quot;الحالة التونسية. هنا يصبح قرار الاصلاح من عدمه من قبل المؤسسة الحاكمة قرارا مصيريا. في تونس يتوفر تاريخ من التجانس القومي والديني وتاريخ للهوية الوطنية... وطبقة وسطى واسعة ومتعلمة نسبيا في ظل اقتصاد سوق. ومع ذلك تقرر النخبة الحاكمة أن تدعم وتعزز النظام السلطوي وتمنع الحريات بحجة أن المجتمع غير جاهز وأن الديمقراطية سوف تأتي الى الحكم بقوى سياسية أصولية غير ديمقراطيةquot; مضيفا أن الدولة في مثل هذه الحالة تجد من المثقفين من يبرر رفضها الاصلاح كأن قدوم الاصوليين حتمي quot;أو هو البديل الوحيد الممكن للاستبداد العلماني الطابع.quot; ويقول ان النظام السياسي العربي يتبع اليات quot;لافراغ الاصلاح من محتواه... اصلاح البرلمان في نظام غير برلماني لا يعني الكثيرquot; مستشهدا بما يعتبره احدى زوايا النموذج السياسي المصري.
ويقول ان الديمقراطية قضية اقتصادية واجتماعية ترتبط بتنفيذ مهام وطنية منها بناء اقتصاد وطني وحسم مسألة الهوية وشرعية الدولة وليست الديمقراطية وعظا وارشادا بل quot;قضية نضالية تحتاج الى ديمقراطيين وليس الى وكلاء حصريين أو غير حصريين لاستيراد البضاعة الديمقراطية الجاهزة. فمن يريد أن يبنيها يضع برنامجا سياسيا لكيفية حكم البلد يتجاوز القضايا الايديولوجية ويناضل من أجل تحقيقه ويجب أن يكون جاهزا لدفع الثمن.quot; كما يعتبر بشارة كتابه دعوة لتنظيم القوى الديمقراطية سياسيا لطرح مشروع التحول الديمقراطي العربي quot;فنظريات التحول وهي ليست نظريات علمية فعلا اذا تحولت الى بديل من طرح مشاريع سياسية للتحول تصبح في الواقع معيقا خطيراquot; حيث تستبدل بالفعل السياسي نظريات يفترض أن تتم الاستنارة بها.
نادر سراج .. خطاب الرشوة في دراسة لغوية اجتماعية
جورج جحا من بيروت: الكتاب الذي صدر أخيرا للباحث اللبناني نادر سراج قد يكون -كما جرى وصفه- يتناول شأنا يجري درسه لغويا للمرة الأولى في العربية.. انما الأكيد هو ان الذي يتناوله البحث شأن مخجل اضحى حقيقة راسخة في عالمنا العربي وفي كثير من انحاء العالم.
اما كتاب الدكتور سراج والذي صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر فيحمل عنوان quot;خطاب الرشوة - دراسة لغوية اجتماعيةquot; وقد توزع على 13 فصلا سبقتها عناوين ثلاثة هي quot;لماذا هذ الكتاب..quot; وquot; تمهيدquot; وquot;مقدمةquot;.
من quot;لماذا هذاالكتاب..quot; نقرأ كلمات حملتها احدى دفتيه وجاء فيها في الحديث عن تجربة سراج التأليفية ان الكتاب quot;... يعالج quot; خطاب الرشوةquot; في تداعياته اللغوية ويتطرق الى خطاب متوار ومسكوت عنه. مكونات هذا الخطاب تدرس للمرة الاولى في لغة الضاد عبر اضاءة لسانية اجتماعية ومن خلال معاينة منظومة متكاملة من الكنايات والتوصيفات وخطاب افرقاء عملية الرشوة الثلاثة.. الراشي والمرتشي والرائش (اي المحرض او المتدخل او الوسيط) فضلا عن باقة منتقاة من مأثوراتنا الشعبية التي بحثت في الرشوة وأخواتها. quot;وقد رفد المؤلف هذه المعطيات اللغوية بمقتطفات صحافية عربية مشفوعة بمسموعات عفوية جرت على الالسن وعبرت عن معاناة العوام والخواص وأدرجت كشهادات حية في متن الكتاب.quot;
وفي quot;تمهيدquot; قال سراج quot;خطاب الرشوة هو في محصلة الامر خطاب فضائحي تحولت تعابيره اليوم الى شبه خطاب متكامل بعد ان كان يمثل او يتوازى سابقا مع توصيفات تتصل بموضوع السرقة والتزوير ونهب المال العام والدعارة وسواها من الموبقات الاجتماعية. كان الكلام بخصوصه يتم همسا وفي الصالونات وخلال الدردشات وquot;تحت الطاولةquot; لذا ادرج في السابق ضمن المحظورات او المسكوت عنه. لكنه اليوم خرج الى دائرة الضوء. سقطت عنه او تكاد سمات المال الحرام وكبائر الذنوب والصغائر وباتت توصيفاته تتصل بمفاهيم الشطارة وحسن التخلص وquot;الفهلويةquot; او quot;تدبير الحالquot; وquot;التزبيطquot; كما يقول اللبنانيون ويشاركهم اشقاؤهم العرب في اضفاء توصيفات قطرية من quot;العيارquot; نفسه.quot;
ورأى أن quot;رصد مختلف هذه التوصيفات الرائجة وتحليلها يشكل برأينا خطوة اساسية في مجال الدراسة اللسانية لهذه الظاهرة الاجتماعية... وسنعاين في مختلف فصول الكتاب كيف واكبت اللغة التطور المفهومي الذي لحق بمسألة الرشوة وخطابها المعلن...quot; وتناول مفردة الرشوة تاريخيا فقال quot;لم ترد مفردة الرشوة في ألفاظ القرآن الكريم ولكننا تتبعناها في الحديث وفي المصادر والمراجع قديمها وحديثها لنستوفي جملة معانيها ودلالاتها.quot; وتحدث عن ورود المفردة في احاديث نبوية وفي كتب ومعاجم مختلفة لاحقا.
ويذكر هنا في هذا المجال ان بعض من درسوا على عالم اللغة الراحل الدكتور محمود الغول انه بناء على ابحاث لغوية واجتماعية له عن اليمن قبل الاسلام تحدث في محاضرات لم تنشر كان يلقيها في الجامعة الامريكية في بيروت عن هذه المفردة وقد وردت في نصوص يمنية قديمة ووصفت في احدى هذه النصوص بالقول quot;الرشوة حلوان الكاهن.quot;
ولعل العناوين الرئيسية لفصول كتاب سراج تلقي ضوءا على محتوياته الكثيرة في وجوههاالمختلفة. العناوين التي اندرجت تحتها عناوين فرعية كثيرة جاءت على الشكل التالي.. quot;كنايات الرشوة وتوصيفاتها وأشكالها. خطاب الراشي. خطاب المرتشي. خطاب الرائش. كنايات المرتشي او الفاسد وتوصيفاته. نوعيات وقيمة الرشاوى والهدايا. تعليقات وحوارات شفهية او مدونة. امثال شعبية وأقوال سائرة. تحليل لدينامية استخدام الضمائر في البنى اللغوية. وسائل الاعلام في تقصيها لانماط الفساد واخبار الفضائح (احصاءات وجداول بيانية).quot; وتبعت ذلك عناوين هي quot;خلاصة القول. خاتمة. ثبت المصادر والمراجع.quot;
وفي quot;خلاصة القولquot; قال المؤلف quot;لا ندعي اننا رصدنا هنا مصطلحات معجم الفساد بمجملها -المقومس منها او غير المقومس في المجال اللبناني تحديدا وفي بيئاتنا العربية الثقافية عموما- وأننا انتهينا الى خلاصات ونتائج قاطعة او بحثنا في موضوع غير مطروق لتاريخه... بيد ان مقاربتنا اللسانية لدراسة هذه الظاهرة الاجتماعية بتمظهراتها الكلامية لم تتوقف عند المنحى التزامني للبحث أي الاهتمام بالمعطيات اللغوية الراهنة التي تجري على الالسن فحسب وهي أساسية في هذا المجال.. بل تقصدنا العودة الى ثنايا موروثنا الثقافي الذي راكم الكثير من التجليات اللغوية عنها وفي ظل هذه المنهجية لم نغفل الراهن المتحرك بتداعياته...quot;
اضاف quot;لذا يمكن القول ان هذه الدراسة اتسعت لمجمل ما يتردد ويكتب في البيئة الثقافية اللبنانية.. وسائل اعلام وكواليس.. مجالس بالامانات -او بدونها-.. منتديات وصالونات. ولم تغب عن استشهاداتنا البيئات الثقافية العربية الشقيقة التي نتشارك واياها عوارض هذا الداء quot;القومي ومفاعيله...quot;
وتساءل سراج quot;ترى هل يمكن القول ان القيام بدراسة لغوية مثيلة من شأنه الاسهام في نقد ومعالجة هذه الظاهرة السلبية وتشكيل حائل دون استشرائها اكثر فأكثر.. وهل تفضي النتائج التي يتوصل اليها الباحث المتابع لمعضلة اجتماعية مماثلة الى تعريتها امام الرأي العام او التخفيف من وطأتها ومفاعيلها وتأثيراتها على السلوك المجتمعي عموما..







التعليقات