حين يهدل الشاعر فاروق مصطفى كغمامة بين يدي كركوك
نصرت مردان: بعد (جماعة كركوك ـ الاستذكارات الناقصة) و(لجيد كركوك باقة من أزهار الخٍباز)، يعود الشاعر فاروق مصطفى في كتابه (هديل الغمام بين يدي كركوك) ليتحدث مجددا عن مدينته بأحيائها وشوارعها وأزقتها ومقاهيها بقلب مفتون بغوايتها، وعن سيرته المتداخلة مع بانوراما المدينة بحيث يستحيل التمييز او الفصل بين سيرتين: سيرة المدينة وسيرة الشاعر. ففي كل محطة من سيرته يفتح كوة إلى كركوك ليرى نفسه فيها صبيا وشابا ثم كهلا في مدارها، فلا يكل من الحديث عن المقاهي الأدبية في المدينة في بوح لم يضع شاعر أو كاتب على نص توقيعه كما يفعل فاروق مصطفى.
يتحدث الشاعر عن مقهى والده بمنطقة (جرت ميداني)، وهو الحي الذي كانت تقطنه عائلته. ويصف هذه المقهى بأنه أنهى دورته في آواخر الخمسينات بعد ان quot; ترك بصمات هواه على جدران الفؤاد، فخرجت ابحث عن ذلك العشق المفقود في زوايا وأركان أخرى علني أعثر على تلك الأحلام أعشبها مخيالي، وأنا أنظر إلى الطيور المسافرة بعينين نهمتين إلى دفء العلاقات الإنسانية وحب بسطاء الناس والإصغاء إلى كلماتهم البيضاء في مودة الحياة والتواصل الإنساني..quot;.
ولأن المقاهي هي نبض كركوك في تلك الفترة، فإنها أيضا مسرح لقاءه الأول مع أدباء ومثقفي كركوك، حيث يتعرف في خريف 1964 على الشاعر جان دمو، ثم ما يلبث ان تتواصل لقاءاتهما في مقهى (النصر)، الذي كان يتميز بوقوعه في الطابق الثاني يطل من شرفته رواده على المارة. وفي نفس المقهى يتعرفان معا على كل من القاصين المرحومين جليل القيسي ويوسف الحيدري ومن ثم إلى الشاعر صلاح فائق.
لا تنحصر علاقة الشاعر بهذا المقهى بل ما يلبث ان يختار مع جان دمو مقهى آخر أكثر هدوءا، مقهى (جليل) الذي تحول الآن إلى مرآبللسيارات وتنظم اليهما مجموعة جديدة من الكتاب اليساريين حيث يتبادلون بين أقداح الشاي النقاشات والمنشورات السرية التي تدس في جيوبهم.
الطريف هو إعطاء جان دمو حزمة من هذه المنشورات وتكليفه بتوزيعها بمنطقة (القلعة)، لكن جان يعود من مهمته متذمرا، موزعا شتائمه يمينا ويسارا quot;.. إلا أنه عندما عاد إلينا، كان فمه يقذف سيلا من الشتائم، ولم يعاود هذا العمل كرة أخرى، وفي الوقت نفسه لم يفصح عن سبب امتعاضه الشديد..quot;.
في مقهى (المجيدية) يلتقي فاروق مصطفى بالشاعر مؤيد الراوي، الذي كان يستمع إلى قصائد من يقصدونه، ولا يبخل عليهم بملاحظاته حول إيقاع الكلمات وموسيقاها وسبل التوصل إلى تفجيرها. وتشهد بداية الثمانينات موت مقهى (المجيدية) المتميز برواده من الموظفين والكتاب، ويقام على أنقاضه مقهى حديث، يحمل للشاعر كلما مر من أمامه صوت مؤيد الراوي منسابا من داخله quot;.. وكأنه يدعوني وصحبي إلى منادمة شعرية لم تبدأ بعد إلا إننا سكرنا بصهباتها منذ أعوام عديدة اخترقت في جنونات تقادم الأزمنة الخائبة..quot;.
ويشهد مقهى (المحطة) البعيد عن مركز المدينة ميلاد عشرات الأحلام التي يرسلها فاروق مصطفى على قوارع الطرقات لتجيء الأمطار لتغسلها وتجرفها في برك النسيان قبل أن يتغرب الشاعر في بعثة تدريسية يقضيها في الجزائر في عام 1968 حيث يعود إلى كركوك بعد ست سنوات في 1974 ليبحث عن جان دمو في (عرفة) ليتكشف انه رحل إلى بغداد, ان صلاح فائق وسركون بولص ومؤيد الراوي قد غادروا العراق إلى بلاد الغربة. لكن الشاعر يجد بعد رحيل (جماعة كركوك) يشهد ميلاد جيل جديد يضخ دماء في بنية الأدب والإبداع (حسب رأيه) منهم حمزة حمامجي أوغلو quot; الذي اختار القراءة والكتابة كخيار وحيد quot;، والشاعر إسماعيل إبراهيم quot; يطرق أبواب الشعر والقصة، ونصرت مردان quot; ممتليء بالحماس والحيوية والبحث، ينحدر من عائلة من عائلة اشتهر كل أفرادها بحب الكتابة وممارسة الإبداع quot;، كما يجد quot; شابان فتيان يشتعلان حيوية واقتحاما وجرأة في ولوج عالم الأدب: عبدالله إبراهيم وعواد علي quot;.
وفي مقهى (شاكر) المطل على نهر (خاصة) المكتظ برواد من مختلف الأجناس والملل والنحل فيهم الكاسب والمتقاعد والمجنون أو عابر السبيل وكأن المقهى يعرض مسرحية عبثية، وسط هذه المناظر يتجاذب فاروق مصطفى عام 1979 الحديث والنقاشفي هذا المقهى مع الأديب محمد صابر محمود والشاعر المرحوم عباس عسكر بين إطلالات من الشاعرينإسماعيل إبراهيم ومؤيد محمد ومع استكانات الشاي المهيل، يغسل مطر الشتاء غبار الذاكرة لتستعيد وجوه منادمات الشاعر في مقاهي كركوك.
يشكل فصل (العودة إلى ـ تعليم تبه ـ مجددا) أهم فصول الكتاب الصغير ـ الكبير، والذي يهرع فيه الشاعر بين صفحاته مستعيدا فيها دائما ذكرياته، حيث يصف في هذا الفصل رحلاته نصف الاسبوعية يومي الاثنين والخميس مع والدته من حي (جرت ميدان) إلى تلة (تعليم تبه)، وهي مقبرة تنبسط على سفوحها أنواع والأزاهير. والغريب ان هدف هذه الزيارة للمقبرة لا يعود إلى وجود قبر معين لأحد أفراد عائلة الشاعر فاروق مصطفى فيها، بل يعود إلى انتظار عودة عمال شركة النفط من العمل إلى بيوتهم في الساعة الرابعة من كل يوم بعد انطلاق صافرة الشركة المدوية التي تسمع في المدينة كإشارة إلى انتهاء العمل، حيث يمر العمال وهم على دراجاتهم الهوائية من أمام شارع يمر من أمام مقبرة (تعليم تبه)، ففي كل زيارة تأمل والدة الشاعر أن يكون ابنها الذي كان يعمل في شركة نفط العراق، والذي شد الرحال إلى بغداد بعد قصة حب بطلتها فتاة بغدادية، ترك وظيفته من أجلها واختار الرحيل عن كركوك ليستقر في بغداد،. لكن أمه منذ رحيله تشبثت بالمستحيل وأيقنت أن أبنها سيكون بين العمال العائدين إلى بيوتهم، أدمنت على زيارة التلة على أمل ان ترى ابنها المهاجر بين العمال العائدين من العمل. لكن الابن المنتظر في (تعليم تبه) لم يعد إلا محمولا على النعش في 2005.
كم يستحق هذا الفصل أن يكون موضوعا لرواية إنسانية رائعة او فيلم سينمائي مؤثر، يحمل مافي الحياة من مشاعر فائرة، استثنائية بعاطفة أمومة جياشة، تجد في الحلم المستحيل سلواها!
عند انتقال فاروق مصطفى إلى بغداد للدراسة في كلية الآداب عام 1963 يجد في أروقتها أسماء شعرية تحاول أن تجد مكانها في ضفاف الأدب والثقافة: فوزي كريم، عبدالرحمن طهمازي، شوقي عبدالأمير وآخرين. في بغداد يلتقي بجان دمو في شارع الرشيد ويتسكع معه طويلا ، ثم يعود ليجدد لقاءاته في مقهيي (النصر) و(جليل) مع مؤيد الراوي وسركون بولص وصلاح فائق في أطراف النهار لياؤوا جميعا إلى بيت يوسف الحيدري أو جليل القيسي، حيث تنطلق القصائد والقراءات السحرية لتنتشي القلوب.
يقول فاروق مصطفى عن الشاعر مؤيد الراوي quot; كان أكثر الأصدقاء حداثوية وتجريبا يحرث في آراض جديدة.بالإضافة إلى موهبته الشعرية والقصصية ، موهوب في الرسم والخط، ويتحدث كل اللغات المحلية في المدينة بطلاقة، يجلس في مقهاه ويراقب أطيار السنونو المعششة في سقف المقهى..quot;.
يغادره في النهاية معظم من أتى على ذكرهم quot; ركب سركون بولص غيمة غضبه في يوم ما وهبط في بيروت لينطلق منها إلى أمريكا، ويرحل مؤيد إلى أرتيريا ومنها إلى ألمانيا، وجان دمو إلى استراليا ليستريح جسده المتعب من الصعلكة، وصلاح فائق إلى الفلبين ليعود في خريف 2003 متأبطا ديوانه الأخير (أعوام) وليقول: كركوك كانت معي طوال سنوات الغربة.
شخصيا أحس أن ذاكرة الشاعر فاروق مصطفى لا تزال مفعمة بالسير والذكريات والشعر والشعراء والمقاهي والمنادمات التي تحمل شذى البنفسج،أحس أن بامكانه كتابة المزيد عن كركوك سركون بولص وفاضل العزاوي وجليل القيسي وجان دمو وأنور الغساني ومؤيد الراوي وعباس عسكر وحمزة حمامجي أوغلو وإسماعيل إبراهيم ونصرت مردان وعبدالله إبراهيم وعواد علي.. وآخرين، كركوك المواسم المبهجة بشوارعها ومقاهيها المكتظة بالصداقات والمنادمات الحميمة والدافئة كاستكانة شاي معطر.









التعليقات