إعداد وترجمة د. خالد السلطاني: اثناء اشتغالي على دراسة المشاريع المعمارية المصممة من قبل زهاء حديد والمخصصة الى البلدان العربية، تجمع لدي، مادة غزيرة من المصادر التى تعاطت مع مقاربتها المعمارية من وجهة نظر نقدية مختلفة. بالاضافة الى اطلاعي على كم كبير من المقابلات الشخصية، التى اجراها معها، ممثلو الصحافة المهنية ذات الميول والاتجاهات المتنوعة.؛ والتى وجدت فيها مادة معرفية لا تقل اهمية عن رأي نقاد عمارتها ودارسيها. وما من شك، فان الممتبع لعمارة زهاء سيجد في مقولاتها وتصريحاتها ضمن تلك المقابلات مادة معرفية غنية، لايمكن اهمالها او التغاضي عنها. فمثل تلك الاقوال تضفي مصداقية الى نتائج تحليلات المنهج النقدي، اياً كان ذلك المنهج. نقول هذا، رغم تعاطفنا مع أطروحة quot;موت المؤلفquot; النقدية، التى تحدثنا عنها في مقال سابق، تناول ايضا مقابلة شخصية اجريت معها.
ان عمارة زهاء، تحضر الآن حضورا بليغاً في المشهد المعماري العالمي، بفضل استثنائية لغتها المميزة، وهي لهذا تشكل أهمية قصوى في تنوعيات منجز ذلك المشهد. وهذه الاهمية تستقيها، كما اشرنا في دراستنا اياها، من كونها quot;.. تعتبر احدى تجليات مفاهيم ما بعد الحداثة، المفاهيم القادرة، تبعا لخصوصيتها المعوّمة، على إستيلاد مقاربات جديدة ومتجددة. فعمارتها تنزع للتعبير عن مرجعية تصميمية هي خليط بين توق توظيف الاشارات المجازية والسعي وراء الافصاح عن هوى التجريد. انها في هذه الحالة تتخطى حتى اطر مفاهيم المقاربة quot;التفكيكيةquot;، المتخمة عادة بغرائبية الاشكال التصميمية والمتجاوزة quot;للتابواتquot; البصرية. لكن عمارتها مع هذا، (وربما بالاضافة الى هذا)، تظل امينة لتحقيق مفهوم quot;الازاحةquot; Displacement في دلالاته التفكيكية، فهي تنزع الى quot;فك ارتباطquot; العمارة من خاصية الاستقرار والتموضع. وهذا النزوع يظل بالطبع مشوب بالمفارقة. ذلك لان الامر كما يقول quot;بيتر ايزينمانquot; (وهو احد مناصري المنهج التفكيكي المعماري)، يتطلع الى quot;نزع شيئا من موضعه هو بالاساس متموضع!quot;. انها بالتالي، تدعونا الى نسيان وحتى هجر ما وسم العمارة السابقة من قيم ومبادئ، واحلال بدلا عنها قيم جديدة تكون متساوقة مع متطابات العصر، عصر المعرفة المتجددة، والبيئة المعلوماتية المتحمكة بها الالكترونيات, انها باختصار تدفع في اتجاه الغاء قوانين الهندسة الاقليدية المألوفة، والتوجه نحو صياغات تكوينية تتحدى قوانين الجاذبية، وتكون متخمة بالالتواءات والانحرافات والهشاشة والتنافر والتشظي وعدم التناغم بين عناصرها التصميمةquot;.

ادناه ترجمة لمقابلة اجرتها مع زهاء حديد مجلة quot;ديزاين بومquot; Designboom الالمانية، بتاريخ 16 يناير ( كانون الثاني) 2007. تم نشر المقابلة في موقع المجلة على الشبكة العنكبوتية بنسختها الانكليزية، والتى منها ترجمنا المقابلة. وسيطلع القارئ على خلفيات الافكار المؤسسة لعمارة مميزة وفريدة... ومثيرة للسجال. ذلك لان عمارتها، وكما ورد، ايضا، في دراستنا عنها quot;.. مثلما تحظى باعجاب البعض وتعاطفه معها، فهي ايضا تجد عدم اكتراث وحتى الرفض من لدن البعض الآخر من المتلقيين العاديين وحتى المهنيين. لكن الامر الاكيد، بان وجود تصاميمها في الارض العربية يحمل دلالات كثيرة. ذلك لان ظهورها في المشهد المعماري العربي يتيح امكانية التعرّف ميدانياً على ما توصل اليه الفكر المعماري في اوج لحظتة الابداعية المعاصرة، ما يسمح للكثير من المتلقيين ان يكونوا على تماس قريب لما يحصل في الورشة المعمارية ما بعد الحداثية. اما بالنسبة الى المهنيين فسيخلق وجودها فرصة سانحة للتعلم والتأثير والمقارنة. وقد تشكل بعض تصاميمها المميزة، مابعد الحداثية، عالية المهنية quot;ايقونةquot; بصرية للمدن المشيدة فيها، كما حصل لمشاريع عمرانية معبرة ومعاصرة عديدة، ادت هذه المهمة السيميائية خير اداء، وباتت بها تعرف مدننا.. العامرة.quot;
فيما يلي نص المقابلة:
مندوب المجلة - ماهو الوقت اليومي المفضل لديك؟
زهاء حديد - عادة، وقت المساء المتأخر، في حالة اذا كنت في لندن، وغير ذلك، بالطبع اذا كنت في مكان آخر.

-اي نوع من الموسيقي تستمعين؟
-كلاسيك

-ماهو الكتاب المركون على الطاولة جنب سريرك؟
-في هذه اللحظة، لا اقرأ شيئا.

-هل تتصفحين المجلات المعمارية او تلك الخاصة بالتصميم؟
-لدينا في المكتب منها الكثير، لكننا، عادة، لا نقرأها!

-اذن، كيف تعرفين آخر الاخبار؟
-من الصحف.

-ماهي الملابس التى لا تودين ارتدائها؟
-البسة الموظة القديمة، كما اني لا احب ازياء النمط الرجالي، ولهذا لا احب الجينس. تعجبني ازياء quot;ايسي مياكي Issey Miyake(مصمم ياباني مشهور، ولد في عام 1938، معروف عنه تصميمه للازياء المعتمدة على التكنولوجيا، كما انه مصمم معارض وعطور، خ.س.)، وكذلك تستهويني الملابس السوداء!.

-هل لديك حيوانات اليفة؟
-كلا.

-هل تمنيتِ في طفولتك، ان تصبحي معمارية او مصممة؟
-اجل، عندما كنت في عمر 11 سنة.

-هل ترغبين في تصميم مشروع لشخص ما؟
-انه لامر ممتع العمل على تصميم الاشياء اليومية، تلك الاشياء المعبر عنها تصميما والمستخدمة بشكل واسع في المجتمع. مع الاشياء تبدو الامور اسهل منها من العمارة. اهوي ايضا مزج الافكار المعمارية مع الموضوعة الاجتماعية، وانا حقا اعتقد بان ثمة افكار مثيرة يمكن وضعها في المشاريع الخاصة بالمستشفيات والاسكان.

-هل تناقشين اعمالك مع المصممين والمعماريين الآخرين؟
-في المكتب، نعم. اما مع المصممين الآخرين..فانا لا احب الكلام كثيرا عن نفسي. كما اني اناقش افكاري مع اصدقائي احياناً.

-في اي مكان، عادة، تشتغلين على مشاريعك؟
-في كل مكان. انا لا استخدم الكمبيوتر، وبدلا عن ذلك، اعمل مخططات اولية Sketches سريعة وعديدة. اعمل حوالي سبعمئة تخطيط اولي لكل مشروع!.

-هل يمكن لك ان توصفي مقاربتك، كما لو ان احداً من اصدقائك وصفها؟
-براعة في الاناقة وفي البحث الشخصي!. ان كل مشروع حافل بافكار عديدة، بحيث من الصعب بمكان اختيار احداها، كما يتعذر تحديدها ضمن اطار الاساليب والطرز العادية. كيف يكن توضيح ذلك؟. قبل سنتين، وضعت لنفسي مهمة معرفة، كم من الحلول المتاحة يمكن ان نجدها في اطار حيز محدد، على سبيل المثال ضمن فضاء شقة واحدة؟. وبعد عدة ايام من العمل المتواصل، اصبح واضحا بالنسبة اليّ، ان ثمة ما يقارب من سبعمائة بديل يمكن ان نحصل عليه ضمن حيز معين. وهذا التمرين، يمكن ان يمنحك فكرة عن ما بمقدور المرء ان يحصي به عدد المرات في تنظيمات الحيز وتفسيره، ليس بالطبع الى ما لانهاية، لكنه قطعا ثمة بدائل كثيرة جدا. ولك ان تتصور عدد البدائل المتاحة في حالة مضاعفة ابعاد الفضاء، مثلا الى فضاء مدينة... ان هذه الحالة يمكن مقارنتها باداء عازف البيانو، الذي يتدرب تدريبا مستمرا ومكثفا، مضيفا المزيد الى ذخيرته بصورة غير متوقعة. ويعمل بعض الاشخاص فعلا ضمن هذه القواعد، و ضمن هذا النظام وضمن هذا المنطق. نحن نقدم مخططات عديدة، وهي بمثابة مقترحات اولية، ولهذا فنحن نمتلك ذخيرة واسعة.

-اياً من مشاريعك تشعرين بانه جلب لك ارتياحاً عميقاً؟
-مشروع quot;القمةquot; Peak، لانه كان مشروعا مهماً بالنسبة اليّ. وعلى العموم، فان مثل هذه المشاريع هي بالواقع كثيرة، ثمة اكتشافات مستمرة، يتعذر عليّ الحديث بدقة حول هذا الامر. لان كثر من التصاميم تجلب لي الارتياح بطرق متنوعة، على سبيل المثال quot;مركز بي. ام. في. BMW quot; في لايبزغ، وكذلك مشورع quot; مركز فاينو Phaeno العلميquot; في ولفسبورغ، كانا مشروعين على قدر كبير من الاثارة, لقد عدت، توا من روما، وفيها مشروعي quot;مركز الفن الحديثquot; الذي حاولت ان اجسد فيه بعضاً من ارائي.

-هل يمكن لك ان تصفي التطور في اعمالك؟
-تمتلك اعمالي الآنية وشائج قوية وواسعة مع مشاريعي الاولى فيما يخص التجريد والتجزئة. ثمة تغيير بالتأكيد حصل في مسار انتاج الافكار. اصبح امرا شائعا في المشاريع المعمارية التخلي عن المراحل التنظيمية لمسار التصميم. وبالمناسبة فان الافكار لا تتغيير كثيرا عبر السنين، بقدر ما تنضج.

-هل تفضلين مفهوم quot;الفضاء المفتوحquot;؟
-يبدو لي، عندما تكون التكنولوجيا قادرة على ازحة الجدران، يمكن ايضا ازاحة الغرف ايضا. بعض الاشخاص يميلون للعيش في بيت من ثلاثة الى اربعة غرف بمقاسات موحدة، لانهم يشعروا بالامان في الاحياز المغلقة. آخرون يحلمون في العيش في بيوت تتسم بصفة الفضاء المفتوح. اذكر في السبعينات ان كثرا من الناس في نيويورك كانت تفضل العيش في فضاءات غير محددة بقواطع، الان نرى العكس!.
لا احد بمستطاعته ان ينجز بيتا مفتوحا ويكون مثاليا، فكثير من المجتمعات تفضل طرق متنوعة في حل هذه الاشكالية. ان ذلك يبقى رهناً ايضاً بنوعية مقياس البيت، انارته واتجاهه، وكذلك موقعه: على الساحل ام في الجبل. اعتقد، على المرء ان يشتغل على مشاريع معمارية تكون فضاءاتها مناسبة اليه. فمن السهل بمكان الآن تغيير شكل مخطط المنصة التى ينهض عليها البناء.

-هل من ثمة معمار او مصمم من الماضي اثر فيك، او تقدرينه بشكل خاص؟
-نعم، ان عددهم لكثير: اريخ مندلسون، (معمار الماني/ امريكي، ولد في 1887بشرق بروسيا في المانيا، وتوفي في 1953 بكاليفورنيا/ امريكا، مؤسس التيار التعبيري ضمن تيارات الحداثة، من اشهر اعماله: برج اينشتين (1921) في بوتسدام بالمانيا؛ خ. س)، فان دير روّ، (لودفيك ميس فان دير روّ، معمار الماني/ امريكي، ولد في 1886 بآخن المانيا، وتوفي في 1969 بشيكاغو /امريكا، احد مؤسسي الحداثة المعمارية، وصاحب التيار العقلاني فيها، من اشهر مبانيه: جناح المانيا (1929) في برشلونة باسبانيا، ومبنى سيغرام (1958) في نيويورك بامريكا، خ.س)؛
لو كوريوزيه (شارل ادورد جانيريه (كوربوزيه)، معمار فرنسي من اصول سريسرية، ولد في 1886، في شيو دي فونس، سويسرا، وتوفي 1965 بجنوب فرنسا، مؤسس عمارة الحداثة واشهر اسم فيها، من اعماله: فيلا سوفوي (1930) في ضواحي باريس، ومبنى الوحدة السكنية في مرسيليا، ومصلى رونشان (1955) شرق فرنسا، وتخطيط وتصميم مباني مدينة جندكار بالهند (1952-1961)،
والانشائيون الروس lt;الكونستروكتفيزميونgt; (تيار ابداعي معماري روسي، ظهر في العشرينات واستمر نشاطه حتى منتصف الثلاثينات؛ طمح مناصروه ان يكون نتاجهم التصميمي مفعما بالتغيير والقطيعة، كما سعوا وراء امتزاج ذلك النتاج بالمشكل الاجتماعي؛ خ.س).

-ومن المعماريين المعاصرين؟
-كثيرا، بيد ان غالبيتهم مهوسون في مقارباتهم، حتى ليبدو الامر وكأنه بات عندهم بمثابة عقيدة (دوغما).
-
-انك تعملين في عالم الرجال...
-مثل كثير من النساء اليوم، اعمل واسافر كثيرا. ان العمل على المشاريع المعمارية يتطلب نوعا من المثابرة والاصرار. ولكن مهما احرزتي من نجاحات في العمل، فلكونك امرأة، يعتبر ذلك من المحرمات في عالمنا.

-هل من نصيحة تسديها الى الشباب؟
-يتعين على المرء ان يركز على عمله، وليس من ثمة معنى لعمل بلا هدف. ان مسار التصميم المعماري يتطلب بالضرورة ان يكون هناك غاية وقصد له. ينبغي على المعماريين الشباب ان يدركوا هذا، وان يسعوا وراء توخي هدفاً ما.

-هل من ثمة ما يخيفك في المستقبل؟
-اجل، يقلقني شيوع النزعات المحافظة. انها لا تؤثر على العمارة بشكل مباشر، لكن تأثيرها على المجتمع يبقى محسوسا، وهو ما يرعبني. ان العالم اليوم يبدو مجزءا اكثر، والفروقات بين الشعوب تزداد عمقاً. على المرء ان يسعى الى اقامة مجتمع حر، ليبرالي ومنفتح!.


مدرسة العمارة، الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون
كانون الثاني 2010