قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

بغداد: لم يستطع الشعراء العراقيون والعرب، الذين زاروا المكان الذي وقعت فيه مجزرة سبايكر، الصمود كثيرا ازاء المشهد المرعب الذي واجههوه، فصمتت السنتهم ولم تتمكن اجسادهم من حملهم فنزفوا الدمع وهو يؤكدون ان في تلك اللحظة تكلم الدمع وحده وسكتت القصيدة !!.

وجد الشعراء العراقيون والعرب الذين وقفوا على الصخرة التي ذبح فيها المئات من طلاب قاعدة سبايكر انهم غير قادرين على تنفس المشهد ولا رؤية الدم الطري الذي ما زال عليها، فيما القصائد التي احضروها من اجل قراءتها بالقرب من (المنحر) كما اسموه، ذابت وظلت في جيوبهم لم تحرك ساكنا من حروفها بقدر ما اوحى له المكان بقصائد تحركت في دواخلهم التي راحت تغلي من وجع المشهد، وقد ردد البعض ان اللحظات التي وقف المشاركون فيها على ‫‏صخرة (منحر) شهداء سبايكر‬ كما يصفها الدكتور حسين القاصد (تعطل فيها الكلام واحتشد الدمع،فكان ‫حشد‬ دمع الادباء والفنانين والمثقفين، فكان حشدا شعبيا اخر, وكان ‫ ‏الصمت الصاخب‬ لـ ‫(‏شهداء‬ سبايكر) هو الناطق الوحيد.
بينما في المشهد الاخر امام المقبرة التي تم فتحها امام اعينهم كان مرعبا بالنسبة للناظرين ولم يستطع الكثير منهم التماسك ازاء الرفات التي تظهر على اشكال مختلفة سرعان ما وضعها القائمون عليها في اكياس بلاستيكية، فكان الموقف ابعد ما يكون عن الشاعرية التي يجملونها بين جوانحهم، فراح كل منهم يتصرف وفق ما تمليه عليه اللحظة الراهنة من بكاء او جلوس على الارض او انحناءة على الرفات ومحاولة تقبيلها او صمت مرير، فيما تأكيداتهم تؤكد : في مواجهة كبرى بين الحقيقة الكبرى والقصيدة.. لاذت اللغة بالدمع كي تخفي هزيمتها.

الصمت الصاخب
يقول الشاعر حسين القاصد : لم أكن متوقعا ـ على الرغم من كوني مؤسس مهرجان (هنا العراق الشعري) والداعي الى اقامة احدى جلساته في تكريت ـ بأني ساكون وجها الى وجه مع الصمت الصاخب.. كان الضحايا ينزفون من أعيننا دمعا وكان المواجهة الكبرى بين الحقيقة والقصيدة.. لذلك حمل الشعراء دمعا فصيحا الى منصة شهداء سبايكر .
واضاف :هذه المنصة اريد لها ان تنسى، لكنها استفزت الدمع لتبقى، وكيف لا ابكي على طينة ضلعي، وكيف لي ان اتمالك نفسي والدمع يغزو عيون ضيوف المهرجان من العرب، لقد قال الفنان المصري أحمد ماهر ( احس اني انضربت على رأسي من هول مارأيت )، وطلب مني ان اعتذر نيابة عنه للجنة المنظمة لمهرجان بابل، لأنه لم يعد قادرا على الخروج من لحظات الحزن التي عاشها..
ثم انشد :
ايها الوطن الموجود في عدمي ... متى بذبحي يامولاي تعترف
متى تكون أماناً كيف تزرعني ... ندىً وانت بذبح الغيم محترف
تقول لي كن نسيمي ثم تمنعني .. من ملتقاك اذا نسمت تلتحف

نهر الدم
اما الشاعر ضياء الاسدي، فقد اكد ان الوقوف قرب صخرة الموت في تكريت،لا يمكن لأحد ان يتصوره، وقال : يمكنني ان اصف المشهد بالقول : حينما خشعت الدموع امام رفعة الشهادة، على مقربةٍ من نهر الدم الذي بقي فاقداً طينه من هول الرؤوس البيضاء التي التهمتها برابرة الخرافات..

بحت حناجرنا
فيما قال الشاعر نبيل نعمه الجابري : خجلَ النهرُ، لمّا جلسنا نسكب أمواه عيوننا على أشجار سبايكر، خجل الصوت، لمّا بُحت حناجرنا ونحن ننادي على أسمائهم، هاشم، عقيل، كاظم، سعد، جميل، أزهر..، وعلاء.. الذي بحثنا عنهُ بدقة كي نعيده لامهِ، أمه لمّا رفعت غطاء رأسها، خجلاً رفعَ الله عينه عن العراق !!
واضاف : للمرة الالف يُثبت الشاعر حسين القاصد أنه عراقي، بسلوكه، بكلمته وفعله، ايام معدودات تلك التي سبقت مهرجان (هنا العراق)، استطاع فيها، ان يسجل موقفا تخاذل وجبن عن تسجيله الكثير تحت ذرائع شتى، تجاوزنا معها علامات الاستفهام، صرنا نضع حدا فاصلا ما بين المثقف الحقيقي والمثقف المزيف، ما بين الوطني والمدعي، وإن لم يخرج المهرجان الا بهذه فانا ابصم على نجاحه.

بكاء بهدوء
من جانبه قال ‏الشاعر علي الامارة‏ : اليوم يوم تاريخي بالنسبة لي، فقد كنت حاضرا وشاهدا في تكريت على فتح مقبرة لشهداء سبايكر حيث اخرجوا 105 من جثث الشباب العراقيين الذين غدرتهم يد داعش اﻻثمة.
واضاف :بعضنا من الشعراء انهار بالبكاء وبعضنا بكى بهدوء او بصمت اما قلوبنا فكانت كلها تبكي..كانت رائحة الموت تحوم في المكان.
وتابع : قبل يوم من الذهاب الى تكريت كتبي على صفحتي في الفيس بوك (غدا نلتقي بالشهداء..غدا صباحا سنذهب الى تكريت وسيفتحون لنا مقبرة جماعية..يا للهول، كيف ستكون مشاعري.....!! قلبي يبكي من اﻻن..ايها الموت اي مأدبة اعددت لك..؟
ثم انشد :
(سبايكر
دمك السؤال فما الجوابُ
ماذا يقول لنـــــا التراب
كانوا هنا وعظامهــــــم
تحكي فيجرفنا المصاب
كانوا عراقا رائعـــــــا
فهم الاحبة والصحاب
لله كم هـــو موحـــــش
هذا التبـــاعد والغيـــابُ
الارض ثكلى بعـــدهم
والعمر بعدهم خــــراب
شرب التراب شبابـــهم
قرباننا هذا الشــــــــرابُ
ماذا ارى ؟ الوطن الحقيقة
ام هو الوطن السراب ؟!
كتبوا بحبر دمائـــــــهم
فالأرض من دمهم كتــــاب !)

يوم عاصف
‏ اما الشاعر مهدي القريشي‏ فكان حانقا بسبب ما شاهده، وقال: كنت في تكريت في يوم عاصف وغاضب ولئيم تغص أوراق تقويمه بالأحمر القاني وفراته لم يتخلص بعد من مرارته التي تذوقها عنوة قبل ١٤٠٠ سنة رغم ان الناظر يراه فراتا زلالا.
واضاف: آلاف الشباب الذين لم يتذوقوا طعم الحياة بنسختها الانسانية بعد ولم يتعرفوا على دروبها الوعرة ولا على حيل اَهلها القدماء وإنانيتهم المتجذرة.... خدعوهم حين تخلوا عنهم ولانهم لم يخبروا الحياة كان دليلهم قوادا وهم حينها في أشد الحاجة الى من يأخذ بايديهم الى بر الأمان وبيراءة ناصعة مقلوبها المتوقدة بحب العراق اعتقدوا ان كل من يمشي على اثنين إنسانا، وبعد حين شمر أبناء جلدتهم ببنادقهم المحشوة بالزنا والكراهية والخسة متمثلة بطلقة عاهرة وبليدة لتنهي حياة إنسان لم يرتكب ذنبا سوى انه يريد ان يعيش في بلد اسمه العراق ,هذا قدره فكانت شريعة احد قصور صدام مَذْبَحا لشباب سبايكر،لقد قتلوا بدم بارد ونفس مغمسة بالنذالة.

يذكر ان مهرجانا شعريا حمل عنوان "هنا العراق" تم تنظيمه في بغداد انطلقت فعالياته يوم الجمعة واستمر لثلاثة ايام وشارك فيها شعراء عراقيون وعرب، وكانت من ضمن فعالياته زيارة تكريت وتقديم قراءات شعرية.