: آخر تحديث

إبراهيم أحمد: داخل حسن!

   

يمتد صوته خيطا حريريا تقف عليه طيور الدنيا تغني، ومن الجانيين هناك صوت مؤذن وأرغن في كنيسة!
يبوح بأسراره للنساء حاصدات القمح فيضحكن حتى المساء!
 حنجرته تلك القبة الذهبية النانئة في عنقه كبقايا سيف تصير فجأة محراب كل مجهول مرتجى! 
ينهال عليها مطر وجفاف، غيم وصحو، ليل ونهار، حزن الثاكلات، أنين العاشقين المسلولين وتظل بفصاحة هدهد! 
وهذا الحزن كيف انبثق من براعم خضر على شجر الغراف؟ 
وصار فرحا؟ وخمرة في العروق؟
 هو صانع سخي للخمرة تسكب مجانا من ينابيع على الطريق! 
 هذا الأسمر النحيل 
يخطر فارسا مرتديا ثياب عرسه دائما 
 فكل أغنية هي عروسه تلك الليلة! 
أوتاره تفتح أبوابا على الدنيا المقفلة!
تدخل وتخرج منها طيور آبدة ومهاجرة، فيمازج عسلها
بزيتون وأعشاب تنبت على جدران أيام قاحلة!
فهو يعرف بخبرة حكيم أن الحلاوة المفرطة قاتلة!
 تلك البحة هي الكحل في العيون الصافية، والعتب الخجول بعد هجر طويل! 
عندما انطفأت أنوار آخر المعابد السومرية لجأت قيثاراتها إلى بيته 
فحملها بين جوانحه، تحت عبائته، يلقي نغماتها في القلوب كما يلقي حاكم عادل حجته وأحكامه! سكب عبرات الماضي في الكؤوس متساوية، وقال أشربوها واسكروا آمنين! 
بحار كثيرة حوله، قواقع وشجيرات مرجان تتعثر بها قدماه! 
 وجوه تخفق وتلوح له من بعيد!
 نساء كثيرات بكين مصائرهن،وأرحن جباههن على صوته الصلد كالرخام! 
أطلق ألحان غواياته إلي حزم النور كما يطلق صائد في الهور فالته إلى السمك، كلاهما يمسك صيده، فلا يرضى بقدره، ولا يلعنه! 
كثيرون كانوا يعتصرون صوته طلبا للمزيد من الماء يبلون به قلوبهم الظامئة، 
كانت المذياعات في طول البلاد وعرضها تفيض بالدموع! 
ومن يلومه؟ 
غزلان وحمائم كثيرة جريحة في البلاد 
عشاق ماتوا كمدا كان عليه أن يقيم قيامتهم كل أسبوع ! 
وعندما مرت النجوم المحترقة بحقول الرز، وتراجعت رائحة العنبر إلى مياه راكدة عند الشامية؛ صارت التجاعيد تملأ وجهه 
حاول صوته أن يزوغ عن تجاعيد الأرض والزمان ويظل محدقا بوجه البلاد كما رآه يوم مسقط رأسه! 
 ظل يدور الليالي هائما بين البارات، أراد أن يلم الأحزان كلها في حنجرته بسلمها للرياح، ويطلق خلفها الكلاب علها تنهشها وتختفي إلى الأبد! 
غنى آخر مرة في ملعب غص بشباب بأيديهم زجاجات الكوكاكولا، راحوا يصرخون هازئين من سبحته؛ مطالبين بمطرب جديد كلما سمعت صوته الطيور تفر كما لو من بندقية صيد!
 هم لم يروه وهو يغني مقلبا حبات سبحته كما يقلب عاشق جمرات قلبه،
 كانت ذاكرتهم خاوية تماما كخوذ آبائهم الذين ماتوا في حروب خائبة، وكانت آهات داخل تحاول عبثا اعتراض الرصاصات التي اخترقت قلوبهم! 
من يلوم قائلا : فقدنا أفراحنا مذ فقدت استكانات الشاي عندنا نكهة صوته الحزين! 
 


عدد التعليقات 2
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. اخرجت له
د. سمير حنا - GMT الأربعاء 04 أكتوبر 2017 13:57
عندما كنت مخرجا في التلفزيون، كان عندي برنامج اخرجه بعنوان ( لقاء مع فنان ) كانت تعده الروائية والصحفية انعام كجه جي، وتقدمه السيدة نضال فاضل . وقد قدمنا اكثر من 50 حلقة، كان اُسلوب تقديم البرنامج جديدا، بحيث نقوم بدراسة الشخصية وعلاقاتها الاجتماعية والفنية، ومواقفها، ومنصور شخصيات يتحدثون ايجابا وسلبا عن الضيف، وكل حلقة كانت تسجيلا وتوثيقا لتاريخ الفنان ومنهم المطرب الريفي الكبير داخل حسن، ولمن يريد ان يشاهد حلقة داخل حسن فهي موجودة في اليوتيوب ...
2. حذلقات كئيبة
صلاح نجم - GMT السبت 07 أكتوبر 2017 21:56
داخل حسن حنجرة ريفية مرموقة ، وهناك اجماع على ذلك في حقل الموسيقى ومتداوليها . ولااعلم ماالذي دعا الاستاذ احمد لاستخدام داخل حسن قناعا لهجاء الحاضر( والحاضر سيئ سياسيا واجتماعيا طرا ) ، في وقت رقن فيه ملف الفقيد مع كبار مطربي الريف في زاوية اسمها الذاكرة العراقية . اظن ان السيد احمد ينوح لاعلى داخل حسن انما على يوطوبياه التي تشبث بها حتي انهيار كنيستها في الاتحاد السوفياتي وقساوستها في العراق من امثال عزيز محمد وفخري كريم وغيرهم . ولم يحدث في تاريخ المثقفين قط ان انتقلوا بنفس الحماسة من ضفة لاخرى دون ان يشيروا الى ان ديانتهم الماضية كانت فاسدة . وبديهي ان موضع الاعتراض ليس على الموضوع بل على الاضراب عن الوضوح في اغلب مايكتبه الاستاذ احمد على انه مقالة . فانا في مقالته هاته لم امسك على الهيكل العظمي لداخل حسن فما بالك بروحه التي يبدو ان الاستاذ احمد قصد ملامستها ،ففرت منه لانها لم تتحمل كل تلك التوريات


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات