: آخر تحديث

الدين والتحليل النفسي

 

في كتاب "التحليل النفسي والدين" لإيريش فروم (ترجمة: محمود منقذ الهاشمي) نقرأ ثلاث وجهات نظر تدور حول الدين لكلّ من سيغموند فرويد وكارل يونغ والكاتب إيريش فروم مؤسس مدرسة التحليل النفسي الإنساني.
اعتمد الكاتب في مقارباته تلك على مرجعين اثنين: كتاب "مستقبل وهم" لفرويد وكتاب "علم النفس والدين" ليونغ.
يرى فروم بأن فرويد يعارض الدين باسم الأخلاق ويربط الدين بالوهم. فالدين ينشأ، كما يرى فرويد، في مرحلة مبكرة من التطوّر البشري حيث يكون فيها الإنسان غير قادر على استخدام عقله في التعامل مع القوى الخارجية والداخلية المهدّدة لتوازنه، لذلك فإنه يتوجَّب عليه كبتها وتسييسها بمعونة قوى أخرى يُسمّيها "العواطف المضادة". ومن هنا ينشأ "الوهم" الذي يستمدّ مادَّته من خبرة الفرد في الطفولة.
يقارن فرويد الدِّين بـ"العصاب الاستحواذي" الذي نصادفه عند الطفل، لكنَّ الدين عصاب جماعيّ تُسبّبه شروط مشابهة لتلك التي تؤدي إلى العصاب الطفولي.
إنَّ تخلّي الإنسان عن وهمه الدينيّ سيحوّله إلى طفل ضعيف غادر بيت أبيه، لأن إيمانه أساساً بالدين - الوهم هو بحث طفليّ عن رعاية أبوية بديلة.
ويتهم فرويد الدين، كما يرى الكاتب، بتكريس مفهوم الإيمان بالأوهام والنهي عن التفكير النقدي الذي يؤدّي إلى إفقار الفكر، في الوقت الذي لا يُغفل فيه فرويد احترامه للمثل والقيم الإنسانية كالمحبّة الأخوية والحقيقة وتلازم الحرية مع العقل.
أما بالنسبة إلى رأي الكاتب بوجهة نظر يونغ الخاصّة بالدين، فإن خبرة يونغ الدينية هي خبرة انفعالية تتمثَّل بالاستسلام للقدرة العليا سواء أكانت هذه القدرة هي الخالق أم اللاشعور.
وليونغ مفهوم ديني نسبويّ في ما يتعلق بالحقيقة، وهو مفهوم مغاير لديانات كالبوذية واليهودية والمسيحية لأن البحث عن الحقيقة مبدأ أساسي متكامل في تلك الأديان، بينما النسبوية هذه متناقضة وداحضة لذاتها فهي ترفض أي معيار لصحة أية فكرة، والفكرة ليست صحيحة إلا بالنظر إلى كونها (موجودة) عند فئة من الناس. ويخفِّض يونغ الدين، حسب فروم دائماً، إلى ظاهرة سيكولوجية في الوقت الذي يرفع فيه اللاشعور إلى ظاهرة دينية.
رأي فروم الخاص، كما نفهمه من الكتاب، يرى إلى الدين كنظامٍ من الفكر والعمل تتشارك فيه مجموعة من الأفراد، ويعطي هذا النظام للفرد إطاراً للتوجّه وموضوعاً للإخلاص، مُخرجاً بذلك الدين من إطار النظام الذي يتمحور حول الخالق والقوى الغيبية. يقول فروم في هذا الصدد: "إن الإخلاص لهدف، أو فكرة، أو قدرة تفوق الإنسان مثل الله، هو تعبير عن الحاجة إلى الكمال في عملية العيش. ولأن الحاجة إلى نظام للتوجّه والإخلاص جزء جوهري من الوجود الإنساني نستطيع أن نفهم شدة هذه الحاجة، فليس في الإنسان مصدر للطاقة أقوى منه".
إن الفرضية القائلة بحاجتنا إلى إطار للتوجّه وموضوع للإخلاص راسخةٌ في شروط وجودنا الإنساني، ويبدو أن ذلك الوجود العمومي للدين في التاريخ يثبت صحة هذا الكلام، وهذه مسألة أثبتها اللاهوتيون أنفسهم وعلماء النفس وعلماء الأنثروبولوجيا.

كاتب وباحث سوري في علم النفس التحليلي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات