: آخر تحديث
مهمة شاقة لكنها مدهشة

ترنيمة الحصى .. تصورات ورؤى فاض بها الجلمود!

ترنيمة الحصى .. هو عنوان المعرض الذي اقامه الفنان الدكتور محمود عجمي (مواليد بابل 1959) في قاعة (كاليري مجيد) الكائنة في حي المنصور ببغداد ، وهو المعرض الشخصي السابع له ، واستطاع فيه ان يجعل من هذه الكميات من الحصى تتلو حكايات مختلفة .
 
    ضم المعرض اكثر من 45 عملا ، تنوعت ما بين النقش على الحصى واللوحات التي تمتلك الحصى رؤى لها تجتذب الناظر بالدهشة التي هي عليها ، وقد تحولت كتل الحصى الصماء الى الوان واشكال مثيرة للانتباه والنظر والاستغراب ايضا، وقد امتدت ريشة الفنان الى ان تتناغم مع ما عليه الحصاة من شكل ولون ، وتتسع رؤية الانبهار مع معرفة ان هذه الحصى التي نقش عليها الفنان محمود عجمي افكاره وحكاياته جمعها من 15 دولة زارها في مراحل مختلفة من حياته لتثير اعجابه قبل ان يفكر في منحها قدرة من التعبير والدهشة .
    في المكان – القاعة ، لا ترى سوى الحصى يقف على مناضد باشكاله واحجامه، او في لوحات معلقة ومحلقة على الجدران ،عليك ان تتخيل ما عليه كل حصاة ،فهي تحكي او تترنم بما يعتمل على سطحها من انثيالات يسمعها الناظر بشكل جيد ،فتسره تارة وتضطره الى ان يمتليء بالغموض حيث تعود الافكار الى ازمنة عراقية بعيدة جدا يحضر فيها الثور والانثى والعيون على اختلاف طقوسها، لكن الاصوات الصادرة من روحية الحصى تكسر السكون في المكان وتحطم الفراغ الذي يزخر به فضاء القاعة لان الاشياء تتقافز من امكنتها ،واذا ما تخيل الناظر نفسه وحيدا في القاعة بين هذه الاعداد من الحصى سيجدها تهمس له بالنقوش الموضوعة على صدورها التي تمنح الرائي جماليات اولا ومن ثم تساؤلات : كيف استطاع هذا الفنان ان يصنع من هذه الحصى فلسفة تتحدث عن حضارة قديمة توهجت بالعديد من الرموز .

اختلاجات سكنت نفسه
   في المكان يعرب الفنان محمود عجمي عن سعادته بما التقط من حصى وبمحاورته اياه ، وقال : ترنيمة الحصى.. عنوان اختلاجات سكنت نفسي الحالمة بالسكون ،بعيدا عن صخب حياة لا تريد الاستقرار عند حد يرسم لها طريق الخلاص صوب شاطيء امان يعيد لها توازنها وبحقها عن المجهول الذي يربطها بعوالم تنبيء عن قدر يشي بالانعتاق من زمن توقف عند (الصفر)، مما اريد له ان يكون لأغدو باحثا عن (اثر) في الحصى ،في الجلمود، لانقشه وشما على سطوحه من بلدان عدة ،عبر سياحة التقطت فيها من مساحات الارض ما يشبع رغبتي عما ابحث عنه ،فاستودعه تلك السطوح،محملا بترف فكري نبيل يتكيف ثقافيا مع ما هو تاريخي  حضاري  يتجسد في  الاثر فعلا قابلا للتأويل عما يختلج النفس البشرية  من عمق الارتباط بنسغ الحياة ووحدة الوجود .

مهمة شاقة !! 
من جانبها اكدت الفنانة الخزافة زينب الركابي على انه مهمة الفنان في هذا المعرض كانت شاقة ، وقالت : زاوج الفنان د. محمود عجمي بين الحصى التي حملها من بلدان مختلفة وبين تاريخ العراق في هارموني رائع استطاع الفنان ان يعيد تشكيلها بطريقة تصبح فيها شيئاً جديداً و اصيلاً .
واضافت : مهمة شاقة اخذها الفنان على عاتقة باسلوب ناضج و متكامل استوحى الفنان من رموز التاريخ مفردات لانجاز اشكال مميزة .
واوضحت : هو في الواقع حوار بين الحصى و الفنان باحثاً فيه عن (أثــر) في الحصى ينقش كل ماهو تاريخي يتعلق بفلسفته بنسخ الحياة يمزج بين احجار ذات لونين باضافة عناصر بشرية وحيوانية تعكس انطباعا بان هذه الاسلوب غني ومعبر بسبب امتزاج الاساليب فيه ، هذه القطع الصغيرة اثارة دهشتي بدقتها فقد ملأت كل بوصه من الفراغ وبالتساوي باختلاجات الفنان.
وتابعت: اعمال مذهلة تتحدث عن نفسها بنفسها استطاع الفنان ان يترجم ما بداخله من موضوعات وبمهارته في ادخال العناصر والثيمات الخاصة به والتي لم يكن له سوى قلة من النظراء بذل كل ما في وسعة لاجل ان تظهر الاعمال بهذه الشكل المتقن ، تمثل الرسوم حقيقتين مدهشتين الاول وجود تنوع غير اعتيادي في الموضوعات و الثاني تعكس رسوم الحيوانات احساساً قويا بدقة الملاحظة وهي تكاد تكون اقرب الى الطبيعة .

شغف في الانتماء الى الامس البعيد
    الى ذلك الدكتور حازم السعيدي ، وقال : كانت الحكايات والاسطورة والمقدس رائحة المكان وحاضره شكلا وروحا فيما بين ماقدمه الفنان من لوحات فنية ومصغرات من فخار ونحت تماثلتها كينونة التسابق نحو عبق الامس المغطى برطوبة القدم وعتاقة المتخيل , بعد ان الهمها التماثل القريني في علاقة البعض للبعض “الفنون التشكيلية ” بحيث افرزت العلاقة الارثية من حضارة سومر القديمة الى بابل واشور وبلورها بتكافؤ فكري , بمعنى احتضانه لتشكيلات الفنون والحضارات المتعاقبة على اعتبار ان المكان لا يمكن ان يكون مقدسا الا من خلال الهوية والاهتمام بها كهوية وطنية تاريخية فنية صيغت منذ تاريخانيتها قبل الميلاد واختطت لها صفات بوتقها (د. محمود) بالجامعة والمثالية , حينما سعى الى خلق اشتغالات التوازن الواعي في بواطن ذاته وبعد ان شكل نواة الحفاظ على الهوية عبر احاسيسه وافكاره ومن خلال نمذجة الشكل الذي لم يبارحه في دراساته وتعليمه ولا حتى في تدريسه لطلبته في الدراسات الاولية والعليا مؤكدا شغفه في الانتماء الى الامس البعيد .
 واضاف: هنا اضحت تلك الفردانية حقيقة في تبنيها الوعي واللاوعي طريقا الى اطلاق نضج الفكرة وبالتالي وضع الخطى على طريق التشكيل الفني (الهوية والانتماء) بوصفها منظومة مصطلحات دالة على التعبير للفرد وعلاقته بالجماعة في علم الاجتماع , وفي اللغة تعرف بانها تشكل الصفة والاسم والجنسية للاشخاص اما هنا اعتمدت بانها دال تاريخي عبر معارض الفنان المتعاقبة , فجاءت موديلات تخطيطه ثوابت وبنية تتكرر في كل زمان ومنها (المرأة ) وتشير الى حواء مؤنث الرجل وانثى الانسان , وترمز لكوكب عطارد والربة فينوس او افروديت اليونانية كمهيمنة حاضنة للخصب وانها فينوس الارض والسماء تمثلها الفنان هوية للارض واللغة والتاريخ والحضارة والثقافة فشاكلها في مصوراته الاثينية (مستلقية وبهيئات جانبية وذات اطراف مستدقة يظهر منها جسدها العاري محملا بصدر وبطن دونما رأس اوقلما تحمل رأسا فضلا عن انها الآلهة الام في البدايات الاولى لعصور العالم القديم وظاهرة للخصب والقداسة وباعتقاد ايضا ان المرأة هوية المجتمعات على الارض .


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات