: آخر تحديث
صدر معها (ارتحالات عوليس) لمجموعة من النقاد ا 

قنزه ونزه .. هذيان محموم بوجع انساني وضياع تاريخ


    صدرت للروائي العراقي شوقي كريم حسن روايته الجديدة التي تحمل عنوان (قنزة ونزة) عن دار ميزوبوتاميا ببغداد شارع المتنبي ،التي تتحول الى (ملحمة) حيث اسلوبه المميز ولغته الشعرية والنفس الطويل الذي لا يزرع الضجر في نفس القاريء ويجعله ،حتى وان ركن الرواية جانبا، يعود اليها لان الاحداث فيها ستظل تراوده والاسماء تتقافز على طرف لسانه ،ومعها صدر كتاب نقدي عنها بعنوان (ارتحالات عوليس) لنقاد عراقيين هم : أ.د شجاع العاني، د. صالح الطائي، د .قيس كاظم الجنابي،د .جاسم حسين الخالدي، القاصة والام العطار ، داود سلمان الشويلي،أسماعيل ابراهيم عبد، علوان السلمان،زهير الجبوري،وداد فرحان عزيز، محمد يونس.، حامد عبد الحسين حميدي،اياد خضير، يوسف عبود جويعد،صباح محسن كاظم،الدكتور ابراهيم خليل العلاف ود. عالية خليل ابراهيم، ويعد الكتاب اول تجربة عربية في مجال النقد الذي يرافق اصدار الرواية.

     تقع الرواية في 224 صفحة من القطع المتوسط ، وهي ليست مقسمة الى فصول ولا تمتلك عناوين فرعية وليس فيها اهداء ولا مقدمة زلا حتى توضيح لمعنى العنوان غير المألوف،والرواية لا تقوم على رابطة معينة من الترتيب او التنظيم سوى على سرد مستمر، يسرده الكاتب عبر ضمير المتكلم(أنا)، متجاوزاً الاهتمام بعلامات الترقيم ،ومعتمداً على اسلوب التداعي بكل أشكاله.
وضع الكاتب للرواية مفتتحا مقتبساً من نص من ملحمة (الأوديسة) لشاعر اليونان القومي الشهير هوميروس،جاء فيه (.. أين ذاهب أنت ، أيها التعس؟!!، شاردا فوق هذه التلال ،وغريبا في هذا القفر من الأرض ، ووحيدا ..!)،فيما يضع على الغلاف الاخير مقطعا اختاره بعناية ليكون معبرا (لا أعتقدُ إن لخلاصِنا معنى... كلَما جئتُ طريقاً وجدتُ مئاتِ الأكفِ تلاحقُ تلكَ اللحظةِ المنقذةِ.. أصرخُ محتجاً . أتدافعُ ، أطشرُ الأحلامَ من حولِي بمكرِ لبوةٍ تعرفُ مقاصدَها ، أرفسُ كلَ ما يمكنُ أن يعيقَ تقدمِي، ولكني ماألبثُ أن أصطدمَ بجدارِ الرفضِ)،و.. (في محنةِ العبورِ ممنوعٌ التفكيرِ بغيرِ العبورِ نفسِهِ... الوراءُ الذي يثقلُ خطواتِنا يحاولُ دائماً  شَدنا إلى الوراءِ، الأحلامُ لا يمكنُ أَن تتجاوزَ الوراءَ هذا.. ثمةُ  أكفِ تلوحُ فارةً مِن ضَيمِ مقابرِنا العتيقةِ التي غدَت لاتكترثُ لهذا الكمِ اليومي من التوابيتِ.. جنوني دفعَني لمراقبةِ تلكَ السيولِ.. وجنوني دفعَني لمراقبةِ الوجوهِ الزاتةِ للموتى، ليسَ غيرُ علاماتِ الاستغرابِ ،والحيرةِ.. في ربوةِ هزائمِنا السؤالُ الذي يقتلُ الهدوءَ  يبدأُ) ,يبدو ان الكاتب اختار هذه الكلمات بعناية لتكون صورة معبرة عما يحدث في اعماق الرواية ،كأنه يربط ما قاله (هوميروس) بما يقوله هو لتشد وشائج الحيرة بعضها ببعض .
  عنوان الرواية الغريب او الصادم ربما .. (قنزة ونزة)، وهي كلمة عراقية سومرية تعني مرض (الانفلونزا) او ( الدوخة ) او الكلام غير الموزون ، وهي ما يسميه عامة الناس في العراق، خلال سنوات الخمسينيات الماضية من القرن العشرين، والروائي كما يبدو انه اختار العنوان ليكون متطابقا مع ما ذهب اليه في الرواية حيث جعلها عبارة عن (تداعيات وانثيالات وهذيانات)،تشبه الى حدٍّ ما هذيانات المصاب بالحمى التي هي ابرز نتاجات مرض الانفلونزا،  حيث ان المصاب بها في العادة بالحمى التي تدفعه الى الهلوسة، وارسال الكلام من دون وعي ،فيما ابطاله (الراوي ،جورية ام الراوي الجنوبية،الراهبة ميري ،كاترين ونابليون)، واضحون في مرجعياتهم الدينية والانسانية، ويسبحون في نهر واحد منه تنسج حكاياتهم القائمة على المحبة والاتفاق التام مع عيشهم في ظل منغصات حياتية يفرزها الواقع المتلاطم الازمات والهموم . 
يقول المؤلف على الغلاف الاخير لـ (ارتحالات عوليس) : (قنزه ونزه.. سردية رافقتني لسنوات طوال،وحاولت مرارا قتل حكاياتها عن عمد وترصد،لكن شخوصها اخترقوا وحدتي واحالوني الى كائن يتأمل الخراب الذي يحيك به،فيصاب بهستريا الضحك ،ويتأمل الشوارع المسكونة بالسيطرات والضجيج فلا يجد غير سيول من الاكاذيب التي لا تعرف للوطن معنى، فقد الوطن معناه لاننا سمحنا لارواحنا ان لا تعيش ألقه ،اراه ميتا ويراني مجرد شيء اثقل الزمن خطاه،وبانت عليه معالم الشيخوخة.
واضاف: عاندت شخصيتي الرئيسية ،اهملتها، سجنتها عمدا بين طيات الحروف لكنها ،تنبق على حين غرة لتدعوني الى سهرة كتابة ضاجة،اشعره يبكي في احضان (جورية)،فأبكي معه ، اواسيه،العنه، اسحله بقصد الكراهية الى احضان (كاترين) لتريه معاني الفشل وفقدان الهوية) .
يبدأ الكاتب نصه السردي بقوله:(تسبقنا اللحظات ،وتوهمنا الأزمان بأن كل شيء على ما يرام، برغم هذا الضجيج، الذي صار يزاحم ملامحا له)، والطريف انه ينهي روايته بذات الكلمات بالسطور الخمسة مع ما اقتبسه من هوميروس قبلها، ولكنه يضع بينهما قوله الذي ربما يحتوي وجع الرواية كله (رددت تميمتي،تعمدته مسترخيا،لدنا،يبحث بين ثنايا القول،عن الحقيقة التي ظلت دفينة الروح،غير قادرة على اعلان حضورها المتأرجح بين رصاصة تنتظر،وحلم انتهى،حلم لا يمنح الشفاء غير عبء،وسؤال) هذا السؤال هو في حقيقته اسئلة تتوالد ،في كل حوارات وشروحات، وهذا الكلام لابد من تأمل له ، وكأن القاريء منذ هذه الكلمات يتساءل عما يريده الروائي وقد قال كل شيء عن الخراب .
في الرواية .. يتحدث فيها كثيرا، كأنه يسكب كل ما يخطر بباله ، انه (هذيان) باللهجة العامية وباللغة العربية الفصحى، يقول كل شيء ، قضايا كثيرة مما يسيطر على المجتمع العراقي في واقعه الحالي ، يسرد هموما كثيرة محاطة باسئلة اكثر منها ، اغلبها تظل من دون اجوبة ، تعلق حيرتها على استفهامات كثيرة ما زال المواطن العراقي يدور في حلقتها، حيث يبرز الشك في امور حياته،حيث المتناقضات الكثيرة التي تثيرها ثنائيات عديدة مثل: ثنائية الايمان والإلحاد، وثنائية الفضيلة والرذيلة، ومنها الصدمة التي نجيء في قول الراوي وهو يحاور والدته (تدرين يمه يا حبابة أربعة وأربعين الف نبي ومحد انصلح ظلت الفضيلة أكبر كذبة بحياة الانسان ليش دم ودمار وماكو واحد يقلك.. لا) ، ان الروائي في هذياناته هذه ما هو الا في صحوه التام وهو يشرح الكثير من الوقائع التي لا يريد ان يفهمها العراقي فيتركها تمر منه فلا يستوقفها للتأمل والمعاينة لتنظيم حياته بالشكل الصحيح، انه يقول الاشياء باصرار وهو في اتم صحوه .
 المثير في الرواية هو لغتها الشعرية واسلوبها الذي يشد القاريء ويجعله يستمتع بما يقرأ حيث الفصحى تمتزج بالعامية والاغنيات تتدفق والعاطفة تسود وكل يتناغم في المساحات بالبيئة الشعبية البغدادية التي تتفجر بالكثير من المفردات التي غابت عن التخاطبات اليومية .
      بعد ان انتهيت من قراءة الرواية وتسجيلي انطباعي عنها ، اتصلت بالروائي شوقي كريم عما كتبه في الرواية ،فقال لي : اعتقد انها باحداثها المتشعبة وزمنها الطويل نسبيا لايمكن ان تكون فعلا روائيا اعتياديا لهذا عملت ان اصنع منها ملحمة وطن من خلال سيرة متعثرة لرجل اضاعت الغربة وكبواتها وضعفه جميع احلامه حتى اوصلته الى خاتمة لا تتوافر على هوية واضحة ومحوت الاسم تماما ،كل مايحيط به يحمل اسما وهوية، الا هو كلما امسك خيطا افلته بضعف مانحا الاخر فرصة الهيمنة والاستبداد ،انتقل من دين الى اخر ومن بلد الى اخر  بقصدية ايجاد نفسه المعلقة بالاستذكار فقط.
واضاف: محنته كونية وهو شبيه بالكثير ممن حاولوا ابدال وطن بوطن لكنهم فشلوا لهذا تراهم يتمسكون بالماضي بوصفه مخلصا او كاهنا للتطهير من عذابات الحاضر.. محنة هذا الهوميروسي انه يحلم ويبدد الاحلام ويهذي!!.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات