قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لندن: ذات مساء في شتاء 1972، أُعدمت أُم لعشرة أطفال خلال حوادث إيرلندا الشمالية بتهمة عملها مخبرة مع القوات البريطانية. عُثر على جثتها مرمية على شاطئ في في عام 2003.

من القصص الكثيرة التي تُروى بتفاصيل مؤثرة في كتاب باتريك رادن كيف الجديد "لا تقل شيئًا" Say Nothing (464 صفحة، منشورات ويليم كولينز، 20 جنيهًا استرلينيًا) عن النزاع في إيرلندا الشمالية، يحتل خطف جيم ماكونفيل واعدامها موقعًا متميزًا. تشمل المقابلات التي أجراها المؤلف، وعددها يفوق المئة، أحاديث متوترة مع أطفالها الذين أنهوا طفولتهم في مؤسسات مريعة ويطالبون الآن بالعدالة.

قصة دولورس برايس

لكن الكثير من هذا التقرير المتقن يستحضر عالم الجمهوريين الإيرلنديين المتطرفين الذي ينتمي إليه خاطفو ماكونفيل وقَتَلتها. ويتتبع المؤلف في المقام الأول العلاقات التي ظهرت بين جمهوريين قياديين عندما انزلقت أحياء بلفاست الفقيرة إلى حرب متعددة الجوانب جرَّت الكل إلى حضيضها، وهي علاقات تردَّت عندما حلت السياسة محل القنابل في التسعينيات.

تنبه مجلة إكونوميست في مراجعتها الكتاب إلى أن مهارة المؤلف رادن كيف في التغلغل داخل عقول هذه الشخصيات قد تخيف بعض القراء، لكنها تشكّل قوة الكتاب ايضًا. فهو يبين كيف أن أشخاصًا كانوا في زمن السلم أصحاب إرادة قوية أو شخصيات محبوبة أصبحوا يتواطؤون مع أعمال فظيعة أو حتى يشاركون في ارتكابها.

تخص إكونوميست بالذكر دولورس برايس التي سُجنت مع شقيقتها ماريان في عام 1973 بتهمة زرع عبوة في لندن أسفر انفجارها عن مقتل شخص وإصابة 200 آخرين بجروح. وأضربت الشقيقتان عن الطعام حتى نقلهما إلى سجن في إيرلندا الشمالية نفسها. ينوه الكتاب بأن الشقيقتين كانتا في شبابهما شخصيتين محبوبتين وجذابتين في الشطر الكاثوليكي من بلفاست، لكنهما أصبحتا متطرفتين بعد أن اعتدت مجموعة من البلطجية المدسوسين على تظاهرة من أجل الحقوق المدنية في عام 1969.

ما الذي يبرر الموت؟

استأثرت دولورس باهتمام كثيرين، بينهم مارغريت ثاتشر التي درست قضية الشقيقتين بإمعان حين كانت رئيسة الوزراء. وكشفت دولورس قبل وفاتها بجرعة زائدة من المواد المخدرة في عام 2013 أنها قادت السيارة التي خُطفت فيها ماكونفيل إلى مكان إعدامها. وامتنعت المجموعة التي كانت تنتظر داخل أراضي الجمهورية الإيرلندية عن إطلاق النار، لذا تعين أن تنفذ عملية الإعدام مجموعة ثلاثية أخرى تضم دولورس نفسها التي قالت إنها أخطأت الهدف متعمدة، وشخصين آخرين لم تكشف إلا عن اسم أحدهما.

اعترفت دولورس بأن هذه القضية أرَّقتها، ليس لأنها كانت ضد معاقبة المتعاونين مع القوى الأمنية أو لديها شك بأن ماكونفيل كانت مخبرة. فهي كانت في السابق تؤيد رمي جثث المخبرين في الشارع بدلًا من تغييبها، لكنها أخذت تتساءل لاحقًا أن إعدام ماكونفيل ضروريًا. وتساءلت ذات مرة خلال مقابلة مع الكاتب إيدي مولوني "ما الذي يبرر الموت؟"

مع ذلك كان هناك أمر لم يساور دولورس وبعض الجمهوريين المتحمسين مثلها شك به وهو أن التسوية السلمية التي تترك مستقبل إيرلندا الشمالية يُقرر ديمقراطيًا تُعد خيانة. وكما يروي الكتاب، فإن الشخص الآخر الذي كان هذا موقفه هو بريندان هيوز الذي تقول مجلة إكونوميست إنه ربما أبرع مفجر للعبوات وأكبر خبير في شراء السلاح والهروب من السجون أنجبه الشطر الجمهوري من بلفاست في السبعينيات. ومر وقت كان هيوز فيه قريبًا من الزعيم الجمهوري جيري آدمز. لكن هيوز ارتاع من السلام الذي أسهم آدمز في التوصل اليه في التسعينيات.

موقف الحد الأقصى

باح أشخاص مثل هيوز ودولورس برايس بمكنوناتهم في شهادات قدموها بوصفهم مشاركين سابقين في النزاع وحُفظت في كلية بوسطن على أن تبقى مقفلة هناك حتى مماتهم. وخاضت شرطة ايرلندا الشمالية معركة قانونية للحصول على بعض هذه الشهادات، وعلى هذا الأساس اعتقلت آدمز بعضة ايام في عام 2014. وأُفرج عنه من دون أن توجه اليه تهمة.

لعل إنجاز هذا الكتاب الأكثر ديمومة لا يكمن في تحليله الدقيق قصة ماكونفيل وإنما في الأسئلة التي يثيرها عن التسوية في إيرلندا الشمالية؛ إذ كان هناك أشخاص يعتقدون أن كل الفظائع يمكن أن تُغتفر طالما أن الهدف هو توحيد إيرلندا بعودة الشطر الشمالي اليها. لكن آدمز رأى أن موقف الحد الأقصى هذا يجب أن يتغير وأن مصلحة القضية الجمهورية تكمن في التوصل إلى حل وسط . كان هذا تحولًا مدمرًا لمن عانوا وقتلوا.

اعتبرت مجلة إكونوميست أن قدرات آدمز متعددة الأوجه بوصفه داعية حرب لا يعرف الرحمة وصانع سلام عنيدًا كانت أمرًا لا غنى عنه في التسوية. ينقل الكتاب عن تقرير للحكومة البريطانية في عام 2015 تناوله هذه المقايضة بصراحة. فالسلام صمد ليس لأن الميليشيات اختفت، وإنما بسبب بقائها وبقاء الذين لهم تأثير فيها، وتمكنهم في النهاية من لجم العناصر الجامحة.

أعدت "إيلاف" هذا التقرير بتصرف عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:

https://www.economist.com/books-and-arts/2019/01/12/a-searing-reflection-on-the-troubles-and-their-aftermath?frsc=dg%7Ce