: آخر تحديث

د. المنصف الشابي يكشف المستور في مسيرة المثقف التونسي إسماعيل الحرايري

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في كتاب صغير الحجم صدر باللغة الفرنسية عن دار "نقوش عربية"  التي يشرف عليها، قام د. المنصف الشابي  بكشف المستور والمجهول في حياة  ومسيرة واحد من ألمع المثقفين الذين عرفتهم تونس في النصف الثاني  من القرن التاسع عشر، أعني بذلك إسماعيل الحرايري (1824-1877) الذي كان متقنا للغة موليير، وحالما بمد الجسور بين الشرق العربي-الإسلامي، والغرب المسيحي. ورغم بعض الإشارات إليه، وإلى الأدوار الهامة التي لعبها  في حركة الإصلاح والتحديث في البعض من مؤلفات المؤرخين التونسيين أمثال حسن حسني عبد الوهاب، والشيخ الطاهر بن عاشور، ود. المنصف الشنوفي، و الأستاذ أبو القاسم محمد كرو، وآخرين، فإن هذا المثقف الألمعي  الذي اختار أن يعيش المنفى الاختياري  في باريس في الشطر الثاني من حياته، ظل إلى حد هذه الساعة شبه مجهول. ولعل مواقفه الجريئة، ودفاعه المستميت عن الحضارة الغربية، ونفوره من التزمت والتعصب، ومن كل مظاهر الانغلاق والتحجر السائدة في تلك الفترة في جل المجتمعات العربية-الإسلامية هي التي كانت سببا في اقصائه وتغييبه باعتباره "منشقا"، وربما "عميلا" لفرنسا التي كانت تستعد في ذلك الوقت لبسط نفوذها على تونس، بعد ان هيمنت على الجزائر.     

وينتسب إسماعيل الحرايري المولود في تونس العاصمة عام 1824 الى عائلة متوسطة الحال قد تكون لها جذور تركية أو فارسية. ومبكرا أبدى تحمسا للعلم والمعرفة لفتت اليه انتباه الأعيان في مجال الثقافة والدين والسياسة. وبعد تخرجه من جامع الزيتونة وهو دون سن  العشرين،  شغل وظيفة كاتب عدل، وارتبط بعلاقات وثيقة بشخصيات هامة ومؤثرة في المجال السياسي بالخصوص. ولعله كان على علاقة وطيدة بشيوخ متنورين من أمثال الشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ سالم بوحاجب، والشيخ محمد بيرم الخامس، والشيخ محمود قابادو الذين ساندوا المصلح الكبير خير الدين باشا، باعث حركة الإصلاح والتحديث. ومتأثرا بالأفكار الجديدة المنتصرة للرقي والتقدم ،ألف إسماعيل الحرايري كتابا يدعو فيه إلى ضرورة الاستفادة من العلوم الجديدة في أوروبا لمواجهة الأوبئة والكوارث.  فعل ذلك إثر اجتياح وباء الطاعون للبلاد التونسية في عام . كما ألف كتابا عن تاريخ القهوة وفوائدها ومضارها الصحية، مشيرا إلى أن  المتصوفة الكبار كانوا يشربونها  لأنها تطرد النوم، وتساعدهم على السهر الطويل للتأمل والعبادة.  وفي كتاب آخر أهداه إلى الصادق باي، اهتم إسماعيل الحرايري بالعوامل الطبيعية، وبأحوال الطقس في مختلف فصول السنة، متطرقا إلى المطر والثلج والضباب والرعد والبرق وقوس قزح. ومعنى ذلك  أنه تطرق إلى مواضيع لم تكن مألوفة حتى ذلك الحين...

وفي عام 1842، جاء إلى تونس قادما إليها من الجزائر، رجل دين فرنسي يدعى فرانسوا بورغاد(1806-1866).  وكانت مهمته تتمثل في الاشراف على كنيسة "سان-لوي" بقرطاج استنادا إلى وثيقة سرية كان باي تونس قد أمضاها مع ملك فرنسا شارل الخامس في صيف عام 1830. ومنذ البداية اهتم فرانسوا بورغاد بتاريخ قرطاج في العصر الروماني، وكتب العديد من الأبحاث حول ذلك ليصدرها في كتاب حمل عنوان :"سهرات قرطاج". كما أسس أول متحف يحتوي على البعض من آثار قرطاج القديمة.  في الآن نفسه، اهتم بالإسلام، وبالقرآن. وعنهما ألف كتابين هما "المرور من القرآن إلى الأنجيل"، و" مفتاح القرآن". وكان هدفه من خلال هذين الكتابين التقريب بين الإسلام والمسيحية، وردم الهوة التي عمقتها الحروب الصليبية بين الغرب المسيحي والعالم العربي-الإسلامي. ومن أشهر الأعمال الخيرية التي قام بها، بناؤه لمشفى وبعثه لمطبعة.  وفي جميع أعماله المذكورة، استعان  فرانسوا بورغاد باسماعيل الحرايري الذي تعرف عليه في بداية قدومه إلى تونس. ومن المؤكد أن كل واحد منهما أعجب بالآخر. وأكبر دليل على ذلك أن رجل الدين الرنسي شرع في تعلم اللغة العربية، في حين أقبل إسماعيل الحرايري على تعلم لغة موليير ليصبح متقنا لها، وعارفا بأسرارها. وقد ازدادت العلاقة بينهما توطدا عندما اكتشفا أنهما يشتركان  في الكثير من الأفكار، خصوصا تلك المتعلقة بالتقارب الديني والحضاري بين الشرق والغرب. وبسعي من صديقه، عين اسماعيل الحرايري مترجما في القنصلية الفرنسية. وكان من أوائل التونسيين الذين تخلوا عن اللباس التونسي ليرتدوا البدلات الأوروبية. وبسبب مواقفه وانحيازه للثقافة الأوروبية، شن رجال الدين هجومات عنيفه على إسماعيل الحرايري باعتباره "متنكرا لهويته العربية-الإسلامية". وربما بسبب تلك التهجمات اختار مغادرة وطنه في عام 1857، ليقضي ما تبقى من حياته في العاصمة الفرنسية.

وخلال سنوات المنفى الاختياري، واصل العمل مع صديقه فرانسوا بورغاد ومعه عمل في جريدة "صقر باريس" التي أسسها. كما انه انشغل بترجمة كتب عن النحو الفرنسي به يستعين المترجمون من الفرنسية إلى اللغة العربية. ومذكرا بحركة الترجمة في عهد الخليقة المامون، كان يعتبر الترجمة وسيلة أساسية للنهوض  بالعالم العربي-الإسلامي، والتخلص من الجمود والركود المورثين من عصور الانحطاط. وفي مقالاته، كان يقدم تحاليل عن الأحداث السياسية والديبلوماسية، ويكتب تعاليق عن أحداث وعن أزمات خطيرة. كما نشر مقالات ينتقد فيها مواقف  اللبناني أحمد فارس الشدياق، والبعض من الرحالة المشارقة الذين قدموا إلى فرنسا.

وبعد وفاة صديقه فرانسوا بورغاد عام، عاش إسماعيل الحرايري سنوات عصيبة على المستوى المادي. وربما بسبب ذلك، كتب رسالة إلى الامبراطور نابليون الثالث راجيا منه العون والمساعدة. وعندما انتظم المعرض العالمي في باريس عام، أصدر نشرية للتعريف به. ويبدو أن أوضاعه المادية شهدت تحسنا ملحوظا  خصوصا بعد أن عيّن مدرسا في" مدرسة اللغات الشرقية" بباريس.  وفي نهاية خريف عام 1876، أصيب إسماعيل الحرايري بشلل نصفي ليلفظ أنفاسه في السابع والعشرين من شهر سبتمبر 1877.     
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات