: آخر تحديث
على هامش روايته الجريئة 

الروائي السوداني منصور الصويم: في "عربة الأموات" لم انتقم لأحد من أجل آخر

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حاورته / نورة البدوي ــ تونس

لا تنفك كتابات  الروائي السوداني منصور الصويم من رصد مختلف أوضاع المهمشين و المقهورين داخل وطنه و خارجه. أوضاع نقلها كاتبنا عبر سرديات مختلفة بدءً من روايته الأولى " تخوم الرماد ثم " ذاكرة شرير" التي حصلت على الجائزة الأولى في الدورة الثالثة من مسابقة الطيب صالح للإبداع الروائي بالخرطوم ، وترجمت إلى الفرنسية ، مرورا برواية " أشباح فرنساوي "  لتكتمل صورة الهامش الإنساني بكل تجلياته مع روايته الأخيرة  " عربة الأموات" التي صدرت عن دار مسكلياني التونسية. 
يضعنا الصويم من خلال رواية " عربة الأموات "  عبر 22 فصلاً موزعةً على 299 صفحة أمام  مشاهد متنوعة متشابكة فيما بينها ، ينطلق السرد فيها من خلال أربعة شخصيات سودانية مغتربة في السعودية " فضل الله سائق عربة الأموات، الدكتور مكي، أيمن فخري صحافي، الصادق سليمان الذي يعمل موظفاً في أحد القصور" .
 انطلاقا من هذه الشخصيات المغتربة ، ينسج الصويم خيوط الحكاية في فضاء الغربة وأمكنتها لتتلاقى الشخوص و الأحداث و تنطلق التناقضات " فالمباني تلال بلا روح" و الغربة صلصال آخر لتشكيل الإنسان"  ص 182.
تشكيل لونّه كاتبنا بشخصيات جمعتها الغربة في فضاء كبير هو مدينة الرياض لتشترك كلها في "صورة مزيفة اسمها مكفول." فنجد الخادمة الاثيوبية " روز" و الممرضة الفليبينية "آن" و الغلام 
"متوكل" و حارس المقبرة اليمني " الياس و الراقصات من المغرب و سوريا و أبو البراء السوداني و سمية تاج السر ؛ تلك الشخصيات التي تشترك كلها بحسب الكاتب في رسم صورة محشوة بالأوهام عن "بلاد البترول المباركة."
ينحت الصويم بعناية فائقة الفضاء ليتنقل بنا بين أمكنة متنوعة ؛ من حفلات المجون ، إلى الدهاليز ، فالممرات فالسجن المظلم ؛ الى المستشفى و الجريدة الالكترونية ، إلى الفضاء العام لمدينة الرياض ، وكأنها تقنية اعتمدها  الصويم  ليرسم لنا لوحة متكاملة في علاقة السلوك الإنساني بمتغيرات مكان جعل من "الغراب " ناقلاً لخفاياها خاصة في غياهب الظلام.
بهذه التركيبة أسس الصويم عالماً من المتناقضات والأسئلة الوجودية بما يحمله الزمن السردي ليضعنا أمام  رواية غاية في الرمزية و الواقعية الوجودية ، في آن واحد لمعنىَي الاغتراب و الغربة ؛ إذ ستكون " عربة الأموات"  وسيلة للانتفاضة عليهما.
عن رواية " عربة الأموات "  كان لـ" إيلاف " هذا اللقاء مع الروائي السوداني منصور الصويم.

ــ- لماذا عربة الاموات؟ 
ربما لأنها تلك العربة التي سيكتشف بفضلها فضل الله – أحد شخصيات الرواية المحورية – حقيقته وسيواجه لأول مرة شخصيته، ومن داخلها - العربة – ستنتهي وإلى الأبد سكونية حياته القديمة وتنبثق حياة جديدة، تشكل روحها الفتاة الإثيوبية "روز" التي عثر عليها ميتة داخل العربة قبل أن تعلن عن قيامتها وتقاوم موتها المفتعل، منتج الإهمال والتجاهل المتعالي؛ والأرجح أنها سميت "عربة الأموات" لأنها تلك العربة التي ستنقذ مجازيا هؤلاء الأموات – الأحياء من موتهم الإنساني – الوجودي وليد الاستسلام للقهر و"الظروف" والتشابكات المكانية هنا وهناك ما بين الوطن وبلد "الاغتراب"؛ فهي تلك "العربة" التي هربت هؤلاء من وحل حياتهم الراكدة إلى مكان آخر ستحط عليه أرواحهم حتما. 
    
- انطلقت في الرواية بأربعة شخصيات سودانية مغتربة في السعودية لتنتقل بنا فيما بعد الى عدة عوالم خفية ، و كأننا إزاء فصول درامية لمشاهد مسرحية، فهل هذا إقرار ضمني بأن المسرح أكثر وفاءً في صياغة الواقع من الرواية ، خاصة أنك درست مسرح؟ 
لا، لم أنظر إلى الأمر من هذه الزاوية مطلقا، ورغما أن لكل جنس أدبي – فني وسائله وطرائقه للتعبير وإيصال مضامينه ومعانيه، إلا أنني أرى أن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر قدرة على التعبير عن عالمنا الإنساني المعقد، وربما تعود الميزة هذه إلى إلى القدرة الامتصاصية – الكلية للرواية؛ فكما هو معروف فإن بإمكان الرواية استيعاب كافة الأجناس والأشكال الأدبية والفنية – قصة، شعر، موسيقى، سينما، مسرح.. إلخ – وتطويع هذه الأشكال لصالح العمل الروائي المعني، بما يغنيه ويرفع من قيمته الفنية، وربما هذا يفسر التفاتتك الذكية لما تصفينه بحضور مسرحي داخل الرواية، فعلى ما يبدو أن الرواية هنا استفادت من تقنيات المسرح وطوعتها لصالح البناء وتكوين الشخوص.

-هل يمكن القول أن منصور لعب دور المنتقم و المنتصر في آن واحد للفئات المهمشة و المغتربة من القرن الافريقي في السعودية؟
الانتقام عاطفة حادة ومتطرفة، وفي أحايين كثيرة تمثل دافعاً ومحفزاً لحياة بأكملها، بيد أنه – في رأيي – يتناقض مع الكتابة الأدبية – الروائية تحديدا؛ التي تتطلب قدرا معقولا من الضبط الانفعالي والحياد العاطفي، سواء تجاه الموضوع المثار أو في عملية بناء الشخصيات المحركة للعمل، في رواية "عربة الأموات" لم انتقم من أحد لأجل آخر، ومثلما حركتني من قبل موضوعات اجتماعية وتاريخية في روايات سابقة ووجدتها تصلح للكتابة الروائية، أثارتني وضعية "الفئات المهمشة" المغتربة في السعودية، سواء أكانت من القرن الأفريقي أو المحيط العربي أو دول آسيا، وهذا يعود بالطبع لمعايشتي الشخصية لهذه التجربة وتمكني من ملاحظة التغيرات التي تطرأ على هذه الفئات جراء تجربة الاغتراب، والتحولات العنيفة التي تمس التكوينين النفسي والاجتماعي للشخص المغترب في ظل نظام يختلف تماما عن الخلفية الاجتماعية والبيئية التكوينية التي ينحدر منها هذا الشخص، ومدى تأثير المؤسسات الرسمية –الدولة، الأنظمة - وغير الرسمية – الكفيل – فيما يطرأ من تحولات نفسية ووجودية تؤثر في شخصية المغترب.     

-وجدنا ديناً وموتاً و جنساً بكثافة في رواية عربة الاموات ، ما مغزى اختيار هذه الثلاثية؟
من المستحيل الاشتغال على تجربة الاغتراب في السعودية دون التطرق لهذا الثالوث، لكونه ثالوثاً فاعلاً ومحركاً أساسيا لمسار أي شخص جرب الاغتراب، فطبيعة الاغتراب في هذا المكان تحتم على الإنسان اختبار الموت بصورته المجازية أو حقيقته الراسخة، فحالة الاستسلام أو الرضوخ للواقع الجديد امتثالا للسلطة المجتمعية والرسمية المغايرة، يماثل مع مرور الوقت حالة من الموت النفسي – الرغائبي، الشخصاني، التصوراتي؛ كما أن تجربة الموت الفيزيقي تظل حاضرة كالشبح طوال  فترة اغتراب الشخص المغترب، مدافعة لموت وغياب من تركهم خلفه في بلده البعيد، أو في محاولته الدائمة لتلافي الموت منفيا ومقصيا في الغربة.
أما الحديث الجنس فتستوجبه حالة التحريم المزمنة التي تتعلق بكل ما له علاقة بالأنثى، أو ثنائية رجل امرأة، بعيدا حتى عن الممارسة الفعلية للجنس، حالة الاغتراب تخلق بلا شك هوسا أو هاجسا جنسيا لشخص يأتي متغربا إلى مكان قد يظل عالقا فيه لسنوات طويلة وهو محاط بسياجات تحريمية تشيطن المرأة – الجنس تماما. أما عن الدين فكل شيء هنا مشيد على هذه الأرضية؛ الحقائق والأكاذيب، كلها تستند في النهاية على  رافعة اسمها الدين، بها تسيج حياة المغترب وعلى درجاتها يمضي صاغرا أيا كانت النتائج أو الدوافع والنهايات.

-أي الشخصيات يمكن اعتبارها تحاكي جانبا ما من سيرة منصور الصويم، ما هو هذا الجانب؟
كثيرون رأوا أن هناك مشتركا ما بيني وبين شخصية المحرر الصحفي أيمن فخري، وربما يعود ذلك لامتهاني ذات المهنة التحرير الصحفي، الشيء الذي قد يعطي انطباعا وكأنني أسرد شيئا من سيرتي الذاتية مسرباً بين فصول الرواية. نعم، بيني وبين أيمن فخري أشياء مشتركة، رابطها الأساسي طبيعة المهنة؛ والمهن كما هو معلوم تطبع متعاطيها بمشتركات نفسية وفكرية وحتى جسدية متعددة، لكن على الواقع هناك اختلافات كبيرة بيني وبين هذه الشخصية.. عموما أحببت أيمن فخري، مثلما أحببت بقية شخوص الرواية، وأظنني وهبتهم جميعا بعضا مني.

-لا تخلو الرواية من طابع السخرية المريرة فهل هذا أسلوب؟
مرارة الحياة تولد السخرية، والسخرية وسيلة ناجعة للمقاومة والاستمرار في الحياة وتخطي الضغوط، واقع مثل واقع الاغتراب بطابعه الذكوري الفج لايمكن التماشي معه بعيدا عن السخرية، التي في جانب كبير منها تعني نقداً تأملياً خالصاً لواقع مرفوض رغم تمكنه وسيطرته.

-هل حضور الغراب في الرواية شكل ضابطا للسرد و كاشفا لخفايا الطبيعة الانسانية؟
الغراب أثار الكثير من التساؤلات عن جدوى وجوده بشكله الناطق المفكر، وعن المبررات التي أدت إلى خلقه كإحدى الشخصيات الفاعلة في الرواية، ومن زاويتي الآن كقارئ أكثر مني كاتبا، أنظر إلى الغراب وكأنه صوت للحقيقة – الضمير أو الجانب الثائر والمتمرد للنفسية المغتربة، هذا على مستوى الموضوع، أما على مستوى التقنية فقد لعب الغراب دورا مهما في كسر أحادية الصوت الروائي ومثل تنويعا حوارياً مطلوباً للخروج من جمود السارد الأوحد العليم.

-لقد انتقلت بنا في تناقض رهيب من عربة رمزيتها نقل الأموات الى مهمة نقل الأحياء الأموات فهل يمكن اعتبار هذه الرمزية محاكمة ضمنية للغربة؟
أجبت في سؤال سابق عن رمزية العنوان، وما يحمله من دلالات بناء على رمزيتي العربة والموت، وأضيف هنا أن المفارقة المتولدة من نقل الأحياء في عربة الأموات، وما يعنيه ذلك من خروجهم من الموت المجازي إلى الحياة الحقيقية، قد يكون هو المعنى المراد لهذه الترميزة. 

-وجدنا حضوراً للمرأة المغتربة أيضا من السودان و الفلبين أثيوبيا كما تقول " عبد في  صورة مزيفة اسمها مكفول" فهل الإنسانية في غياهب المجهول و الظلام فعلا؟
المرأة مضطهدة ليس في بلاد الاغتراب فقط، المرأة مضطهدة في بلدها قبل ذلك، والأمر يصبح مضاعفا ولا يطاق حين يضاف إليه اضطهاد الغربة، لاسيما إن كانت في ظل نظام قاسي مبني أساسا على استبعاد المرأة وشيطنتها. تحرر المرأة من الهيمنة والسيطرة والاضطهاد قضية مهمة لتحرر وتقدم أي مجتمع، وحضور المرأة في عربة الأموات يمثل وجها من وجوه المعاناة والإذلال الذي تواجهه المرأة في المجتمعات العربية والأفريقية والآسيوية عامة. نعم هنا – فضاء عربة الأموات – تسحل المرأة تماما، وتقتل بحياتها إلا أن هذا معياريا لا يمثل مقدارا يقل أو يكثر بين هذه المجتمعات. ما أود قوله إن قضية تحرر المرأة في رأيي هي القضية الأهم بالنسبة لنا جميعا لأن في تحررها تحررنا أجمعين.

-كيف تنظر الى السودان اليوم بعد الثورة ، وتحقيق شعار " تسقط بس؟" 
السودان الآن في مفترق طرق كما يقال، فإما أن يتحرر بالكامل من آثار النظام الإسلاموي القمعي البغيض، وأما أن يرتد إلى ما هو أسوأ من ذلك. نعم نجحت الثورة في الإطاحة بالبشير، لكن لا تزال جذور نظامه المقبور ضاربة الجذور، وأنصاره ومشايعيه – الإسلاميون – يحاولون الآن الالتفاف على الثورة وإنتاج نظامهم البائد من جديد. طريق الثورة في السودان ما يزال طويلا، ومستمرا، ولن ينتهي إلا بكنس كل آثار الرئيس المخلوع، ليشرع الجميع في ثورة الوعي المطلوبة.
 


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. الادب مصدر الحقائق في التاريخ ..
عدنان احسان- امريكا - GMT السبت 27 أبريل 2019 17:44
لولا الادب - الدي ارخ وصور لنا الاتاريح - والمجتمع بحقيقيه - لعشا علي اكاذيب رواة الحديث - ومؤرخي دوله الخلافه ..،، اقصد في عالمنا العربي ،،


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.