: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

هل كان تقسيم السودان خطوة سديدة؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ثلاثة كتب والموضوع واحد: جنوب السودان. هل يا ترى كان إنشاء أحدث دولة في العالم فكرة جيدة؟ إنها روايات الحرب ومفاوضات السلام الطويلة، وفرصة بناء أمة متكاملة الأركان.

في الصباح كانوا يصلّون معًا، وفي المساء كانوا يشربون. تبخّرت العداوات في أرقى فنادق شرق أفريقيا. كان المراقبون الأجانب يشاهدون منذهلين بينما تعانق خصوم ساحة المعركة كأصدقاء قدامى.

تفاوضوا براحة. في عام 2014، دفعت النخب المتحاربة في جنوب السودان أكثر من 20 مليون دولار، متنقلة بين فندقي شيراتون وراديسون في أديس أبابا. على مدى عامين، عقدت 11 جولة من المحادثات في ثلاث مدن أثيوبية. وفي هذا الإطار، قالت امرأة جنوبية شابة لزاك فيرتين، الدبلوماسي الأميركي السابق: "هم مجموعة من الأولاد المدللين. كل شيء يتمحور حولهم دائمًا". 

بقيت "محادثات الحرب والسلام" هذا روتين سماسرة النفوذ في جنوب السودان مدّة عقود. جرت مفاوضات لإنهاء حرب الجنوب الأولى مع الشمال في قصر هيلا سيلاسي، الإمبراطور الإثيوبي آنذاك، في عام 1971. 

وقام الاتفاق الذي وُقّع في كينيا في عام 2005 بإيقاف القتال الذي اندلع مرة أخرى في عام 1983، ووضع الجنوب على طريق الاستقلال في عام 2011. في السنة التالية عاد الطرفان إلى أديس أبابا لوضع حد للمناوشات بين السودان وجارته الجديدة، الدولة الأحدث سنًا في العالم.

في أواخر عام 2013، انغمس جنوب السودان في حرب أهلية فوضوية؛ شهد عدد من الاتفاقات السابقة بين المقاتلين فشلًا ذريعًا، أمّا آخر اتفاق فاشل فأُلغي في الخرطوم في سبتمبر. كتب فيرتين في كتابه "حبل من السماء" A Rope from the Sky (528 صفحة، منشورات بيغاسوس، 30 دولارًا) أن كبار الشخصيات "استقروا في روتين مريح. [جمعوا] البدلات المدفوعة يوميًا، والخصامات المتزايدة، بينما كانت بلادهم تحترق".

ناقوس الخطر

في الخامس عشر من ديسمبر، كانت قد مضت خمس سنوات منذ أن أشعلت الخصامات العشائرية والشخصية النزاع الأخير الذي أسفر عن مئات الآلاف من الوفيات وفرار نحو ثلث سكان جنوب السودان. البلاد الآن في فترة من الهدوء النسبي، لكن غير المستقر. تستمرّ انتهاكات وقف إطلاق النار بانتظام. وباعتبارها كارثة إنسانية، فإنها تنافس سورية. أمّا من ناحية دراسة نقائص الأممية الليبرالية، فتقترب من العراق وليبيا. الآن، يمعن ثلاثة مؤلفين التفكير في حجم المسؤولية الغربية في صنع جنوب السودان وتحطيمه. ويشيرون معًا إلى سؤال أعمق: ما الذي يصنع الأمة؟

في عام 1961، كتب ضابط بريطاني سابق استعماري باستخفاف: "لم يكن لجنوب السودان تاريخ قبل عام 1821". لكنّه مخطئ بحسب بيتر مارتل، الصحفي البريطاني الذي عاش في العاصمة جوبا، لمدة ثلاث سنوات حتى استفتاء الاستقلال في 2011، صاحب كتاب "أولًا دقّ ناقوس الخطر: كيف انتصر جنوب السودان في أطول حرب وخسر السلام" First Raise a Flag (320 صفحة، منشورات هيرست، 25 جنيهًا استرلينيًا). 

فالبلد عبارة عن خليط من القبائل، تهيمن عليها قبيلة الدينكا، ثم تليها قبيلة نوير. هناك عداوات وانقسامات. لكنّ المجموعات المكونة لها تتشارك أساطير تأسيسية وتاريخًا مشتركًا من العبودية والظلم من قبل الأتراك، ثم العرب، والسودانيين الشماليين والبريطانيين. كتب ادوارد ايفان ايفانز-بريتشارد، عالم الأنثروبولوجيا البريطاني، في عام 1938: "تم احتلال جنوب السودان بالقوة وتمّ حكمه بالقوة والتهديد بالقوة وذاكرة القوة". 

لمواجهة الصدمة، روى أهالي جنوب السودان أساطير تذكّر بمملكة كوش القديمة، وتتبع سلالة الأجداد المشتركة. كانوا يأملون أن يصيروا هم أيضًا ملوكًا يومًا ما.
 
فرصة بناة الأمة

تخيّل الكثيرون أن مقاومة السيادة الأجنبية ستكون كافية لتشكيل هوية وطنية. عندما رُفع العلم الجديد في 9 يوليو 2011 أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما قائلًا: "بعد كثير من النضال الذي بذله شعب جنوب السودان، ترحّب الولايات المتحدة بولادة دولة جديدة". وبعد الكوارث في أفغانستان والعراق، كان يُنظر إلى جنوب السودان على أنه فرصة لبناة الأمة الليبرالية حتى يقلبوا صفحة جديدة. تخطّى الناتج المحلي الإجمالي لكل فرد في الدولة الحديثة، التي تنعم باحتياطيات نفطية هائلة، الناتج المسجّل في الهند. 

هرع الغربيون المخلصون لتقديم يد المساعدة. ومثل المستعمرين البريطانيين، تخيّلوا المكان صفحة بيضاء. وصل خبراء دوليّون يحملون مقترحات تكنوقراطية للإدارة العادلة للثروة النفطية. ساعدوا في صوغ مخطط تفصيلي للديمقراطية الليبرالية الحديثة. ارتعب مارتيل من السذاجة. ويتذكر أن خرّيجًا أميركيًا شابًا حاصره في حفل أقامته إحدى وكالات الإغاثة في جوبا. قال المبتدئ (مقتبسًا جون آدمز): "إقضِ على براعم السلطة الاعتباطية في المهد، يا رجل".

كل هذا كان خيالًا. أميركا، بدعم من حلفائها، سلّمت الدولة الجديدة إلى نخبة كليبتوقراطية مع دعم قليل جدًا بين الجنوبيين من عامة الشعب. وكانت الحركة الشعبية لتحرير السودان، المجموعة المتمردة التي تحولت إلى حزب حاكم، قد كُرّمت لفترة طويلة على يد مجموعة متنوعة من المتحمسين الأجانب، أميركيين بمعظمهم، أشهرهم جورج كلوني. أعمى هؤلاء الدخلاء الإدارات المتعاقبة في واشنطن عن رؤية عيوب المتمردين.

لا جذور على الإطلاق

جون يونغ، وهو أكاديمي ذو صلات وثيقة ببعض قادة المجموعة، وصاحب كتاب "الحرب الأهلية في جنوب السودان: العنف والتمرد وفشل صنع السلام" (256 صفحة، منشورات زد، 30 دولارًا)، ينتقدهم بشكل خاص. يقول إنه خلافًا لحركات مماثلة في أوغندا المجاورة وأثيوبيا وإريتريا، التي استلمت السلطة قبل جيل، لم تظهر الحركة الشعبية لتحرير السودان أي اهتمام، أو كفاءة، في إدارة أراضيها المحررة. وفي هذا السياق، قال دبلوماسي أفريقي رفيع المستوى للسيد فيرتين بسخرية: "إنهم نخبة من المغتربين. لا جذور! لا جذور على الإطلاق".

يختلف مارتيل وفيرتين ويونغ حول حجم مسؤولية الغرب في ما يتعلّق بالفوضى. لكنّهم متّحدون في تشاؤمهم بشأن المستقبل. يونغ، وهو ناقد يساري للسياسة الخارجية الأميركية، يتناول بإسهاب فكرة أن السماح ببساطة للحرب الأهلية بالاشتعال قد يسفر على المدى الطويل عن بناء دولة أكثر فاعلية مقارنة مع محادثات السلام التي توسّط لها (ودفع لأجلها) المجتمع الدولي. ويشير إلى أن الصراعات في إريتريا وإثيوبيا وأوغندا انتهت في ساحة المعركة، من دون أي تدخل دولي تقريبًا. ويتساءل فيرتين بجرأة عمّا إذا كان بؤس جنوب السودان، مثله مثل الحرب الأهلية الأميركية، "سيثبت في نهاية المطاف أنه جزء مرعب، لكن تنموي، من تحوّله إلى دولة قابلة للحياة". 

يستحق العناء

إنها فكرة كئيبة. كذلك اعتبر يونغ أن الاستقلال نفسه كان خطأ. لم نشهد من قبل أي حالة مماثلة لجنوب السودان، وهو بلد تم إنشاؤه من الصفر، من دون أي تاريخ من الحكم الذاتي. تم ّتعريف الهوية الوطنية لجنوب السودان، بقدر ما هي موجودة، في مواجهة الأعداء. واليوم، فإنّ مشاعر الاستياء العرقية الداخلية مؤلمة جدًا إلى درجة يصعب معها رؤية كيف يمكن التغلب عليها. في عام 2016، بعد عامين من النزاع الأهلي، صُدم فيرتين لسماع شاب عقلاني من قبيلة نوير يقول: "هؤلاء الدينكا ... مجرد حيوانات". وفي أوغندا التقى مارتيل بشابة تبلغ من العمر 21 عامًا تعرضت للضرب حتى الإجهاض، "وهذا جزء من نمط أوسع من التطهير العرقي [داخل الجنوب] صُمّم لإبعاد الناس لأجيال".

مع ذلك، مهما ثبت أن الاستقلال قاسٍ ومرهق، ربما لم يكن هناك بديل مقبول. كان هدف الحركة الشعبية لتحرير السودان التوصّل إلى الحكم الذاتي داخل اتّحاد فدرالي يركّز على الخرطوم في الشمال. لكنّ مثل هذا الحلم كان خادعًا على الأرجح: فالعداوة العرقية بين الشمال والجنوب كانت مترسّخة بعمق. في الشمال، ارتبط شكل الجنوبيين بالعبيد. ولطالما كان الجنوب مستعبدًا ومنفصلًا. في عام 1960، احتاج ريزارد كابوسينسكي، الكاتب البولندي، لتأشيرة خاصّة غير تأشيرته السودانية للذهاب إلى هناك. 

اجتمع مارتيل بمسن قُتل أطفاله السبعة أو تشتتوا بسبب القتال. سأله عما إذا كان الأمر يستحق كل هذا العناء في نهاية المطاف. أجاب الرجل من دون أن يرمش له جفن: " يستحقّ العناء. أصبح لدبنا بلد الآن".
    
أعدّت "إيلاف" هذا التقرير نقلًا عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:
https://www.economist.com/books-and-arts/2018/12/15/was-the-creation-of-the-worlds-newest-country-a-wise-idea


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. سؤال اذا اجبتم عليه - تعرفون من هو وراء الازمه في السودان
عدنان احسان- امريكا - GMT الجمعة 03 مايو 2019 16:31
من الذي قتل " جون غارانع " الدي كان سيكون افضل رئيس للسودان .. ولما واجه السودان اي مشاكل - ولاصبح السودان افضل الدول في افريقيا ،،،.. واسؤال لماذا اخفي هذا الملف -؟


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات