قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

"لست وحدي من يتكرر حدوثه أو زواله" (لطفية الدليمي / سيدات زحل)

تتكون الرواية من 35 كراسة وضعت في فصول، يروي أغلبها مصائرَ نساءٍ رافقها النحسُ الذي رمزت له بزحل فكانت الرواية "سيدات زحل".
تبدأ الأحداثُ في بغداد في نيسان 2008. و لكنها ستعود إلى الماضي القريب و البعيد مرارا. نفهم من رسالةٍ أرسلتها صديقةٌ لها، أنها عادت إلى بغداد بعد أن كان مقيمةً في عمان. صديقُتها تأمل أن تكون هذه العودة نهاية لآلامها. هذه السيدة التي ستكون محور الأحداث و الرواية، التبس الأمر عليها كما علينا: من هي و من تكون!

من هي؟
سيجد القارئ أن ما يوحي له بأنه التباسٌ ساقنا إليه تساؤل سيدةِ الرواية منذ السطور الأولى: "أأنا حياة البابلي، أم أنني أخرى؟؟ و من تكون آسيا كنعان التي احمل جوازها؟؟"، لم يكن التباساً، إنما هو تداخلٌ صنع بقصد يتعلق بمصائر تتجاوز مصير فرد، إلى مجموعة مصائر لمجموعة أشخاص، و بما أن هؤلاء الأشخاص موجودون في أزمنة مختلفة و في أمكنة متباينة، فإن هذا التداخل سيخدم على أنه أيضا عابرٌ للزمان و للمكان.
تقول: "أنا حفيدة زبيدة التميمية التي حلت ذاكرتُها في رأسي وفاضت إلي، أم تراني أنا زبيدةُ ذاتُها التي عشت واقعة عشقها الخاطف مع ناجي الراشدي زمن الوالي داوود باشا؟؟ من يؤكد لي؟؟ من بوسعه تقديم البراهين؟؟" 21

و ما تلبث أن تواصل تساؤلاتِها ببنيةٍ لغوية آسرة:
"كنت زبيدة العاشقة المعشوقة ابنة السابعة عشرة التي أبلغته سر النساء، ذلك الذي آل إلي من إرث العرافاتِ ناقلاتِ الحكمة في جلجلة الأنوثة، وصلني السر نقلا عن جدة جدات أبي أمينة خان الكردية الجميلة ومن جداتي اللاحقات: صفية العربية ذات العينين الشهلاوين الشاسعتين وآيتن التركمانية وآنوش الأرمنية، قرأته في تعويذة بشكل مرآة صغيرة من
الفضة وجدتُها في صندوق ثياب جدتي بين عقودٍ من الليرات الرشادية وأقراطٍ مرصعة بالياقوت وخواتم ذات طلاسم وبين عطورِ مسكٍ وذرورِ عنبرٍ وزيوت شذية" 21

هنا نلاحظ:
جعلتِ المرأة امرأةً شاملة من أصول و أعراق مختلفة.
إنها عبرتِ الزمان و المكان.
و هكذا مهدت الكاتبة الطريق لنا لكي نتابع هذا الخيط بسرورِ من اهتدى إلى بابٍ يقود لعوالم لا تزال حتى الآن افتراضية، سننتظر لنرى فيما إذا كان بمستطاع المفتاح الذي وُضِع بيدنا، فتح مغاليق القراءة المتأملة.

عودة إلى الضياع، الجوهر الإنساني
فحياة التي عادت إلى بغداد بعد الاحتلال تعيش في ظرف بالغة القسوة إذ تروي " في كل تلك الليالي والنهارات المروعة كان الشر يتنزه حولنا ويسخر منا، يغير سحنتَه كلَّ برهة، يصير صاروخا أو رجلا ملتحياً أو عبوةً ناسفة أو صديقًا يخون، ما أن نحدس اقترابَه ونتحسب له حتى يغير سيماءَه كحِرباءٍ ويكمن لنا بهيئة لا نتوقعها. (14)
و يلتبس الأمر على حياة (؟) حتى بالنسبة للأخريات فهي لم تتذكر راوية التي أرسلت لها التحياتِ عبر الرسالة فتجد أنها ستعرفُها حين تعرف هي نفسها من تكون، و تحسب أنها سوف تتذكرها حالما تفتح كراسات الحكايا التي تجد أن أطياف من فيها "تحوم حولها"..هذه الكراسات بدأت بكتابتها منذ سنوات و لكنها تفاجئ بأن الأسماء فيها تختفي، و تعود لتختفي مرة أخرى كلما أعادت كتابتها:
" أنا حياة، وهذه كراساتي التي شرعت بكتابتها منذ سنوات ودونت فيها حكاياتِنا، حكاية عشقنا الصاعق، قصص الفقد وأوجاع السجن و الاختفاءات، عار الخصاء وبتر اللسان، خزي اغتصاب البنات، دونت أكثر من ثلاثين كراسة طوال كارثة الحصار وحرب الاحتلال، وكنت كلما أنهيتُ واحدةً منها وعُدتُ إليها أفاجأ باختفاء الأسماء، فتختلط الأحداث، تمّحي أسماؤنا جميعا وتصبح الحكايات منسوبة للجميع فأعيد تدوين الأسماء لتختفي مرات ومرات حتى يئست من محاولاتي.."
تُواجَه محاولةُ تخصيصِ المأساة و تبويبها برفض المنطق لنهج ساد و طغى منذ بداية الحدث يظهر وقوعها وفق تبويبات و خانات طائفية و عرقية. في النص المقتبس يمّحي التخصيص و تختلط الأحداث فارضة المنطق: إن ما يجري يمس الجميع، لا احد، لا شيء بمنجى. هنا استجابة إبداعية لمنهج مدمر: اعتماد تبويب الضحايا و إلغاء الجوهر الإنساني و الاهتمام بالهوية الفرعية حتى في الممات.

في الزمان أيضا...
و تداوم الكاتبة على لسان حياة على موضوعة ديمومة المأساة و تمظهرها مرة و أخرى بشكل عابر للزمان يتسم بتداخل الشخصيات:
"أرعبتني فكرة ضياع الأسماء واختلاطها وعشت رعبًا مضاعفًا عشرات المرات، فقد يكون ما حدث لهالة في سجن أبي غريب قد وقع لي وما فعله رجال القاعدة بمنار وأهلها هو ما حدث لراوية ولعل ما جرى للمى هو ذات ما حدث لهيلين، وما فعله السجانون بأمي في أول السبعينيات قد يكون حدث معي على أيديهم في التسعينيات، ومن أعدم أخي ماجد في 1991 هو نفسه الذي خطف فتنة زوجة عمي الشيخ قيدار وأخصى طليقي حازم، زلزلتني الملابسات واشتباهي بما تبثه ذاكرتي وما تبقى في وعيي من جراح.."
و لكنها تعود و تحل إشكال الشخصية و بالتالي الزمان و المكان بـ:
"فلأتقبل أولا كوني حياة البابلي ولست آسيا كنعان التي حملت اسمها في جواز سفر مزور، علي أن أنشط ذاكرة حياة وأتبع أهواءها وأستسلم لها وليكن ما يكون.."
"حين حسمت أمري هدأت روحي وتوصلت إلى الإمساك بطرف من يقين."

المصائب الكامنة
تعيد حياة إلى الأذهان مرة أخرى في حلولها و تكررها ما يمر بها في حقب مختلفة و تتساءل، فيما إذا كانت هي وحدها التي تتذكر، أم يشاركها ناجي: "هل يعرف حقيقة الأحداث التي تناوبتنا بين عشق وتخلٍ وترحال طوال مائة وثمانين عاما؟ أم أن ذاكرتي هي التي تجوب الأمكنة؟" و تعيد إلينا تناوب الحقب على بغداد التي تنوعت و لمّت الجميع، فيما اليوم لا تستطيع أن تتعايش مع نفسها. و رغم أن ما يحيط بهم كان كله ساحرا، تجد أن ما يجري، إنما يجري في "أجواء بغداد الكدرة". لماذا هي كدرة رغم كل هذه المتع؟ إنه إسقاط
لما سوف يقع على ما كان قد وقع، على ما خزنته الذاكرة رغم صفاءه، فهي رغم كل أجواء الطرب و الإمتاع تقول إنها "مشفقة من فرط إحساسي بنذر المصائب" هذه المصائب التي تلوح لها" في فورة العناق وخرير اللذة المتدفق بيني وبين ناجي الراشدي".
"كان الوقت صيفا، خرج أبي صحبةَ الوالي داوود باشا يسهران مع ضيوف من سمرقند وتفليس وتطربهم في أجواء بغداد الكدرة المغنية السمرقندية فاتنة الملوك والسلاطين أفتاب خانم تترنح بهم الزوارق وسط دجلة في الريح مع عزف السنطور والعود وضيوف داود باشا يدخنون الأراكيل والأفيون الفارسي، بعضهم يحتسي القهوة الشكرلي الاستانبولية وشاي الكوجرات الأحمر من الهند أو شاي الليمون الأسود في القمرات المصنوعة من خشب الحور والتوت ونسيج الستائر الشيرازي، القناديل مضاءة في قمم النخل، وبغداد مكللة بنجوم حزينة تنذر بما يلوح وراء الليل أبعد من الغد قليلا، كنت مشفقة من فرط إحساسي بنذر المصائب التي ستضرب بغداد على عهد داود باشا وهي تلوح لي في فورة العناق وخرير اللذة المتدفق بيني وبين ناجي الراشدي، والوصائف يخدمننا ويقدمن لنا القهوة وحلوى الشكرلما و منّ السما مع مشروب الزنجبيل والنعناع.."
هذا التنوع الذي درجت بغداد عليه كان، حسبما رأت الرواية، ملغوما بالكراهية، ففيما كانت أيامها تبدو مسترخية إلا أنها كان تذخر الكارثة حتى باتت اليوم تتوارث الإقصاء و إلغاء المختلف فبعد أن "رفعت شعارات الحزب الواحد.. استبدلتها بالشعارات الطائفية" و بعد أن "رفعت صور القائد الواحد... استبدلتها بصور رجال الدين" ص 26 فقد "حرم حراس الفضائل من فوق المنابر تداول الشعر والروايات والقصص ووزعوا ملايين الكراريس المجانية التي تضم الأدعية و الابتهالات وأحكام التطهر وطرق النكاح الشرعية ونكاح الصغيرات وزواج المتعة وتزامن هذا مع تفجير المكتبات وحرق مخازن الكتب.."

و في هذا الإثناء كانت تماثيل الشعراء و شهرزاد تجول شوارع بغداد رغم الرصاص.

سرداب الرؤى و الأحلام
ما سوف يؤشر لأحد أهم ملامح الرواية هو موضوعة سرداب الرؤى و هو ما لم يستطع الأغراب فك مغاليقه لأنهم عابرون و مكتفون بالزائل من الأشياء إذ نجد في حديثها عن
اقتحام بيتها أنهم لم يجدوا شيئا رغم أن لديها الكثير لأن الأمر لا يتعلق بتقنية الرؤية و الكشف، إنما باختلاف حاسم بين ما هو متجذر و ما هو طارئ مقحم، فهي تحمد الله أنهم لم يكتشفوا سرداب الرؤى و الأحلام "لأنهم اكتفوا بالزائل"
اكتشفت حياة السرداب حين حدثها أبوها عنه قبيل انهياره بعد أن اعتقل بجريرة ابنه الذي لم ترض عنه السلطات، قال لها: هذا السرداب القابع تحت بيتنا كان مخبأ عمك أخي الشيخ قيدار حين لاحقوه بتهم تتعلق بالجمعية السرية التي أسسها، كان سردابنا منبعا لأحلامه وفتوحاته الروحانية. في السرداب كانت ثمة مرايا تعيد صورة الموتى و المفقودين و من خلالها تبدأ حياة بالتواصل مع الموجودون في المرايا:
- أنا أخوك مهند، تماسكي ونامي، هنا في الأعماق تكون الأشياء أكثر أمنا ووضوحا، لا تخافي من شيء طالما أهلك يحيون في المرايا..

قال لها أبوها.
و لأنه سرداب الرؤى فقد استشرف مرتادوه المستقبل...
" أخبرنا عمك بآخر رؤيا له وهو يغادرنا، قال ستمطر ذات ليلة مطرا لم تعهدوه من قبل ويجتاح بغداد طوفان عارم، وبعدها ستضرب بغداد باللهب وتمسي جحيما، إذا حدث ذلك بعد رحيلي، إنزلوا إلى السرداب واحتموا به ولا تسألوا عني فإن لدي ما أقوم به".
لم يكن السرداب هو المكان الوحيد الذي اختلف إليه عمُّها قيدار و لكنه كان مأمَنَه الأعزّ، فقد عثرت على ورقة بين أوراقه تشير إلى أنه كان يلوذ أيضا إلى معتكف في الطابق الثاني فوق البيت العراقي الذي ملكته السيدة أمل ابنة الحاج ياسين الخضيري حيث ثمة "غرفة تطل على دجلة وتمر أمام شرفتها قوارب الصيادين ويخوت المتنزهين وقوارب العشاق ودوريات الشرطة النهرية وكان يواصل العمل في كتابه عن بغداد".
و ينكشف لرؤاها العابرة للزمان كيف سطا القبح على ما هو جميل حين "كان نهابون يحملون سجادا وملابس تاريخية وأواني نحاس مطعمة بالمينا ولوحات خطت عليها آيات قرآنية بماء الذهب، وتحفا منحوتة ومنمنمات هندية، بعضهم كان يحمل أخشابا فككها من شناشيل البيت القديم وسلالمه، أحدهم ينوء تحت ثقل نافورة من رخام كانت تحتل الحوش الواسع بين شجر الرمان و شجيرات الفل والجوري ونباتات البنفسج الزاحفة والجيرانيوم،
كانوا يتنازعون صندوقا هنديا عتيقا مزينا بمسامير معدنية وحين رأوني تصوروا أنني من ملاك البيت أو أنني سأنازعهم الغنائم، وجه أحدهم فوهة مسدسه نحوي: قفي وإلا" 98
و في سردها لمواصفات المنهوبات و منشئها و كما هو حديثها عن جلسة السمر صحبة الوالي داوود باشا و تنوع الحضور ترينا كم كانت بغداد متنوعة الثقافات و الأصول و مصبا للثقافات جمع أشتات الساعين للمعرفة و الإبداع وفيها إشارة للمصير الكالح الذي آلت إليه و هو الأمر الذي سوف نجده في أكثر من موقع في الرواية.

جيل الجيفاريين و العقد الثوري
في أواخر الستينات كانت أجواء بغداد تنذر بالثورة، تفككت السلطة المركزية و تفاقمت تظاهرات و إضرابات طلاب الجامعات و المعامل، كان مثال جيفارا الثوري و أفكار اليسار هي الطاغية و انتشرت كتب ريجيس دوبرية الثورية و طُرح تغيير الحكم كطريق لا مناص منه. اليسار الرسمي كان قد انحدر إلى مهاوي اليمين و المهادنة فيما سقط اليسار البديل المنشق في التطرف و العزلة، حسب رواية كل طرف عن الآخر و تبادل الطرفان الاتهامات فيما كان يحضر لشيء آخر حتى أجهض الفعل الثوري بأكمله.
في هذا الإثناء تقرأ كراسة أمها، بهيجة التميمي و تتماهى معها فتقول بضمير المتكلم، كأنها أنا التي تروي عنها، كيف اعتقلت إثناء تظاهرات كلية الآداب عام 68، و حين حققوا معها و سألوها من الحزب الذي يقف وراءها و من زودهم بالمناشير تتساءل:
"من نحن؟ أكانوا يعدوننا من حزب يساري أو ماركسي يا للمفارقة!! نحن لم نكن من هؤلاء أو أولئك بل كان الجميع يطاردنا أو يحاولون جرنا إلى حظائرهم"

ثم تجيب
كنا مجموعة طلاب صغيرة نطلق على أنفسنا تندرا اسم (الجيفاريون) نقلد ثائرنا الحالم (تشي) نرتدي القمصان العسكرية والبيريهات السود ولا علاقة لنا بأي تنظيم، شغوفون بمثال ومتمردون على اليسار واليمين والأرض والسماء، كنا بلا بوصلة، جيفارا الوسيم كان أيقونتنا، وكفاحه الرومانسي حلمنا، نصبناه ملهما لنا وأقسمنا أن نترسم خطاه مثل كل الحالمين الطوباويين

قتامة
و بحديثها عن الحاضر الذي لا جدال في واقعه المأساوي و عن الماضي القريب و البعيد على أنه حاملا للشر و العنف الكامن، و شعورها الملازم بالكارثة المحيقة حتى في لحظات الصفاء و المتع، تنشر حياة غلالة من السواد تلقي بظلها على السرد كله و تجعله في جو قاتم.
يتكرر تعبير العار أو الخزي في مواقع متعددة، فهناك عار الخصاء، عار الاغتصاب، عار زواج مسيحية من مسلم... الخ، ففي الكراسة 30 ص 273 تتحدث هالة عن اغتصابها في السجن من قبل جندي أمريكي، و هيلين المسيحية من قرية صوريا مقيمة في بغداد تتزوج من محمود المسلم فيقول أبوها "جلبت لنا العار" .. و في "عار الاخصاء" نجد حازم يشتغل سرا في منظمات حقوق الإنسان إلى جانب عمله كأستاذ علوم سياسية و بعد عودته من سفرة الى تونس يعتقل مع آخرين، فيقوم طبيب بعملية لإزالة أعضاء فحولتهم و يتم الاحتفاظ بالأعضاء الذكرية المستأصلة في سائل الفورمالين.

و نستمر..
فراوية تجلب إلى بيت (حياة) خمسة أيتام. كان موظفو دار الأيتام قد هربوا و تركوهم خوفا من الدبابات الأمريكية، أما الحارس فقد سرق الحاسبة و اختفى، جاءت عوائل لا مأوى لها، سكنت البيت فطلب منهم احد الساكنين الجدد أن يجلبوا له أموالا عن طريق التسول مقابل بقاءهم. أكبر البنات فيهم اختطفتها الشرطة و لم تعد... لكن هيثم الذي يبيع سكائر للامريكان يطمئنهم انه سيوفر لهم مأوى، و ما أن يذهبوا معه حتى يجدوا أنفسهم في بيت دعارة و يُعطون حبوبا منومة و يُغتصبون بما في ذلك الأولاد.
نديم الذي أحب راوية و هاجر بعد أن أعطاها وعدا بأنه سوف يستدعيها و يتزوجها ، تزوج من امرأة بريطانية لها دور في السياسة الخارجية، يقول لها في رسالة تركها لدى أخته ان رجلا أمريكيا أعجب بها، و يترك لدى أخته رسالة لراوية يقول فيها..

"بجمالك وثقافتك تبقين محط أنظار الرجال وقد رأى صورتك معي صديق أمريكي وأبدى رغبته بالزواج منك، بهره جمالك وقال لي أرجوك هئ لي لقاءا معها وسوف أكافئك وأكافئها لا بد أن أحصل على هذه الفتاة العراقية مهما كان الثمن".. ص 285

شروق و لمى (كراسة 32 ص. 287 ) تعيشان سوية رغم اعتراض الأهل. تهاجر شروق الى الدنمارك فتنتحر لمى، تعود شروق فتقول لها حياة " سقوط بغداد هو الذي هو الذي قضى عليها لا تلومي نفسك.

الماضي القريب و البعيد
و فيما تتحرك الرواية على محور الحاضر و الماضي القريب في الغالب، فإن فيها في الوقت نفسه استعادة للماضي البعيد و خصوصا الفصول "بغداد" و "هولاكو في باب كلواذي" حتى نصل إلى الفصول "مدينة تولد من نار" و "عند ضريح الحلاج" (ص. 183 حتى 233).
في هذه الفصول يظهر المنصور كطاغية و عصر بني العباس معاديا للفكر و قاتلا يقمع كل صوت حر، فها هو الخليفة يأمر بصلب الحلاج "- اصلبوه، أقيموا محاكمة وأحضروا شهود الإثبات فينشغل العامة بأمر صلب الحلاج عن انقطاع الميرة والتجارة عن دار السلام وينسون عصيان الأقاليم وفتن الثغور.." يحدث ذلك فيما الخليفة مأخوذ بالسكر ومضطرب بالشهوات".
و تعكس الرواية ذلك على أجلى ما يكون في الحوار بين المنصور و أبي حنيفة النعمان الذي رفض تولي القضاء حتى واجه مصيره حين " بدأ الألم يفتك بذاكرته وأفرغ الرأس من وعيه والجسد من قوته وتلاشى صوته و غامت عيناه وفي اليوم الخامس عشر أمر المنصور بوضع السم في طعام أبي حنيفة وإلقاء بعضه على جلده المتقيح، فتقشر جلده في الحال وتناثرت مزق منه فغامت عيناه، وأدرك أنه سوف يقضي تحت سوط جلاده وطلب أن يتوضأ ويصلي لكن الجلاد عاجله بسوط أخير.."
ليس من مهمة النقاد و القراء التقييم التاريخي للحقائق التي ترد في الروايات و البحث من اجل ذلك في بطون الكتب و لكن قبل كل شيء التوظيف الإبداعي لمثل هذه الأحداث.
على أننا اذا ما راعينا هذا المعيار (أي التوظيف الإبداعي و ليس التدقيق التاريخي) كمرشد لعملنا في القراءة فإننا لا نستطيع أن نغفل أن هذه الفصول قد بنيت بناية لغوية محكمة مترابطة و شيقة من جهة و هي من جهة أخرى مرتبطة بزمانها، إلا أنها في الوقت نفسه عرضت علينا قطعة من السرد يختلف أسلوبيا عما ساد عموما.

خاتمة

تحاول الرواية أن تمسك بالخيط الرابط، لأنها تتحرك على محاور متعددة و مساحة جغرافية واسعة.
موضوع سرداب الرؤى و الأحلام و ما فيه من مرايا تخاطب الراحلين و تتواصل معهم، هذا الموضوع، كنت أتمنى كقارئ أن يُصار إلى الإمساك به كركيزة بنيوية تقود إلى الماضي، فيما عالم السطح يقود إلى الحاضر مثلا.
صِيرَ إلى تبني الإيغال في القبح و الفعل الشائن و استجابة طرق التعبير لذلك، فتمت مراكمة نوازع الشر على مساحة واسعة، فكانت الرواية انفجارا لخزين من الرؤى و الصياغات الشعرية و الأحداث في الماضي و الحاضر.
طالما تعلق الأمر بالرواية أو النصوص الطويلة جدا، فإن التماعات النص و تصاعد لغته الشعرية هنا و هناك تمثل تحديا يرتبط بوحدة البنية و التناغم الهيكلي من جهة و الحفاظ على الشد من جهة أخرى، و في الوقت الذي لا تواجه النصوص القصيرة، القصص القصيرة منها على وجه الخصوص مشاكل من هذا النوع في الغالب، فإن القارئ فيما يتعلق بالرواية يواجه صعوبة تتعلق باستمرار انسيابية السرد أو تتابع الصور على حد سواء، التحدي يتعلق بحقيقة أن توزيع الشد هو احد فنون الرواية المهمة.

ينزع القارئ إلى أن يبقى على "السكة"، و حتى في الحالات التي تخص تيارات الحداثة في الرواية و التي غيرت طرق القراءة و التذوق، فإن هذا التحديث الكبير في فن الرواية لم يمس ضرورة الحفاظ على البنية العامة، العكس صحيح تماما، فقد وجد المجددون أن المهمة باتت أصعب حين لا يتعلق الأمر بالسرد الكلاسيكي و تتابع الوقائع زمنيا.

 

برلين