قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بقلم - إيمان البستاني


الكتاب هو إحياء لذكريات بغداد الّتي كانت، والّتي يمكنها أن تعود كما كانت.......بهذه الكلمات تصف الكاتبة الدكتورة (مارغو كيرتيكار) كتابها ذو 350 صفحة باللغة الانكليزية الغلاف لونه رملي تتوسطه صورتها وهي يافعة برفقة العائلة أثناء رحلة لطاق كسرى بمنطقة المدائن الواقعة على بُعد أربعين كيلومترا تقريبا جنوب مدينة بغداد، تهدي كتابها لوطنها الصغير (عائلتها) بناتها وأحفادها وتذيله بمقولة للشاعر والعالم الصوفي جلال الدين الرومي
خارج مضمار الافكار ، كل مفاهيم الخير والشر ، الفضيلة والخطيئة ، هناك مرج واسع بلا نهاية ، سألقاك هناك
الكتاب ليس سيرة روائية ذاتية لكنه سيرة حياة مدينة كوزموبوليتانية اسمها (بغداد) في أربعينات وخمسينات القرن الماضي في أوج ازدهارها واحتضانها لناسها رغم اختلاف أعراقهم و قومياتهم ودياناتهم، في تشكيل موزائيكي من خلال عيون الكاتبة مارغو كيرتيكار، وهي مختصّة بالرّوحانيات ونالت شهادة دكتوراه في ما وراء الطّبيعة (الميتافيزيقيا)، حيث تقول كتبته لأحفادي وأحفادكم ليعرفوا كيف عشنا حياة بغدادية سعيدة لم نذق مثلها في أي مدينة أخرى ، كل الشخوص في الكتاب والأسماء حقيقية لم يتم تغييرها إلاّ ما ندر
يبدأ الكتاب في الفصل الأول عند ربيع 1959 بآخر وجبة فطور في فجر بغداد تشرب فيه (مارغو) "إستكان" شاي أخير مع والدها وتحاول أن تظهر بمظهر الحزينة على فراقهم ولكن فرحها للدّراسة في لندن لتتذوق طعم الحرية هناك جعلها لا تتقن دورها، جالسة في المطبخ بينما يعد الخدم لهم الفطور بين صياح الدّيكة ونداء المؤذن للصّلاة الصوت المحبب لها الذي ستفتقده طيلة حياتها، وحركة العائلة اخوانها (جورج) و(جوزيف) الملقب بزوزو وشقيقتها ( لورا) الأصغر منها بعامين والأضخم منها بالحجم والتي يحلو لها أن تجر شعرها كلما تشاجرا، بعد ضجيج الاستحمام ولبس الثياب، انحشروا جميعا في السيارة، والدتها (إيفون) وراء المقود بينما الأب يصب جام غضبه على طريقة قيادة زوجته الهادئة الطباع وفي المطار تجد الأهل والأصدقاء الّذين جاءوا لتوديعها، بعضهم يأكل الحسد قلبهم، كان قد انقضى وقت قصيرعلى ثورة 1958 ضد الملكية ، بغداد لازالت تترقب ويلفها حذر المجهول، كانت أياماً يتزاحم فيها الأجانب وأهل البلد مكتظين في المطار للمغادرة ليسكنوا بلاد الارض المعمورة وفيهم مرارة الأسى لما لحق من مصير أسود للعائلة المالكة في العراق ،عمو (ديمتري) كان حاضراً بهندامه الأنيق وشاربه المفتول دليل عز، وأخيه (مايكل) الأطول منه كثيراً مع زوجته (ماري) الأخت الكبرى لوالدتها المقيمين في دمشق مع أربعة صبيان
العم (ديمتري) لا يتكلم الإنكليزية لذا تحدث بالعربية مع والد مارغو متخوفاً من إرسال فتاة شابة لوحدها الى لندن، رد عليه والدها بأن لها أبناء عمومة سينتظرونها وستقيم معهم ريثما تستأجر داراً عندها ستلتحق بها كل العائلة، والدها أكبر من والدتها ب (17) عاماً له روح مرحة وأفكاره نصفها تقدمية يقابلها نصف آخر محافظ مرتبط بأصوله الهندية سريع الغضب في منتصف العقد الخامس من عمره، بدا عليه الفرح لتقبل ابنته محاولة المجازفة بالسفر وحدها وترتيب أمور العائلة بعد أن تغير حال كثير من العائلات بذهاب الملكية وقرروا مغادرة العراق، مارغو الصبية التي تتطلع للحرية كانت متيقنة من امتلاكها حاسة سادسة تنبئها بما سيحصل أو قوة فراسة لمعرفة المقابل وكانت والدتها تنعتها دائماً ب (الساحرة) ... بعد أن تعب الحضور من الانتظار، العمة (جولي) زوجة العم (ديمتري) مع بناتها كانوا أول المغادرين، توجهت لوالدتها قائلة ( إيفون علينا المغادرة البنات يعانين من التعب) وطبعت قبلة على خد (مارغو) بعد أن تركت عليه دوائر من أحمر شفاه قائلة الله معك يا ابنتي
عمو(جوزيف ) ابن عم (ديمتري) مع زوجته (جانيت) اللبنانية كانوا ثاني عائة تغادر مع بناتهم، كانوا الأقرب لمارغو معهم تشعر بأريحية كانوا يجتمعون كل أسبوع في الدار ليشرب الرجال العرق مع المزة وسط ضربات لعبة الطاولة والنسوان في قشبة مستمرة يتخللها استهلاك هائل للمكسرات ويسمح للأطفال باللعب والتهريج حول الدار عكس عائلة العم (ديمتري) كان الأطفال يرتدون في زيارتهم ملابس أيام الأحد ويشربون الليمونادة برشفات صغيرة وسط نظرات المراقبة من الكبار
هدى، صديقتها ابنة رجل مسلم وأم مسيحية، والدها صاحب مطبعة اُغلقت مرات عديدة بسبب السياسة كانت قد جاءت لتوديعها وغادرت بعد أن تأخر الإقلاع ولم يلتقيا بعدها حيث قرر والد هدى مغادرة العراق والاستقرار في نيوزلندا
ساعات الانتظار تتمطى بسبب استمرار عاصفة العجاج التي منعت الطّائرات من الإقلاع، واُغلق المطار لتعود (مارغو) مع أهلها إلى الدّار وتنتظر أربعة أيام طويلة كالدهر بعدها تمكنت من السفر إلى لندن
تقفز في الفصل الثّاني (وهذا ما نسميه بتداعي الأفكار) إلى عملية “عاصفة الصّحراء” عام 1990 وكانت (مارغو) آنذاك في مدينة لوزيرن في سويـسرا ، وحيدة، بعد طلاقها، بعيدة عن بناتها المتزوّجات، عندما اتصلت بها أختها من لندن وطلبت منها أن تشاهد الـ CNN
ورأت مارغو بغداد تحترق تحت قنابل الأمريكان … وبكت طيلة النّهار. ويعود بها هذا، في الفصل الثّالث، إلى بغداد مدينة السّلام المفتوحة على العالم أيام صباها ...تصف بيوتاتها على طول شارع الرشيد ،الاسطوانات التي تصدح بأغاني أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وأسـمهان، المقاهي بضجيج روادها وهم يلعبون الطاولة والدومينو، مذاق الخبز العراقي الخارج تواً من التنور، الكباب العراقي لا يكون كباباً الا في العراق، رائحة دخان المسكوف، عربات الخيل والأجراس المدلاة برقاب الخيل والتي تتفوق عليها كلمة ( بالك يابا ) المنطلقة من أفواه العتالين ، نداءات الباعة المتجولين، المحال التجارية (الاورزدي باك) على رأسها
كان هناك في الاربعينات محل في شارع الرشيد لصاحبه سيد ( كوثري) يبيع الملابس والاقمشة والاكسسوارات من ساري مزركش وصنادل نسائية مطعمة بالخرز تستخدمها عادة نساء الجالية الهندية والباكستانية في بغداد، لكوثري زوجة تظهر معه في الدعوات التي تنعقد في البيوتات، كانت فتية وجميلة ذات بشرة عاجية وشعر قصير لا يصل الأذن دليل تحررها، ويرجح أنها تزوجته مرغمة، البعض يمدحون (كوثري) وآخرون يذموه ولكنه كان يحمل عل كتفيه رأس تجاري محنك بلغة الأرقام وكيفية جني الأرباح، كان يحب أن يستعرض غناه وثروته وكان يغطي زوجته الجميلة بالمجوهرات من رأسها الى إصبع قدمها المزين بالخواتم والمحشور بصندل غالي الثمن، مع كل ثروته كانت نظراته حزينة وضحكته مفتعلة تعكس حزن روحه لكونه لم يرزق بأولاد رغم مرور (١٠) سنوات على زواجه، كان يهرب بها في إجازة خلال شهري تموز وآب عندما تبدأ شمس بغداد بالغليان

وفي سوق الشورجة، كان الباعة يحلفون بالله على جودة بضاعتهم مقابل رخص أسعارها، يقابلهم مشترون يحلفون بالله بأنهم لا يملكون كل ثمنها، وسط كل هذه الاشارة إلى (الله) آلاف المرات في اليوم الواحد على طول شريط الدكاكين في السوق كان الكل يكذب! والله يغفر لهم! لأنهم فقط حتى لو كذبوا لكنهم لازالوا يتذكروه
في فصل تالي بعنوان ( الحب جاء الى بغداد ربيع 1938) تسرد دكتورة (مارغو) حكاية زواج والداها وكيف كانت لعبة قدر لمحاسب هندي يعمل لصالح شركة نفط بريطانية في بغداد يتقاضى دخل جيد و ثابت ولم يبق إلاّ أن يؤسس أسرة، وبنصيحة من صديق يوناني اقترح عليه أن أراد أن يقترن بفتاة عليه أن يسافر صوب الشام حيث تمتاز نساؤهن بالجمال والتعليم وبراعة الطبخ
وليم، الشاب الوسيم وصديقه اليوناني (اليكسوس) يتجولان بشوارع دمشق وفي منطقة (باب توما) تمر من جانبهما فتاتان إحداهما كان كيوبيد يتربع على كتفها ليرسل سهم الحب لقلب (وليم)، لم يعد (وليم) لبغداد إلا ومعه عروسه (إيفون) الشابة الجميلة مسيحية الديانة التي اشترطت على عريسها ان يترك الهندوسية ويعتنق ديانتها شرطاً ملزماً
وليم كان اجداده من (بومبي) والده توفي مبكراً لم يحتمل قلبه مغامرات أخيه وضياع ممتلكاتهم بلعبة القمار تاركاَ زوجة بحملها الثقيل من إعالة وتربية سبعة أولاد ثلاثة منهم سبحوا ضد التيار الابن الأكبر تزوج بفتاة والدها ألماني فحصل على خصام العائلة والأوسط اقترن بأرملة أكبر منه سناً لها ولدان فتفوق على عقوبة أخيه الأكبر كون هكذا زواج يعتبر فضيحة ....وبقى (وليم) الذي قرر أن يطوف المدن ليعمل لإعالة والدته فخاصمته لتركه الدار وقالت له ستحل عليكم لعنتي ....إحساس الضيق لم يغادره لما سبب من ألم لوالدته وقذفت به الأقدار ليعمل ويستقر في بغداد ويتزوج ويغير ديانته
عائلة (إيفون) الشامية تنحدر من عائلة (نحات) جدها ( أنطون نحات) من مشاهير صنّاع الة العود و زوجته (زكية) الفارعة الطول والتي بقت في ثمانينات عمرها تكحل عينيها بالكحل كل صباح بعد أن ترتشف فنجان قهوتها ، سيدة ذات حضور طاغي وسلطة مستبدة ، لم تكن ابنتها (إيفون) والدة مارغو شبيهة بأمها ، كانت هادئة لا تحب المبالغات تعض على شفتها لكظم غيضها وإذا زاد عن حده تلتجأ إلى غرفتها لتبكي ....أشقاؤها (فؤاد) و( ايميل) و(ماريا) و( جورجيت) كل واحد له طباع وأقدار مغايرة
تزوجا (وليم وإيفون) واستقرا في بغداد ليرزقا ب (مارغو) تبعتها ولادة بنت أخرى (لورا) وعندما جاء (جورج) تحول اسم العائلة من (أبو وأم مارغو) إلى (أبو وأم جورج) أحكام وعادات المجتمع الذكوري بتقديم الذكر على الأنثى ، حالة ضايقت كاتبتنا طوال حياتها ولم تستسغها
سننتقل الى مدرسة الراهبات في الباب الشرجي حيث التحقت (مارغو) وهي بعمر ثلاث سنوات للبقاء طيلة النهار في مرحلة رياض الأطفال علاج ناجع لما تعانيه من حالة اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط
كانت تعاني اضطرابا نفسيا يجعلها غير قادرة على اتباع الأوامر أو السيطرة على تصرفاتها، وتجد صعوبة بالغة في الانتباه للقوانين والاندماج في الصف، ولا تتقيد بالقوانين مما يؤدي إلى تدهور أدائها المدرسي بسبب عدم قدرتها على التركيز ليس لأنها غير ذكية، هذا مما جعلها تمل بعد فترة وتتسلل لصفوف الأولى للالتحاق بهم لهذا ذاقت العائلة طعم الراحة حين كانت تمضي (مارغو) نهارها الطويل في المدرسة تقفز وتلعب وتتعلم الأناشيد، المشكلة عندما تعود للدار تريد أن تعيد كل نشاطها وماتعلمته خلال النهار ليتفرج عليها أفراد العائلة وسط فخر الاب بأن ابنته الصغيرة التي لا تكاد تبلغ أربع سنوات تستطيع أن تتحدث ثلاث لغات العربية والإنكليزية والفرنسية
وتحكي (مارغو) عن نظام مدرسة الراهبات المامير والماسيرات ،والصرامة التي يفرضها الكادر التدريسي ثم تصف زميلاتها ومن أية بيوت ينحدرن فيهن بنات وزراء وباشوات وكانت هناك فتاة من العائلة الهاشمية كان مفترض أن يتزوجها الملك فيصل الثاني ولكنه اختار خطيبة تركية باهرة الجمال، ثم تصف طقوس احياء الجمعة العظيمة والمشي بدرب الصليب حاملات شموع وينشدن طوال النهار حتى يبح صوتهن، هناك باص مدرسي ينقل الطالبات الساكنات بعيداً اما (مارغو) الساكنة بالقرب فكان يوصلها الحارس (داود) لمدرستها يومياً رافعاً إياها لتجلس على كتفيه مرتدياً (الدشداشة) ويزيد عليها جاكيت عندما يحل الشتاء وإذا غاب (داود) حل محله الفراش (حميد) واسطة النقل تكون دراجة هوائية يجلسها أمامه وعادة ما كان يرتدي زياً خاكيا بأزرار لماعة
تبدع الكاتبة عندما تخصص فصول لوصف الحياة البغدادية وكيف كانوا يرتادون السينمات وماهي الأفلام التي يشاهدونها وكيف يتهيأون كل شهر للذهاب لمشاهدة الأفلام الاجنبية والعربية وكيف يقلدون الممثلات في قصات الشعر والأزياء وعادة ما يجلسون في (لوج) خاص بهم مع أكياس المكسرات وقناني المرطبات وتغرق القاعة في الصمت لحظة عرض الفيلم ويبقى صوت واحد مسموع هو إبرالحياكة بيد والدتها (إيفون) تحيك بلوزة تنظر للفيلم ويدها تعمل كأنها ماكنة لا تبالي بعتمة المكان دون أن تتسبب في أي خطأ، ثم تصف البيوتات البغدادية وطرق تخزين المواد الغذائية وتحضيراتها وقيلولة الظهر التموزية المقدسة التي تفلت منها لتلعب في الحديقة فكان والدها يضمها بقربه ويحبسها تحت رجله لكنها تفلت بعد ان تتأكد من نومه بعد أول تشخيرة، ثم تصف عملية تنظيف السجاد والقائمين عليها في كل بداية صيف وكيفية تخزينها للموسم القادم، زياراتهم لعائلة ( أم جورج) قارئة الفنجان التي يصدق والدها كل تنبؤاتها
زارت دمشق وتنقلت في أزقة وبيوتات باب توما وارتعبت من سطوة جدتها (زكية) ومراقبتها لخالها (فؤاد) والتسلل لغرفته في الطابق الثالث عبر سلم خشبي كادت أن تسقط منه لكشف محتوياتها علها تجد تفسيراً لغموضه وتجهمه ، خالها (ايميل) بشعره اللامع أجبرته على تعليمها الرقص، هناك شربت أول مرة قدح حليب الماعز الذي يصل للأبواب من يد بائع يحمله صباحاً بعد حلبه مباشرة، تصف جمال بنات الجيران وتفننهن في إعداد الحلويات
هناك جاليات أجنبية وعربية عاشت في بغداد وتأقلمت وعشقت الحياة فيها، منها الطبيب ( دي سوزا) البرتغالي وزوجته الطبيبة الروسية الذين اتخذوا من دارهم في شارع الرشيد سكناً وعيادة حيث يفضل العراقييون أن تعالج نساءهم طبيبة فكانوا حصة الطبيبة الروسية، انتقلوا لدار جديد كانت سبباً لوفاة الطبيب لقفزه من السطح الى الشرفة لمحاولة الخروج من السطح المقفل بابه فتهشمت الشرفة تحته من ثقل وزنه ومات في الحال
هناك عائلة جميلة، الزوج عراقي يعمل مدير بنك في بغداد زوجته خالة (سونة) مصرية تعج بالحياة طاقة متفجرة بالنشاط ترتدي كعارضات الموضة بيتها متحف ومسرح كل ركن فيه لوحات ثمينة وورد وتحف من كل دول العالم وبيانو كبير يجلس عليه عازف أثناء دعواتها الروتينة للأصدقاء وحفلات الكوكتيل والخدم يطوفون القصر بصواني عليها أقداح الشمبانيا والمارتيني يرتدون قفازات بيضاء
هناك عوائل مسلمة لاتقل في أتيكيت حفلاتها عن الأجانب،عائلة (أبوعصام) الرجل الضخم السلطوي و زوجته الجميلة التي لا تخرج أبداً دون أن تلبس (العباية) محافظة تختلف عن مرح خالة (سونة) لهم سائق للدار عبدأ اسود يقود سيارتهم الشفروليه الفارهة، عندما يقيمون مأدبة للأصدقاء تفاجئك (أم عصام) بأناقتها المفرطة وعقدها اللؤلؤي وهي تقود النساء إلى صالة مخصصة وللرجال صالة أخرى ضيافتهم مسؤولية (أبوعصام) عكس مأدبات الأجانب حيث يختلط الجمعان في مكان واحد
أما دعوات العوائل الهندية حيث تعقد كل ثلاثة اشهر ، النساء مرتديات الساري بألوانه البراقة وزينتهن ونقش الحناء يزين كفوفهن وأقدامهن ينحشرن في المطبخ لإعداد الأطباق الشهية بتوابلها والرجال يلعبون الورق (البوكر) وأحيانا يحلو لوالد (مارغو) الضرب على الطبلة والغناء، هو ليس غناءً بل أقرب إلى النعيق لكنه مسرور لا يبالي، وحين يحضر الأكل تفترش طاولة كبيرة بكل الطعام صحون رئيسية مقبلات عكس مأدبات الأجانب حيث يقدم طبق تلو الاخر
جيش الأطفال يخصص له غرفة كبيرة مفروشة بسجاد إيراني مع وسائد للإتكاء عليها والكل يأكل بيده، وعند الانتهاء تأتي صحون الحلويات ويبدأ الرجال بطقس السكائر والويسكي والنساء يتنفسن الصعداء والاطفال يلعبون، هناك تاجر هندي معهم يجلب معه حقيبة مليئة بالأحجار الكريمة يضعها على الطاولة ويبدأ الرجال بأختيار ما يرضي زوجاتهم ...ما تم شرائه من مصوغات وحلي وأحجار كريمة اضطرت عائلة (مارغو) لبيعه تدريجياً خلال إقامتهم في لندن بعدأ ان غادروا العراق
في منتصف الخمسينات بعد وفاة والدته قرر والد (مارغو) زيارة الهند لرؤية أشقائه، بقوا شهراً ذاب فيه كل ثلج القطيعة وبالغ والد (مارغو) في كرمه وهداياه ودعواته للعائلة الكبيرة في فندق (ريتس) حتى ظن أهله بأنه مليونير حقيقي هبط عليهم من بغداد بعد غياب
قررت (مارغو) أن تكمل دراستها في مدرسة إنكليزية خاصة في مدينة (بنغالور) وهي ثالث أكبر مدينة هندية، لم يوافق والدها على طلبها حتى تصطحب شقيقتها (لورا) معها، كانت عامين مفرحين لمارغو بائسين للورا، لم تنس (مارغو) في أول رؤيا لها تنبئها بما سيحصل، عندما وقفت صباحا سيارتي شرطة أمام بيت مس (دالتون) المديرة الانكليزية الساكنة قرب المجمع الدراسي، صاحت (لورا) على شقيقتها (مارغو) تخبرها عن مشهد الشرطة، أجابتها بانها تعرف السبب لأنها شاهدت ما حصل ليلة أمس بكل تفاصيله في كابوس رأت فيه رجل يهاجم مس (دالتون) بقميص نومها يحمل سكينا يقطع إصبعها ويشتبك معها في قتال تلطخت الجدران بدمائها قبل ان يطعنها ويرديها قتيلة على الفور
عند عودتها قررت (مارغو) العمل لإثبات شخصيتها رغم معارضة والدها وأخيرا انصاع لعنادها وعملت كاتبة على آلة طابعة ثم سكرتيرة في شركات نفط وهندسية وتجرأت واقتنت لها سيارة خاصة أيام كانت بغداد تتذوق الهامبرغر مع الكوكا كولا
تعثرت في أول علاقاتها العاطفية وكادت أن تسبب للعائلة فضيحة من العيار الثقيل، توالت الأحداث وصحا الجميع صباح يوم تموزي على خبر مقتل العائلة الملكية وانقلاب حكم البلد إلى جمهوري وانقلاب حال كثير من العوائل فقرروا الجميع المغادرة لذا غادرت (مارغو) الى لندن لتهيئ لعائلتها مكان إقامتهم الجديد الذي لم يرق للوالد والوالدة وحتى الأولاد نمط الحياة الجديدة وتحدياتها وقسوة التعلم على كبر في حياة اختلفت كليا عن حياة النعيم البغدادية
ستكون للقارئ متعة الغوص في التفاصيل والتجارب التي عاشتها الكاتبة وكيف بقى قلبها معلقاً هناك في (بغداد) تبكي لحروب البلد المتسلسة التي تشاهدها عبر جهاز التلفاز، تصدم ضيوفها الأمريكان بكذب افتراءاتهم لشن حروبهم، تغلي روحها إذا ما أحست هناك خطر جديد على بغدادها، تأنس وتهدأ لسماع صوت الآذان وتطلب من ابن أخيها الذي يعمل في السعودية أن يرسل لها تسجيل قديم للقرآن الكريم، بعد اسبوع وصلها (24) شريطاً حيث تقول لا أحب تسجيلات هذه الايام ولا الآذان المذاع بالمكبرات كل ما أريده هو صوت آذان في فجر بغداد أيام كانت سماؤها مليئة بالنجوم و منظر والدها مستئجراً عربة خيل والسائس بدشداشته وحزامه ينزل المشتريات لباب الدار ورقصتنا ونحن شباب على أنغام الروك اندرول، وتنهي كلامها بقولها إني سعيت في الأرض وسكنت أوطاناً واكتسبت ثقافات، وتعلّمت وكبرت وتغيّرت، فإنّي لا أستطيع أن أنكر أصلي وتبقى بغداد حيّة في قلبي وإذا ما جٌرِحت بغداد وتَألمت جـُرحتُ وتألمـتُ

ولكنّ الكتاب لم ينته عند ذلك، فقد ألحقت به مارغو كيرتيكار “كلمة مؤخرة ” أي “خاتمة”، وملحق عن المسيحيين والأرمن والكرد الفيلية والكنائس العراقية، وقاموس صغير للكلمات العراقية الّتي وردت في الكتاب، ثمّ ذكرت المراجع الّتي استعملتها في كتابة نصّها، وأنهت كتابها بألبوم صور عن حياتها وعن بغداد في العقدين الذّهبيين
أنتهى