الزمكان

تكونُ بذلك خطواتُنا، حياة الرّايس وانا، قد تقاطعت او وقع القدم على القدم، هذا ما شعرتُ بهذا وانا أقرأ "بغداد وقد انتصف الليل فيها". لكننا لم نلتق. اذ حين نكون مررنا بأماكن مشتركة كثيرة، نكون مررنا بها في ازمنة مختلفة. وحّدَنا المكان وفرقنا الزمان. وعدا عن تفاصيل المكان المشتركة الحميمة، نكون في اثناء ذلك قابلنا الكثير من الأشخاص كمعارف مشتركين، نظرنا إليهم ربما من زوايا مختلفة حتى وإن كانوا عندي أصغر عمرا وعندها قد كبروا أو ربما شاخوا. فطريقة المشي المميزة لمدني صالح، أستاذ الفلسفة الالمعي، غريب الاطوار، القادم من هيت أعالي الفرات وسترته وقد مالت على احد الجانبين وهو يحتضن مجموعة من أوراقٍ وكتب، كثيرا ما جذبت انظارنا اليها، نحن طلبة الآداب، موحية لنا بنمط تفكيره المميز، الفائق الاستقلالية والمشاكس، كما أكدته مقالاته اللاحقة في صحيفة الجمهورية التي تابعتها باهتمام. الانطباعات التي وصلتنا عن طريق قراءة لغة الجسد وطرائق التصرف، وصلت لاحقا لحياة الريس بصورة أكثر تفصيلا، كما عكستها هي بتعاطف واعجاب، فقد كان مدني صالح استاذها وله عندها موقع خاص.

وصلت حياة الرّايس "بغداد" عام ١٩٧٧ "وقد انتصف الليل فيها" قادمةً من تونس من عائلة تونسية محافظة لابٍ متنور لكنه متمسك بتقاليده المحلية والوطنية كاره للاستعمار الفرنسي. فيما أكون انا قد تخرجت من الكلية نفسها عام ١٩٧٠. فصل بين تخرجي من كلية الآداب وبداية دراسة الرّايس لحين الانتهاء منها سنين عصفت بها وبالعراق متغيرات، أشدها وقعا الحرب العراقية الإيرانية التي كادت تطيح بسنتها الدراسية الأخيرة في الكلية. فيما كانت سنتي الأخيرة في الكلية أيضا قد تهددت لسبب مختلف الظاهر متشابه الجوهر. فقد صدر بحقي أمر بإلقاء القبض بسبب نشاطي السياسي بعد يوم واحد من حصولي على شهادة التخرج.

كانت حياة الرّايس في تونس حين تطورت المناوشاتُ بين العراق وإيران الى حرب واسعة الجبهات. سكنَ الخوفُ حياةً، انها قد تفقد سنتها الأخيرة الحاسمة من الدراسة، ولكنها تدبرت امرها وعادت الى بغداد اثناء القصف ودوي المدافع وأزيز الطائرات عن طريق البر قادمة من الأردن. تكتب حياة الرّايس ان دوافعها للعودة لم يكن اكمال دراستها فقط، بل الوفاء وعدم التنكر للبلد الذي قدم لها الفرصة للدارسة والحصول على شهادة البكالوريوس في الفلسفة، البلد الذي عاشت فيه حياةُ حياةً، كانت رغم تنوع الوانها بين مقبلةٍ ومدبرة، الا انها كانت ثرية. كانت الرايس قد عاشت حادث قصف مروع قامت به طائرات إيرانية اثناء سفرها مع زميلة وزميل الى بلدة المدائن او سلمان باك.

لكن خطواتِنا لم تتقاطع في أروقة الكلية البغدادية العريقة فقط، انما أيضا في بعضِ احياء تونس العاصمة. فالأماكنُ التي تعرضت الرّايس لها في تونس، اعادني السرد اليها فوجدت نفسي فيها مجددا بعد حوالي ربع قرن من زيارتي لها لكن بوضعٍ آخر. تزداد كلماتُ حياة الرّايس عذوبةً ورقة في موقعين اكثرَ من غيرهما:

حين تصف الأماكن التي عاشت فيها واحبتها، سواء في بغداد او عرضا في باريس وأيضا، بل وخصوصا في أماكن مثل تونس العاصمة وجامع الزيتونة والاحياء القديمة التي وقعت خلفه، كما وشارع بورقيبة الفسيح المزين بخطوط من الشجر وجموع من الناس ومقاهٍ تظهر ديناميكية الجمع المديني. كما تذهب بنا الى احياء سيدي بوسعيد بلون بيوتها الأبيض المتألق في ضوء الشمس ولون شبابيكها الذي يحاكي لون البحر، ذاك الساحر المختلف الذي لو نظرت اليه من علٍ لأدهشك نقاء اللون اللازوردي لمائه. كل هذه الأماكن كانت انيسي حين زرت تونس عام ١٩٩٧ حيث هناك أيضا وقع القدم على القدم. ولكن هذه الأماكن الأليفة بدت لي بطريقة ما مختلفة. فالوصف الذي صارت اليه حياة الرّايس قادني الى ان أتأملها تأملَ المتريث الفاحص على نقيض العابر المنشغل الذي كنته حين زرتها.

توحي لي قراءاتُ المكان، دقةُ الوصفِ وحميميتُه في بغداد وتونس، والأماكن التي يعرفها كلانا، كما لو أنا كُنّا في وقتٍ ما نسير في شارع بورقيبة او في حي الوزيرية الهادئ او في أزقةِ سيدي بوسعيد. أو اننا اختلفنا الى نفس المطعم او

المقهى وتحدثنا إلى نفس النادل أو اننا تأملنا واجهةَ بناية مثيرة للفضول دون ان نفطِن لبعضنا الاخر. وحتى الوجوه التي ألِفتها الرّايس هي وجوهٌ مرّت علي، تفحصنا نحنُ الاثنين ملامحَها، حتى وان خرجنا منها بانطباعات مختلفة.

الموقعُ الآخر الذي تكتبُ عنه حياة الرّايس بمحبةٍ فائقة بما يضفي على لغتها ألقا، هو الأجواء العائلية. البعدُ والحنينُ يعملان كمُرشِحين للوقائع التي مرّتْ علينا وغادرتنا، مُرّشِح يستبعد الازعاجاتِ الطارئة التي تعكّرُ الرؤية المجردة. يُظهرُ الحنينُ الصورةَ المستعادةَ على ألقها. وفي موضوعة العلاقات العائلية والتركيبة الاجتماعية يتجاوز تناول الرّايس لها ما يجعلها مجرد نوستالجيا ويرقى بها الى مستوىً من التحليل السوسيولوجي الذي يتوفر على طلاوة. هناك في حديث الرايس عن العائلة التونسية نوع من التوثيق للجانب الاجتماعي والاسري ورسم صورة لسلطة الاب في مجتمعاتنا.

وصف الرّايس للاماكن والأجواء العائلية فيه رقةٌ ودفقُ مشاعر يجعلها قطعا أدبية فائقة الجمال. فهي احبت الأماكن واجواء العائلة في تونس والروابط الاسرية المشتبكة. كما واحبت الأماكن في بغداد، تلك التي تأثثت بالزمالة والصداقة مع العديد من الطلاب والطالبات. هذا على خلاف أجواء الكآبة والوحدة التي عاشتها اول وصولها القسم الداخلي والتي ما لبثت ان تبددت بعد ان تدفق العديد من الطالبات من بلدان عربية مختلفة.

"وكانت عادة عندنا بنابل أن لا نكبّ ماء الميت الذي يُرجعه من فمه ونسقي به شجرة نسميها على اسمه"... "كانت عمتي دوجة لا تستطيع الاحتفاظ بالضنا" كما كتبت في ص٣٨، ولكن ابنة لها، اسمها "حورية" عاشت حتى حولها الأول. كانت الام تضعها تحت شجرة الياسمين تلاعبها وتناغيها. لكن بومةً مرة فماتت البنت ولفظت الماء الذي سُقيت به حتى ماتت. هذا الماء هو الذي سقيت به الياسمينة. ودون ان تذكر ذلك نجد اننا عرفنا ان شجرة ياسمين قد صار اسمها "حورية".

كنت أتمنى ان يُصار الى الاشتغال على هذه الحادثة المدهشة الى المزيد من السرد المحلق.

ومن وضعها الخاص وخصائص شخصيتها تطرح الكاتبة في الصفحة ٧٠ وما يليها أسئلة وجودية. تبدو انها منذ البداية كانت تعيش احلامها التي جعلتها لا تندمج من نمط تفكير وسلوك اقرانها من البنات. "مقصيّة عن اصحابي وعن طفولتي، مبليّة بأحلام شاهقة". هذا الحلم هو الذي رفعها عن واقع الحياة اليومية ومنحها استقلالية جلية وصار بها الى السعي للبحث عن الذات، وهو ما جعلها تهتدي الى الابداع.

وفي مسار سرد الاحداث يكتشف القارئ سعة الجانب المعرفي لدى الكاتبة وحسن توظيفه على أفضل وجه، الامر الذي جعلها تسلط الضوء على الأماكن والشخصيات، ما جسّد الحدث واخرجه من تجريده الى ملموسيته.

ووسط التعاطف مع قضية العراق دائما، لم تغفل الرّايس الإشارة الى علل المجتمعات التي قادتها أنظمة شمولية.