قدم يوسف شاهين-في اعتقادنا-ثلاث قمم للسينما العالمية " الأرض "(1969) و " باب الحديد" (1958) و"الاختيار"(1971). كما أنجز عملين قويين، ثقافيا وسياسيا، هما "العصفور"(1972) و "المصير"(1997) وفيلما غنائيا متميزا:" بياع الخواتم "(1965) مع الأخوين رحباني وفيروز.
إن تجربة يوسف شاهين السينمائية نموذجية على أكثر من صعيد .وهي جديرة بالرصد والسبر والاستكشاف والنقد. فهي رائدة وتأسيسية، ولذلك فهي تحبل بكل ما تنطوي عليه التجارب التأسيسية عادة من إبداع وتجاوز واستشراف من جهة وقلق في الرؤية والأسلوب من جهة أخرى.
وتتجلى فرادة ونموذجية تجربته الفنية، في اعتبارنا، مما يلي:
1- التجريب:
أنجز يوسف شاهين أفلاما كلاسيكية كثيرة انطوى بعضها على عناصر تجريبية واضحة. لم يكن من الممكن تجاوز كل الإكراهات التدبيرية والإنتاجية والتأليفية والتسويقية ،وإنتاج أفلام منفصلة عن السينما الرائجة في الخمسينيات خاصة . وقد استدعت هذه الإكراهات، إنتاج أفلام كلاسيكية أو ميلودرامية غير محققة لأي تجاوز فني أو جمالي أو تقني مثل :" المهرج الكبير "(1952) و " سيدة القطار"(1952)و" رجل في حياتي "(1961) و "نداء العشاق "(1960) و " نساء بلا رجال "(1953) و " أنت حبيبي " (1957)... إلخ.
ومن الجدير بالذكر أنه اضطر في أحايين كثيرة ،إلى إخراج أفلام ،وضع تصوراتها الأولى مخرجون آخرون ؛ونشير هنا بالتحديد إلى فيلم " جميلة " (1958)و" الناصر صلاح الدين "(1963) و "بياع الخواتم ".
أعلن يوسف شاهين عن ميوله إلى التجريب وارتياد مناطق تعبيرية وجمالية جديدة ، منذ تجربته السينمائية الأولى " بابا أمين " (1949). ومن الطريف أن لا يحظى هذا العمل الفني بعناية نقدية كبرى، رغم طرافته وتجريبيته وتضمنه إشارات ورموز وأساليب تعبيرية ،عمل شاهين على إبرازها وتطويرها في أعماله الفنية اللاحقة . كان التجريب ممكنا بفعل المثاقفة والتفاعل مع مستجدات السينما العالمية (السينما الأمريكية والإيطالية والفرنسية .. إلخ) ، وكذلك بفعل الرغبة في الفرادة والابتعاد عن الطرائق والأساليب الفنية والإخراجية المعهودة في السينما المصرية الكلاسيكية ( محمد كريم وعز الدين ذو الفقار ومحمود ذو الفقار وكامل التلمساني و أحمد بدرخان ونيازي مصطفى... إلخ ) .
حاول شاهين الابتعاد عن الكلاسيكية، في الكتابة والتأليف وإدارة الممثلين واختيار أماكن وزوايا التصوير والإخراج. وبما أن تطوير الرؤية يقتضي تطوير الأسلوب، فإنه عمد إلى تجريب أكثر من أسلوب، واستلهام التجارب السينمائية العالمية الطليعية.
التجأ إلى التوثيق التاريخي والشخصي، في " إسكندرية ليه ؟ "(1978)؛ كما وظف معطيات ثقافية إثنوغرافية نوبية في " الناس والنيل "(1972) و مغربية في " رمال من ذهب "(1966) ،لرفد السياق الدرامي وتعضيده ،و إبراز جاذبية الفضاءات والأمكنة ودورها في تشكيل الأمزجة والحساسيات واتجاهات السلوك. ينتقل مشاهد هذه الأفلام من التماهي مع مسارات السرد الفيلمي إلى التمعن العقلي في أحداث التاريخ ومآسيه ومفردات الإثنوغرافيا وتعابير المتخيل الجمعي.
و قد أطلق العنان للتخييل والفانتازيا في " إسكندرية كمان وكمان (1990)؛إن التخييل الجامح والفانتازيا ، يساعدان ،في الواقع ، على ملامسة المضمر والمسكوت عنه وإنارة الدوائر المعتمة في الذات وفي العلائق المعلنة والسرية المنسوجة مع الآخر .تساعد الفنتازيا على استثارة الذاكرة وتحفيز مخيلة المشاهد والتعمق في رصد العلائق الوجدانية الملتبسة وعلى استقراء الوجوه المختلفة للفرد المسكون بالتفرد في عصر التنميط .
وقد استوحى التجارب السينمائية الطليعية في العالم ، لتطوير لغته السينمائية وتثوير تقنياته في الكتابة والإخراج ، وتنويع الثيمات و تعميق التفكير في الذات والآخر والعلاقات والعالم والهوية والاختلاف.
ومن الجدير بالذكر أن يوسف شاهين، أسهم في إنجاز أفلام وضع تصوراتها الأولى مخرجون آخرون. وهكذا أنجز فيلم "جميلة " و" الناصر صلاح الدين " بعد اعتذار المخرج عز الدين ذو الفقار عن إنجازهما و" بياع الخواتم " بعد تعذر فهم العمل على المخرج الفرنسي برنار فاريل حسب ما أورده إبراهيم العريس.
2-القلق والتساؤل :
تبتعد سينما يوسف شاهين عن اللغة والبلاغة الأيديولوجية،وتميل إلى ملامسة قضايا الفرد والمجتمع والعالم ملامسة مستكشفة وناقدة. فباستثناء فيلم " جميلة " و فيلم "الناصر صلاح الدين " ،المنتجين في سياق صعود الناصرية و خطابات التحرر والقومية العربية ،امتازت سينما يوسف شاهين بميلها إلى استكشاف المناطق المعتمة وإلى استشكال اليقين السياسي والحقائق السوسيولوجية .لم يسع إلى تحريك الوعي السياسي والاجتماعي كما فعل توفيق صالح في " صراع الأبطال "(1962) و" المتمردون" (1968) و" السيد البلطي " '1967)أو تعيين مواطن الاعتلال في التجربة الاجتماعية أو السياسية كما فعل صلاح أبو سيف في " القضية 68"(1968) و " المواطن مصري " (1991)،بل عمل جاهدا على استكشاف المسارات المتعرجة للأفراد وهم يسألون عن معنى البناء الاجتماعي ويسائلون التاريخ ومنعرجاته ومفارقاته وإخفاقات الحاضر.
فلئن كانت سينما محمد خان سينما الوجدان والدفق العاطفي وسينما داود عبد السيد سينما الرموز والكنايات، وسينما توفيق صالح وعاطف الطيب سينما القضايا السياسية والاجتماعية وسينما رأفت الميهي سينما الفنتازيا وسينما سعيد مرزوق سينما المغامرة والتجريب والشاعرية، فإن سينما يوسف شاهين هي بالدرجة الأولى سينما الأفكار والمراجعات.
لا تتسع سينما يوسف شاهين للثنائيات المانوية، ولليقينيات والمصادرات، ولذلك فهي لا تعفي الذات من المساءلة، بل تعتبر مساءلة الذات أولى المساءلات المطلوبة في سياق ثقافي –تاريخي لا يحفل،تاريخيا وثقافيا ، بالسيرة الذاتية ولا بالنقد الذاتي.
وفيما تستنطق سينماه الذات وتاريخها ومساراتها اللاحبة والمتعرجة،فإنها تستنطق المجتمع والتاريخ والعالم ،و تستشرف آفاق حياة مشتركة قائمة على الحرية والهويات المركبة والمفتوحة كما صنع في " المصير " و " إسكندرية .. نيويورك "(2004) . تستوطن الدراما هنا المناطق الرمادية ،والزوايا المعتمة في النفس والعلائق الاجتماعية والفعل السياسي ولا تركن إلى اليقين الأخلاقي (كما في " القاهرة 30"(1966) لصلاح أبو سيف) ولا إلى اليقين السياسي (كما في " السوق السوداء "(1945) لكامل التلمساني و " شيء من الخوف "(1969) لحسين كمال) ولا إلى اليقين الجمالي (كما في تجارب ناصر خمير في ( الهائمون ) (1984)و"طوق الحمامة المفقود " (1991)).
(المشروع الشاهيني يتبلور عبر أعمال يصعب التمييز فيها بين الذاتي والموضوعي، بين الأنا والآخر، بين السيرة الذاتية والتاريخ، بين السرد واللاسرد،بين الروائي والوثائقي ، و أخيرا بين السينما كأداة للتعبير والسينما كمطية للتعرية : تعرية الذات والمجتمع . ) 1-
ولئن أمكن تعيين المواقع ونقط الارتكاز جيدا في سينما كمال سليم كما في" العزيمة"(1939) أو صلاح أبو سيف كما في " لك يوم يا ظالم" ( 1951)و"القاهرة 30 " أو هنري بركات كما في " في بيتنا رجل " (1961)و " والباب المفتوح "(1963) و" ليلة القبض على فاطمة"(1984) أو كمال الشيخ كما في " الرجل الذي فقد ظله"(1968) و "شروق وغروب "(1970) و " على من نطلق الرصاص "(1975)، فإن سينما شاهين ،تغير-في نماذجها التجريبية خاصة - قواعد اللعب الدرامي باستشكال سلامة المواقع الثقافية والجمالية والسياسية ونقط الارتكاز المقبولة في الدراما والميلودراما المصريتين منذ الثلاثينيات.
ولذلك، عكف على سبر ازدواجية المثقف في " الاختيار " وخفايا الذات في "حدوثة مصرية "(1982) وعتمات العلائق والوجدان والعواطف في " إسكندرية كمان وكمان " و صعوبة إقرار التسامح هنا وهناك في " المصير " ومشاق بناء الذات في سياقات المثاقفة الصعبة في " المهاجر "(1994) و" إسكندرية كمان وكمان " وتمزقات الأفراد ( مصر والاتحاد السوفياتي ) وأزماتهم العاطفية في لحظات التحول التاريخي كما في " الناس والنيل".
وفيما ينسب كل المواقف والوضعيات والحالات، فإنه يعلي من قيمة الفن، ويعتبره مرجعا معياريا في التقويم .ومن المحقق أن الاعتراضات الموجهة إلى " المهاجر " و " المصير " ، تشترك في رفض معيارية ومرجعية الفن وأولويتهما بالقياس إلى المعايير الثقافية الأخرى.
(ألم يكن أمام يوسف شاهين إلا أن يختار الحل السهل جدا للمشكلة التي أرقت الغزالي وابن رشد فيختار رقص وغناء ليلى علوي ؟وإذا كان هذا هو كل ما باستطاعته أن يفعل ،بحكم استعداده الشخصي وقدراته وطبيعة الفن السينمائي (..)، إذا كان الأمر كذلك ،فلماذا يقحم نفسه على موضوع كابن رشد ؟)2-
3-الارتباط بالقضايا السياسية الآنية :
تجاوبت سينما يوسف شاهين في أحايين كثيرة مع القضايا السياسية الآنية كما في : "جميلة " و"الناصر صلاح الدين" و"الاختيار " و" العصفور" و"المصير " و" الآخر "،وحاول تقديم إجابات واستشرافات سياسية –ثقافية بعد هزيمة 1967في " العصفور "(صمود بهية /محسنة توفيق وحماسها للفعل الثوري ).لم يكتف بالإدانة أو رصد الاختلالات كما فعل توفيق صالح أو صلاح أبو سيف أو كمال الشيخ في "ميرامار ( 1969) وحسين كمال في " ثرثرة فوق النيل " (1971) ، بل عمل على مساءلة الاختيارات واستشكال مواقف وتوجهات المثقفين كما في " الاختيار " و اعتلال القطاع العام والسياسات المعتمدة كما في " العصفور".
ولئن اختار صلاح أبو سيف، معالجة أسباب الاختلال في البناء السياسي المصري في " القضية 68"برصد المفارقات ومداورة الرمز والاستعارة الشفيفة، فإن يوسف شاهين،ابتعد عن الترميز أو الكناية القريبة ، وانحاز إلى التأمل والإمعان في تأمل الاعتلالات المفضية إلى سقوط معادلة الثورة الناصرية.
4-الارتباط بالقضايا العالمية:
لم يكتف يوسف شاهين بالتفاعل النقدي في الغالب، مع المستجدات السياسية، في مصر و الشرق الأوسط، بل تفاعل مع مستجدات الساحة الدولية كما في " الآخر "( 1999) والمصير (1997) و"إسكندرية .. نيويورك" (2004). لقد عالج إشكاليات العولمة والإرهاب والعلاقات المتوترة والإشكالية بأمريكا بحساسية نقدية عالية.
5-إثارة قضايا الهوية والمغايرة:
اهتم يوسف شاهين بهوية الفرد المختلف، و بإشكاليات التعايش في مجتمعات تعيش تعددا ثقافيا هشا، أو تعددية غير مستوعبة نظريا وفكريا .إن سيرته الذاتية ،هي في العمق سيرة الفرد المختلف الساعي إلى تثبيت وجوده الاجتماعي والفني في سياقات التنافر السياسي والفكري والثقافي ،محليا ووطنيا ودوليا .كما أن " المهاجر"،هو رصد لمسار الغريب المختلف ( رام / خالد النبوي ) في مصر فرعونية مخثرة سياسيا وإنتاجيا واقتصاديا. وأثار إشكاليات التعدد والاختلاف، وكيفية إدارتهما في سياقات الاستقطاب والصراع بين المحورين بالإسكندرية الكوسموبولوتية.
لم يحتفل بالتعددية الثقافية والاجتماعية، بل رصد هشاشتها وعدم قدرة المختلفين على الصمود في وجه رياح التاريخ الأحادي العاصفة كما في «إسكندرية ليه؟ ".(مأساة يهود الإسكندرية واقتلاع سوريل اليهودي / يوسف وهبي و سارة سوريل /نجلاء فتحي من أرض المنشأ).
لقد عالج في أعماله إشكاليات تحرر الفرد، وتشكل وعيه بالتفرد والتميز والتمايز عن المواضعات الاجتماعية والسياسية.
(والبحث عن الهوية هو هو البحث عن التاريخ –ليس التاريخ المتراكم الذي وصل من خلال صورة السلطة ( في الماكروكوزم وفي الميكروكوزم سواء بسواء)عن نفسها ،بل التاريخ المقموع،تاريخ الفرد .ليس التاريخ المخصي ،بل التاريخ الذي لا يزال سليما :تاريخ الذات ،تاريخ الفرد المشاكس ...)3-
6- استلهام التاريخ:
وكما يحضر الراهن السياسي في أعماله الفنية، فإن للتاريخ حضورا كبيرا و وازنا في إنتاجه الفيلمي. فهو يستوحي تواريخ وفترات تاريخية مختلفة في" المهاجر"( الفترة الفرعونية ) و"المصير"( الأندلس في عهد أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي ) و" الناصر صلاح الدين " ( الحروب الصليبية ) و"الوداع يا بونابارت "(1985)( الحملة الفرنسية على مصر ) و"الأرض" ( مصر الثلاثينيات ) و"إسكندرية ليه ؟" (الحرب العالمية الثانية) واليوم السادس (1986)( انتشار وباء الكوليرا بمصر في الأربعينيات ).
ليس من اليسير التعامل دراميا مع المادة التاريخية، وتطويعها تخييليا ،حتى تتلاءم مع تحديات الحاضر ومتطلبات الدراما .تقتضي ملابسات الدراما ،التحكم في المادة التاريخية والوثائقية ، وعجنها بماء التخييل ،وتكييفها مع رؤية وأسلوب المخرج. ليس الفيلم التاريخي فيلما وثائقيا أو بيداغوجيا أو تعليميا ، بل هو فيلم تخييلي يستوحي المادة التاريخية. ومتى تحكمت المادة الوثائقية، في رؤية وأسلوب المخرج، انتفت الإبداعية وأصالة الأسلوب عن الفيلم السينمائي.
و لم يلتفت بعض نقاد يوسف شاهين، إلى ضرورة تطويع المادة التاريخية وتلوينها وتكييفها، تخييليا ودراميا،وإقامة التوازن بين معطيات المادة التاريخية وخصائص الدراما وفرادة الرؤية الإخراجية والجمالية لكل مخرج .يمكن استشكال نوعية التكييف والتطويع المنجزين ، لا إمكانهما كما فعل الكثيرون لاعتبارات إيديولوجية أو سياسية أو فنية .
(وهكذا خلط شاهين بين أول القصة وآخرها ، وخلط بين يوسف وموسى ، وبين الفرعون (توتيمايوس) وبين الفرعون ( آمنحتب) وولده (اخناتون) وكان الأولى به ما دام قد قرر أن يخوض غمار التاريخ ويتبنى وجهة نظر دون أخرى ،أن يجهد نفسه في المعرفة ،أو يرجع لذوي الاختصاص ،كما يفعل الفيلم الأوروبي والأمريكي عند التعرض لمسائل من هذا النوع ...) 4-
7-الشمول الفني:
عمل يوسف شاهين في أكثر من محطة ،على توظيف كل الفنون التعبيرية الممكنة لتحقيق منجز درامي مكثف وغني بالقيم الفكرية والجمالية. فكلما اجتمعت الكتابة السابرة للذات ولذاكراتها ولخيالها واستشرافاتها ، بالموسيقى والغناء والرقص والتوثيق والفضاءات الموحية كما في " إسكندرية ليه؟"و" إاسكندرية .. نيويورك " و " عودة الابن الضال " و" المصير" ،تحقق الشمول الفني ، وصارت السينما جماع خطابات وإشارات ،ومبعث إيحاءات جمالية ومتع فنية.
لم تكن أغنية " مفترق الطرق "(كلمات صلاح جاهين و لحن كمال الطويل) وأغنية «الشارع لمين ؟" ( كلمات صلاح جاهين وألحان بليغ حمدي وسيد مكاوي )،مجرد تطريز فني أو غنائي على حاشية الثوب الدرامي في " عودة الابن الضال " ،بل كانتا جزءا من لحمة وسدى دراما الفيلم .ولم تكن رقصات ( أحمد يحيي و نيللي كريم ) وأغاني (علي الحجار وهدى عمار وفاروق الشرنوبي ) في فيلم " إسكندرية ..نيويورك" ،مجرد تعابير فنية للإمتاع و الإطراب و الادهاش السمعي والبصري ،كما في " أنت حبيبي " (1957)،بل كانت دعامات بانية للبناء الدرامي نفسه .
8-إدارة الممثلين :
تمكن يوسف شاهين في أكثر من فيلم من إبراز القدرات التمثيلية العالية والخفية لكثير من الممثلين المصريين ( محمود المليجي وعزت العلايلي وسعاد حسني وهدى سلطان وشكري سرحان وعمر الشريف .. إلخ).
ولم يتمكن من إدارة الممثلين إدارة جيدة وتحفيزهم على استكشاف قدرات خفية لم تساعد السينما التجارية –الاستهلاكية على استكشافها، لتحكمه في تقنيات الإخراج وإدارة الممثل فقط ،بل لتجربته وتكوينه وقدراته التمثيلية العالية.فقد برهن في " باب الحديد " و" فجر يوم جديد " بالتحديد على قدرته العالية على تقمص الأدوار المركبة .
إن علاقة شاهين بالتمثيل والممثلين معقدة كشف عن بعض ملابساتها في " إسكندرية كمان وكمان " ؛ وقد تمكن بفضل إصراره على تناغم وتناسق كل مكونات الفيلم ،على تقديم صيغ مستجدة في الإدارة والتوجيه والتدريب ،أسفرت في اعتبارنا على ما يلي :
-إبراز قدرات ومواهب كامنة:
يكاد الممثل في أفلام يوسف شاهين يخضع لتجارب استسرارية ليتمكن ويمتلك الشخصية والموقف ويستوعب الدلالات الحافة بالحدث الدرامي.و تفرض هذه الوضعية الغوص في الذات ،واستدعاء مخزوناتها ،واستنفار قدراتها الكامنة أو الخفية ( دور نور الشريف في " حدوثة مصرية " و دور سعاد حسني وعزت العلايلي في " الاختيار " و دور أحمد محرز في " عودة الابن الضال " ودور عمرو عبد الجليل في " إسكندرية كمان وكمان " ) .فحيث إن الأدوار مركبة ،والمواقف الدرامية مكثفة ومشحونة بالإرتاب والتراجيديا والقلق ،فإن الممثل مطالب بكسر قواعد الأداء الدرامي كما رسختها عقود من الممارسة ،والنهل من مخزون الذات واللاوعي ،وتحفيز النفس على التذكر والتخيل و الاستشراف.
وهكذا مكنت إدارة شاهين كثيرا من الممثلين من تقديم أدوار استثنائية في مسيرتهم وفي مسيرة السينما المصرية. ونشير هنا إلى دور محمود المليجي في " الأرض " و"الاختيار" و هند رستم في " باب الحديد " وسهير المرشدي في " عودة الابن الضال " ونور الشريف في " حدوتة مصرية " و" المصير " ومحمود حميدة في المهاجر " وسعاد حسني في " النيل والناس " و " الاختيار " ومحسنة توفيق في " العصفور" ونبيلة عبيد في " الآخر " ويسرا في " حدوتة مصرية" و علي الشريف في "الأرض ".
-تقديم وجود جديدة :
راهن يوسف شاهين منذ بداياته في الإخراج على الوجوه الجديدة. فبما أن الممثل الجديد لم يتمرس بعد بالتقنيات الأدائية والتشخيصية المكرسة، فإنه يكون أقدر على تشخيص أدوار مركبة وتقديم الموقف الدرامي بزخم وجداني وذكاء درامي يفتقدهما الممثل الكلاسيكي من فرط الاستغراق في الأداء النمطي. وهكذا قدم عمر الشريف في أولى تجاربه في " صراع في الوادي "(1954) و " شيطان الصحراء "(1954) ، وشكري سرحان في " ابن النيل " وأحمد محرز في " عودة الابن الضال " و "إسكندرية ليه ؟ " و محسن محيي الدين في " إسكندرية ليه؟ " وعلي الشريف في " الأرض " و" الاختيار " و" المصير" و ماجدة الرومي في " عودة الابن الضال " وأحمد يحيي في " إسكندرية .. نيويورك" وهاني سلامة في " المصير " و " الآخر " وخالد النبوي في " المهاجر " وسيف عبد الرحمن في " فجر يوم جديد " ونجوى إبراهيم في " الأرض ".
*
تميزت سينما يوسف شاهين، بالتجريب والقلق والاستكشاف المستمر والشمولية الفنية والتعبيرية وانفتحت في أربع محطات أساسية على عالم الذات ومجاهل الوجدان الفردي. كما انفتحت على المستجدات السياسية والثقافية والحضارية، واستوحت التاريخ والإثنوغرافيا في أكثر من محطة جمالية.
ولئن حلق عاليا في ست قمم فنية، فإن فيلموغرافياه لم تسلم من التباسات واختياراته الفنية وطرائقه الإخراجية لم تحقق المطلوب في كثير من المحطات لاعتبارات كثيرة. مما يفرض استشكال كثير من فرضياته الجمالية والفكرية، والكشف عن البعد الآخر للتجريب والريادة الفنية في سياق ثقافي لم يفلح بعد في ترسيخ معيارية الفن.
الهوامش :
-خليل الدمون،أشلاء نقدية ،سليكي أخوين ،طنجة ،المغرب ،الطبعة الأولى 2015،ص.156.
-جلال أمين، شخصيات لها تاريخ، دار الشروق، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 2008، ص.240.
-إبراهيم العريس، الفرد والأقلية في الفيلم العربي، أبواب، العدد 1، صيف 1994، ص.127.
-سيد القمني، رب الزمان –الكتاب وملف القضية، دار قباء، القاهرة، الطبعة الثانية 1998، ص.126.
أكادير –المغرب









التعليقات