قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يجب ان أتوقف هنا..
كنت صغيرا لا املك ذاكرة هكذا اعتقدت..
انه شيء غريب نحن نجلس انا وأخيها عادل بين اخر درجات السلم المؤدية الى باب السطح.. كانت هناك تجلس متكئه على الباب، ترتدي ثوبا صيفيا بدون حمالات صدر، أنوثتها مفرطه، كنت أحدق بفضول فيما بين ثوبها وابطها الشفاف.. كانت تدخن بملل ونفاذ صبر وتنفث الدخان من باب السطح الى وهج الظهيرة غير مباليه بأجراس حنجرة امها التي
كان يهز صوتها اركان البيت.
..اتساءل عما إذا كان هناك بعض الخطأ.. الصوت مرة ثانية.. صوت أمها يجتاح طفولتي وانزلاق ناعم عميق ومظلم يجتاح خيالي..
.."جثتها بين سواقي حدائق ابو نؤاس "
.." جثتها بين نباتات حدائق ابو نؤاس !! "..
..كانت لدي وعود قطعتها امي لأمها بالحفاظ على هذا السر وعدم البوح به..
..اميال يجب علي ان اقطعها قبل ان انام.. احلق بخيالي فوق مكان موتها.. نومها الأبدي بثوبها الصيفي الخفيف..
نحيب امها المصطنع..تفاخرها بالحفاظ على شرف العائلة وهي تروي ما حدث يشوش عليه مشهد نومها بين الأعشاب..
أعيد المشهد..
إنه الصباح.. يبدو اني غفوت.. الشمس مازلت ناعسه وبرد الصباح اللذيذ يعلن يوما جديدا من اللعب، كانت العطلة الصيفية قد بدأت منذ أسابيع..
..نزلتُ من السطح.. كنت اخر من نهض من فراشه، وجدت امي كالعادة في المطبخ تجلس وعلى جانبيها معدات الإفطار الصباحي.
بعد الإفطار خرجت ابحث عن عادل.. كان بيتهم امام بيتنا..هناك في حديقتهم التي تقع خلف البيت جرار كبيرة نصف مدفون بالأرض.. من حكايات علي بابا..
..نعم هناك كانت ام سالم تعيد القصة وهي تطعم عددا لا يحصى من القطط البيضاء التي لا أطيقها.. لقد قالت كل شيء.. كان بكاءها حقيقيا هذة المرة..
..اغلقت الباب.. اعتصر قلبي ألم شديد.. ها قد سمعت كل شيء بوضوح هذه المرة.. ليلة امس كان حديثها مع امي فيه الكثير من الهمس..
.." ليش ياحليمة ليش... حلومه ليش ضيعتي شبابك "...
العجب هو أنني قبل ايام كانت قد اوكلت لي انا وعادل مهمة مراقبة حليمة، عندما اصرت ان تذهب عصرا الى السوق القريب..
..كانت مهمتنا سرية.. هكذا قيل لنا، لكنني لم افهم لِـمَ المشي وراء حليمة سريا..
..فرحت كثيرا بالمهمة على كل حال، فكم كنت معتاداً على لعب دور المخبر طيلة ايام تلك العطلة
- يجب ان لا تشعر بكم اريد معرفة اين تذهب وكم من الوقت تستغرق.
قالت ام سالم ذلك هامسة لنا بجدية.
ذهبت مسرعاً الى بيتنا كان لابد ان اتقمص الدور كاملا..
..أحضرت مسدسي الصغير الذي جلبه لي ابي من براغ في احدى سفراته المريبة.
في ذلك المساء وبعد تلك المطاردة كانت اسمهان بصوتها الملائكي وجمالها قد غلب على كل الأحاديث المسائية.. كنا بشكل يومي تقريبا بعد العشاء نذهب لقضاء المساء عندهم.. في بيت ام سالم..نجتمع الصغار والكبار حول التلفاز وتدور احاديث بين جموع المجتمعين ويرتفع ضجيج الاصوات حتى يطغى على صوت التلفاز...
كنت أحدق في وجه حليمة ذلك المساء.. كانت اسمهان تغني وظهورها اخرس كل الاحاديث، اندمج صوت اسمهان العذب مع تنهداتها.. كانت تستمع الى اسمهان وتُحرك حاجبيها الرفيعين وتغمض عينيها العسليتين نصف اغماضه وتغرق في كلمات الاغنية...
- كنا نلعب بين جرار علي بابا الكبيرة المليئة بأنواع المخلل (الطرشي) الذي عرف بين سكان الحي بجودته، ولعبتنا المفضلة هو أن نحسب الديدان في كل جرة متحملين الروائح التخمير المقرفه وزعيق ام سالم علينا..
..نادتنا حليمة، كانت تجلس هناك أعلى الدرج طلبت منا أن نشتري لها علبة سجائر.. تحججنا بأشياء لا اذكرها، أرادت أن تغوينا بالذهاب، فقالت..
"راح اسوي لكم سحر بشرط تروحون تشترولي سجائر"
.. وافقنا بدون التزام، سحبت نفسا عميقا من السيجارة التي كانت بيدها وفي يدها الاخرى طاسة نحاسية فيها ماء.. ابتلعت فم من ذلك الماء فخرج دخان السيجارة من اذنيها..
كان مشهد مفزعا بقينا مشدوهين وطلبنا أن تعيد ما فعلت سحبت نفسا عميقا بتململ ونفذت دخانه ونحن ننتظر.. ولكن عادل نسي ان يعيد غطاء احدى الجرار عندما رن صوت ام سالم مجلجلا بالعقاب.
كانت حليمة تسير وتحدق للوراء من فوق كتفها، كانت تبدو مرتبكة وكأنها تعلم ان احدا يراقبها... اتخذت خطوة مشكوك فيها للدخول الى محل الأحذية النسائية ثم تراجعت عنها لترفع رأسها وتنظر مرة اخرى وتغير وجهتها خائفة : ما الذي تراه فنحن نرقبها من زاوية اخرى ! ربما كان الرقيب زوجها "الذي أعادها الى أهلها للمرة المئة وهو يشك بأخلاقها"، هكذا همست امي بإذن ابي عندما سأل "لماذا رجعت حليمة الى بيت أهلها، إلم ياخذها زوجها قبل ايام قليلة " وأردف " ماذا تريد هذة الغبية زوجها مهندس ويعمل بمصفى الدورة والدولة منحته بيت واسع في المصفى "
قالت امي : " زوجها كان يغرس أعواد ثقاب الكبريت بين الباب والإطار ليتأكد بانها لم تخرج اثناء غيابة..."
هكذا إذن كان يتم اكتشاف الخيانة.
رآها صاحب محل الأحذية عندما تراجعت متشككة... تقدم نحوها … تكلم..
سأكتشف الان..أنا المخبر !.. يجب ان نغير أمكننا.. استدرت نحو عادل، قلت :
- لكسب الوقت يجب ان نقترب !!
اقتربنا منها.. هي في مكانها.. رفضتْ خدماته.. كانت تضع جدار داخل جدار لتغلق الخوف الذي بداخلها والتوتر الذي تشبث بها.. ذهبتْ الى محل العطار وخرجت بعد دقائق..نحن نتبعها..
اتجهت عائدة الى البيت.
أنجزنا المهمة وحصلنا على عشرين فلساً مكافئة.
لمْ تقم بتغطية أي شيء..هي لم تتخيل ان نهايتها بهذا القرب أبدا..
رغم العقبات التي كانت تواجهها في زواجها والمخاطر التي تحملها تلك التهم الأخلاقية ضدها. لكنها كانت مصرّة.. بل متحدية ومنتصرة رغم التهديد والوعيد الذي سئمت سماعه..كانت تعتقد انها وابنها قادرين على العيش حياة اخرى مختلفة عن جحيم زوجها، فهي مازالت في مطلع شبابها.. إبنة الرابعة والعشرين..
اتذكر كل ما حدث لحليمة لثلاث صباحات من ذلك الصيف وذلك المساء الذي عرفت فيه مقتلها..
" هل سوف تتعفن كما القطط الميتة في السواقي ؟!! "..
" ما الذي سيطرأ على ذلك الإبط الشفاف ؟!!"..
" ما هي المدة التي يستغرقها جسد حليمة ليتعفن ؟!! "
.. لماذا اتحدث بهذة الطريقة ؟!
.. قبل يومين رايتها على الدرج. و
..اليوم عندما دخلت لم تعد هناك.. ليست في مكانها المعتاد..
..ها انا ارى ابنها صباح، ذو الأربعة أعوام ينتظر نزولها عند اخر الدرج..
..عندما نظرت مرة اخرى لم أتمكن من رؤيته حولي..
..لم تكن هنلك سوى تلك القطط اللعينة البيضاء ..