قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تذكّرت - وهي تقود سيارتها وتشق طريقها عبر شوارع المدينة المزدحمة-أن اليوم هو يوم الفالانتاين. باعة الورود في كل ّ مكان والعشاق يتنافسون في ابتكار الطرق لاحتفائهم به. أمّا هي فتشعر بوحدة قاسية. تشعر بأنها غريبة عنه بعد زواج ربطهما لأكثر من عشرين عاما. . لم تعد تعرف أو تتمكّن من إيجاد جواب شاف لسؤال يلّح عليها ويسكنها: لماذا تواصل العيش معه وهي تكتشف لأول مرة وجها آخر من وجوهه، الوجه الذي لم تكن قادرة على رؤيته كل تلك السنين؟ باتت تراه بعينين أخرتين وتشعر في بعض الأحيان أنها غير قادرة على احتمال وجوده معها أو حتى سماع صوت انفاسه في الفراش. تتمنى الآن أن تستيقظ في صباح يخلو من وجهه. تهمس لنفسها وهي تدوس المكبح لتتوقف عند إشارة حمراء "عيد حب آخر يخلو من الحب" . كان يعرف اهتمامها الشديد بالاحتفال في مناسبات شاعرية كهذه ومناسبات خاصة تقضي في العادة أسابيع من أجل التهيوء لها. لكنه كان يفشل في مشاركتها تلك اللهفة للاحتفال بالمناسبات وذلك الشغف إلى الابتكار في اختيار الهدايا. غالبا ما تحزن لأنها تضطر إلى تذكيره بمناسبة ما. كان مشغولا عنها يعيش في ماضيه الملتبس ومحاولاته في ابتكار نص يخلّده.
تقود سيارتها في الشوارع المزدحمة عائدة من العمل ولكنها ولأول مرة في حياتها لا تريد العودة إلى البيت. تريد أن تطلق بعيدأ عن ذلك الصخب وتخلو إلى نفسها. الأغاني التي تصدح بها السماعات الخفية في هيكل السيارة تذكّرها به. مجموعة الأغاني الهائلة التي تحتفظ بها في التليفون تدل عليه بطريقة ما. أغانٍ سمعاها معا أو أغانٍ تتحدث عن مشاعر الخيبة في الحب. نعم الخيبة المريرة في الحب التي تشعر بها الآن، في عيد الحب.
مرت على خاطرها ذكرى نورا هيلمر بطلة مسرحية "بيت الدميّة" لهنريك أبسن. فكرّت في خروج نورا الأخير وصوت انغلاق الباب وراءها. لم تدّخر شيئا من أجل توفير حياة لائقة لهما. درست وعملت وتسلّقت السلم الوظيفي بنجاح بينما كان يتيه في غابات أحلامه أو يغوص في مستنقع فشله. لعله كان يرى في عينيها قوتها الكامنة وجديتها واحترامها العميق لنفسها. نجحت ولم تمنع شيئا عنه بل شاركته كل شيء لتجعل الحاضر جميلا لكنه كان غائبا في ماضيه الحزين.
الأغاني تذكّرها به. تشتاق إليه، ليس إليه بل إلى ذلك الرجل الآخر الذي تصورته فيه وبررت له أخطاءه وسامحته وعرفت ضعفه وأحبته. الرجل الميت في ذكرى بعيدة والذي لا ترى الآن سوى صورة بائسة له تجعلها تنفر من الصباح ومن العودة إلى بيت من تبادل النفور. يقضيان وقتهما الآن منفصلين كل في عزلته. هي في الصالة تشاهد التلفزيون وتعمل على اللابتوب لتنجز أوراقا تخص وظيفتها وهو في غرفته العلوية وراء باب مغلق يكتب ويهاتف وربما يتبادل الحوار مع حبه الأول بعد سنين طويلة من الانقطاع!
إلى متى تتمادى في التخفّي. إلى متى تبقى تكتم سر خذلانه لها ورغبتها في أن تنفصل عنه! كانت تريد أن تخبر أخواتها بالأمر، بكراهيتها له ورغبتها في النجاة من وضع مهين يضعها فيه. ينفق أيامه في حب امرأة جاءت من ماضيه. لم تخبر أحدا حين اكتشفت رسائل غرامه وطريقته في وصفها. بكت وملأت الدنيا صراخا وهي تقرأ ما كتبته تلك الجثة التي نهضت من أجداث الماضي في رسالة من رسائلها. أحست بالإهانة تنغرز عيمقا فيها. لكنها حين غادرت في الصباح إلى العمل ارتدت ثوبا أحمر في غاية الأناقة واحتذت كعبا عاليا فاليوم هو عيد الحب ولم تكن تريد أن يعلم الآخرون أنها تعيش حياة خالية من الحب. أجبرت نفسها على الابتسام والتظاهر بالسعادة أمام زملائها وزميلاتها طيلة يوم العمل. أمّا الآن فهي في الطريق وحيدة تستمع إلى أغانٍ تذكّرها به وتتصادى في رأسها أبواب تنغلق.
تتوقف سيارتها أمام الباب. تعودإلى بيت ترغب عن العودة إليه. تسكت الأغاني ويسدل الستار على الابتسام والتظاهر بالسعادة. هاهي الآن أمام صحراء لانهائية يغيب عنها الحب. تفتح الباب والشمس على وشك الأفول فترى في الضوء المتسّرب إلى الصالة باقة ورود حمراء على الطاولة. شعرت برغبة في البكاء. باقة الورود أمامها، باقة تأتي متأخرة. جلست متأملة احمرارها ورقتها. تلمستها وفجأة اشمأزت من ملمسها. كان عليها ان تستقبل الباقة بتأويلين. الأول هوأن الحب بينهما لم يمت بعد. التأويل الثاني والأرجح هو أنه يريد الاحتيال على اهتمامها الشديد بالمناسبات والهدايا. وجهه الأول الذي عرفته والذي يشبه الحلم الآن يدعم التأويل الأول. وجهه الكريه الثاني يدعم التأويل الثاني ويرجّحه. يريد أن يبقيها في هذه الدائرة الحمقاء من التظاهر بأن كلّ شيء على ما يرام. رأت بوضوح لأول مرة جبنه العميق وعقدة الفشل التي تغله باحكام وبه فسرّت وجود الورود على الطاولة. ترك باقة الورود وهرب إلى الغرفة العلوية، عاد إلى عزلته المريبة دون كلمة دون أن يكون هناك أمام عينيها ليقبلها ويهمس في أذنها بكلمات بسيطة ولكن حقيقية بما يكفي ليوقظها من كابوس تعيشه يوما بعد آخر.
لم تكن ترغب في تبديل ثيابها. كانت تشعر بأنها في مكان يهرس كرامتها وينهش روحها. وقفت أمام المرآة وتأملت ملامحها جيدا، لعلّها رأت لأول مرة بريق قوتها يلمع في عينيها. رجعت إلى الصالة أخذت باقة الورود بأصابع متشنجة. وقفت أسفل السلّم ونادته باسمه. فتح باب عزلته قليلا ونزل السلم. كان منهكا محبطا كأنه مهرج فاشل حزين. حين اقترب منها وقبل أن ينطق بكلمة سارت أمامه. رآها تفتح صفيحة المهملات وتلقي بالورود فيها. دون أن تنبس ببنت شفة، سارت بثوبها الأحمر وكعبها العالي لتخرج. لم يعد البيت بيتا وعليها أن تبني بيتها الآن. خرجت وصفقت الباب وراءها. لا شك في أن صفقة نورا المدويّة تصادت في سمعها حينذاك .


نيسان 2021