قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كنت جائعا ومتعبا جداً، مشيت مسافة قليلة بعد هروبي من محلات الأجهزة الدقيقة - مطعم العزائم - كان يضع شواية الدجاج في بابه على رصيف المارة ورائحة الشواء اللذيذة تملأ المكان ورواد المطعم منهمكين يأكلون بنهم .. أخرجت ورقة الدانانير العشرة التي وضعها في جيبي تحسستها ودفعتها بعمق بأطراف أصابعي داخل جيب بنطالي ..
.." أبن الكواد .. عبالك أني قشمر"..
دخلت المطعم، كانت أغنية سعدي الحلي وقرقعة الصحون خليط من فوضى مألوفة ومحببة تكاد تسمعها في كل مكان حتى في عربات الباعة على الأرصفة ..
.." جوزي قميصه او بيه مطرز وردة .. علاوي يأبو عيون ياعلاوي"..
جلست على طاولة كانت فارغة وسط المطعم وناديت على النادل ..
.." تعال عيني أبو الشباب "..
رمقني بنظرة أزدراء ولم يأت ، ناديت مرة أخرى عليه ..
".. علاوي يابو عيون"..
أقترب مني وقال .." بقت بس المزعطة علينا "..
تجاهلت وقاحته وسألته،.." شنو عندكم اليوم"..
.." أچيبلك على ذوقي "..
نظرت أليه بتعجب، .." شنو على ذوقك أعرفك تعرفني "..!!
رد بخشونه وبصوت مسموع ..
.." فوگ ما قدرتك .. مو أني من أول ماشفت چهرتك عرفتك زعطوط أو فد واحد زايعته الگاع "..
في الطاولة المجاورة كان هناك رجلين يجلسان ، تدخل أحدهم وقال له ..
.." أول شي من صاحك ما درت له بال .. بعدين تريد منه يأكل على مزاجك .. شنو أنت راح تدفع حسابه"..
وأضاف بتهكم ..
.." وأذا طلعت ذوق سز شلون "..
هنا تدخل على ما يبدو صاحب المطعم، كان يجلس في المدخل وإمامة حصالة النقود
سحب النادل بقوة إلى الخلف ..
.." ما صار شي"..
والتفت نحوي وقال بلطف ظاهر ..
.." عمو عدنا دجاج محشّا ودجاج على التمن و...." ..
وأخذ يعدد الأصناف الأخرى من الطعام إلتي لديهم وأنا مشغول أفكر بالنادل الذي كان يقف خلفه ينتظر طلبي ونظراته الشريرة إلتي تكاد تخترقني و ما كنت أفكر به في تلك أللحظة هو إذا طلبت الطعام حتما سوف يبصق فيه أو حتى يتبول ..
قلت .." شكرا ما أريد شي "..
نهظت وتوجهت الى باب الخروج ، كان يسير بجانبي..
.." أكسر رجلك أذا شفتك هنا مرة ثانية "..
مشيت مسافة كافية لكي أستطيع الهروب وشتمته ..
.." أولاد الزفره أنعل أبوكم يابو مطعمكم الخايس "..
ركضت مسافة كافية وتوقفت بعد أن تأكدت بأن لا أحد يتبعني .. كنت أسير في الشارع المحاذي إلى الشارع العام ، خلف بناية البريد المركزي عندما لاحت أمامي السينما البيضاء بقبتها العالية لكنها لم تكن بيضاء .. كانت عربات الطعام المختلفة تتجمع مزدحمة عند مدخلها العريض ..
اخترت أكثر البائعين نظافة وأناقة .. كان يرتدي صدرية طبية بيضاء ..
..ربما كان طبيباً طرد من عمله.. على عربته صندوق زجاجي أنيق يغطي الطعام عن الحشرات والأتربة بعكس عربات الآخرين .. كان يبيع مخ الخراف المسلوق مع صلصة العمبة فقط ..
سألته، .." دكتور بيش اللفة "..
نظر ألي مبتسما ..
.." بنص دينار"..
استغربت لغلائها ، على كل حال لم أتذوق سابقاً طبخ الأطباء .. طلبت ساندويتش وأنا أحدق بمانشيت السينما ( نغم في حياتي ) لا تقدم هذه السينما سوى أفلام قديمة ومعادة وبعض الأحيان في غفلة من الرقيب تعرض أفلام فيها مشاهد جنسية إباحية ولم يكن لديهم مانعا لدخول الأطفال ..
كان السندويتش لذيذ جداً وصلصة العمبه خففت من طعم المخ الدهني الحاد.. قلت له .." دكتور ليش ما تفتح مطعم "..
قال .." تحتاج معجزة من رب العالمين ".
لم أكن أعرف أن للناس علاقات مختلفة مع الرب ، كنت في السادسة من عمري - نعم أتذكر جيدا - بعد ان تنتهي جدتي من صلاتها عصر كل يوم تجلس القرفصاء عند مدخل حديقة البيت وتشمر عن أكمام ثوبها كاشفة عن ساعديها وترفع يد واحدة صوب السماء ..
.." كريم !..كريم ! ما تأخذ أمانتك وتخلصني"..
كانت تخاطب ( كريم ) كما تخاطب صديقا ، عندما طال الحال بها..
.." كريم !! تره آنا مليت ! .. أريد أمشي !! .. تره نفسي عزيزه كريم ! "..
قبل وفاتها بأيام ذهبت لزيارة أحد مراقد الأولياء الصالحين واشترت كفناً من الدكاكين قرب المرقد .. عادت بالكفن معها إلى البيت عصراً وقصت لأمي تفاصيل زيارتها وهي تشرب الشاي معها وعندما أخبرتها بأنها اشترت كفناً أصيبت أمي بالهلع .. رمت قدح الشاي من يدها .. خرجت من البيت هاربة حتى نسيت أن ترتدي عباءتها.. سئلنا جدتي ما الذي حدثت، قالت..
.." أمكم مسودنه "..
ذهبت أمي الى بيت أم سالم ورفضت العودة ، ذهبنا جميعا لرؤيتها .. كانت تضرب على صدرها :
.." يمه .. سعدية أم المصايب ، چايبه چفن تريد تخليه عندي بالبيت "..
قالت لها أم سالم ،.." هاي شبيچ يمعوده خايفه .. هي خركه مال قماش "..
توصلت أم سالم لاتفاق مع جدتي بأن تحتفظ هي بالكفن عندها بالبيت .. رضيت جدتي بهذا الحل ..
في ذلك المساء أوصت جدتي أبي بحضورنا جميعاً بأنها إذا ماتت ..
.." من أموت لا تسون طبخ ونفخ ..لا تخلون أم علي تلطم عليه تره هاي وحدة عياره "..
كان أبي يستمع لها بتململ .. قال لها بضجر ..
.." أنتي ما تجوزين من هاي السوالف التعبانة .. شبيچ قابل مريضه – لا طبعا - عرگ ما يطكچ "..
..كنت عائدا من المدرسة وكان الجيران متجمعين أمام بيتنا .. عند الباب رأيت عماد أبو حلگ، قال لي .." حبوبتك ماتت ".!!
تتحقق أمنيتها .. دخلت إلى البيت كانت الغرفة التي تنام فيها مليئة بالنساء .. منظرهن مهيب .. لفحت وجهي حرارة أجسادهن عند باب الغرفة .. البنات الشابات تجمعان حول أم علي تهدلت ملابسهن ..
أم علي كانت تردد :
.." تصلي ولايگة الشيلة على مكـفاها ... گلي يالضيعتها وين تلكاها .."
يشتد الضرب على الصدور والزنود تزداد أحمراراً..
.." آحا ..آحا "..
ويزداد وقع اللطم ..
.." بجفجاف أبيض لفوا الحجية .. أبنها بالصدر موش المجيرية "..

البنات الشابات أغلبهن حضرن من أجل الاستعراض أمام النساء المسنات .. لعل واحدة منهن تبحث عن عروس لأبنها ..
أمي تصنعت الإغماء أمام عماتي .. هي لا تجيد التمثيل في مثل تلك الأزمات ..كانت تراعي نفسها كثيراً .. جدتي كانت مسجاة على الارض بزاوية الغرفة وعليها لحافها القرمزي .. كانت تبدو أصغر حجماً.. قبلتني ذلك الصباح مثل كل يوم قبل ذهابي إلى المدرسة ..
.." تعال أبوسنك يابعد رويحتي "..
ما زلت أتحسس بشرتها الناعمة على خدي ورائحتها الطيبة عالقة في قلبي.
بعد انتهاء الأربعين قامت أم سالم بخطبة سلمى التي رأتها في عزاء جدتي لأبنها حامد - لم تكن من الجيران - كانت ضيفة عند خالتها رسمية العميه وصادف وفات جدتي أثناء زيارتها لهم وحالها من حال كل البنات تبحث عن نصيبها وقد حظيت بذلك النصيب بنشاطها وحركتها داخل مجلس عزاء النساء اللواتي جلسن للمراقبة الفتيات بالإضافة إلى العلاقة التي نشأت بينها وبين منى بنت أم سالم التي كانت مغرمة ب (جمال) خال سلمى..
تم الاتفاق بين النساء على التفاصيل وكانت خطبة الرجال مسرحية لتكملة العرف الاجتماعي - كان يوم عمت البهجة فيه كل الحاضرين - ذهبنا جميعا لبيت أهل سلمى في الخطبة، أعلنت الموافقة واندمج الجميع ودارت أحاديث مختلفة ومدت مائدة العشاء الطويلة على الأرض بخفه من قبل العروسة ورفيقاتها الجدد أنعام ومنى وحليمة ونادية شقيقة رعد الأعرج..
ولكن سلمى تميزت عنهن بقوامها الممشوق وبياض بشرتها الشفاف ومعاني وجهها الحادة الجميلة..
أنا كنت أسعدهم لأني طوال طريق الذهاب والإياب كنت أجلس بجانب نورا التي حدثتني عن أحلامها وكيف تريد أن تصبح ممرضة لتساعد الناس وعندما سألتني عن أحلامي وطموحي أصابني الخرس ولم أعرف ماذا أقول لها فأنا لم يكن لدي سوى طموح واحد كان يشغلني هو استرجاع الدرهم الذي استدانه مني عبد الباقي منذ أسبوع..
كررت سؤالها، فقلت..
.." أريد أصير خباز "..
.." خباززززز " ..؟
هذا ما خطر في بالي لأني تذكرت صبري الخباز الذي أصبح حديث الحي بأكمله حتى أخذنا نقلد مشيته ونظراته طوال الأيام الماضية أثناء اللعب وكنت أتخيله في سرحاني أحد أبطال أفلام الكاوبوي وهو يحمل بيده مسدسه النصف وبلي بعد أن قتل كل أفراد العصابة وخرج من الحانة وأنا أركض خلفه أحمل له قبعته التي نفض عنها التراب وهو يمشي مشيته المتعالية…
..كنا نلعب في الزقاق عندما قتل صبري الخباز ساعي البريد جبار الأحدب أمام الجميع وفي وضح النهار.. كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها أصوات عيارات نارية - كان شيء مخيف - شعرت باهتزاز داخل صدري من قوة ارتداد الصوت، خرج الجميع من بيوتهم وركضنا نستطلع مصدر الصوت وإذا بدوياً هائل يرج الشارع مرة أخرى كان صبري يمشي متبختراً مثل ديك ويحمل بيده مسدس وخلفه على الأرض جبار وبجانبه دراجته الحمراء.
تراجعت هارباً وارتطمت بعادل وسقطنا جميعا فوق عماد أبو حلگ …
كانت المسافة قريبة جدا التي أطلق عليه الرصاص الأولى , كان ينتظر مرورة ووقف خلفه وَأُسْقِطهُ من دراجته بالرصاصة الأولى التي كانت كافية لموت شخص مريض ونحيل مثل جبار لكنه لم يكتفي بذلك كان مشبعاً بالأنتقام .. وقف فوقه وطلق عليه رصاصتين…تركتا حفر عميقة في قير الشارع.
كثرت الأحاديث في الحي عن العلاقة المشبوه بين زوجتة صبري الخباز وجبار الأحدب الذي كان يعيش مع أمه العجوز وأختين مصابتين بمرض التوحد في فقر واضح وبيت متهالك يكاد يسقط على رؤسهم..
مرت أربعة أشهر واستعدادات زواج حامد على قدم وساق رغم ادعائهم باختفاء حليمة المفاجئ ونشر إعلان فقدانها في الصحف ، وضع حامد كل مهارته وخبرته في النجار من أجل تصنيع غرفة عرسه الفخمة التي أصبحت حديث الجيران والمعارف..
كان العرس يوم الخميس كالعادة علقت فيه النشرات الضوئية بين أسطح المنازل والكراسي صفت مرصوصة وسط الشارع وقدور الطعام الكبيرة المليئة بالرز واللحم والتي أعدت منذ الظهر .. أما أنا وأصحابي فجربنا الجلوس على جميع الكراسي أخترنا موقع يشرف على مداخل العرس ومخارجة ، وعندما بدأ الحفل تم طردنا من قبل الظيوف من مقاعدنا وتجمعنا خلفهم لمشاهدة الراقصة التي كانت تتمايل بشعرها العكش الطويل وجسمها الذكوري بين أفخاذ الرجال الجالسين وهي ترتدي دشداشة رجالية ضيقة بيضاء لماعة وتشد وشاحا أحمر على خصرها نزل الى أسفل بطنها فوق عجزها الذي كانت تهزه بخفه ومرح - أصابتني الحيرة - لم يكن لها أثداء حتى سمعت أحد الرجلين الذين كنت أقف خلفهم يقول لصاحبة،..
.." هذا شلون زبيري"..
.." بعده بالباگيت "..
كان حامد يجلس وسط هذا الهرج وهو مفصولاً عنه ويسلم على المهنئين خلف جدار من الهموم ، عندما بلغت الساعة العاشرة والنصف نهض الرجال لكي يزفونه الى عروسته التي كانت تنظره في غرفة العرس الجديدة داخل البيت..
تدافعنا بين الزحمة لنسبقهم بالدخول الى باحة البيت حيث علت فيه زغاريد النساء عند دخول الرجال وحامد يتقدمهم - دخل الى غرفته - رايتها تجلس على طرف السرير مثل الأميرات بفستانها الأبيض وهي تنظر الى الارض ، خرجت منى من الغرفة مسرعة وأغلقت الباب خلفها..
تصفيق وغناء الرجال لم يتوقف عند باب غرفتهم وكذلك زغاريد النساء حتى خرج حامد من الغرفة وصاح بالجميع بغضب،..
.." كافي عاد ما تستحون .. قابل داخل على نجيه الكحبة "..
صفع حامد الباب بقوة ، خرج الرجال يتهامسون وسكتت النسوة ونسحب الجميع تدريجياً من داخل البيت .. تأخرنا حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل نجمع الكراسي من الشارع وبعض نساء الجيران غسلوا القدور والصحون النحاسية ولكن أم سالم ما زالت تجلس بباب الغرفة تنتظر..
صباح اليوم التالي صرحت لأمي وهي تبكي ،..
.." ما أدري شصار بيه الولد .. ضربوا بعين "..
.." يمكن مستحي وخجلان .. أنتظريه يومين "..
.." وين أنطي وجهي .. العروسة شراح تگول لأهلها أذا سئلوها "..؟
".. هاي شدعوا شصار أم سالم بعدهم بأول يوم "..
ذهب حامد مع أبي إلى الطبيب عصراً، وعاد بوصفه من الإبر والمقويات التي لم تجدي نفعاً وذهب مع أمه إلى الأضرحة والمراقد المقدسة وشيوخ الطريقة والسحارين والمشعوذين ولم يحدث شيء .. أخيراً نصحه عبد الملك شقيق عبد الباقي الكبير بأكل الثوم يومياً وقال له،..
.." من چنه بالعرب هلكد ما نأكل ثوم حتى المطايا ما خلصانه من عدنه "..
تحمس حامد للفكرة حتى أصبحت رائحته لا تطاق .. سلمى كانت ذاوية وعلى وجهها ابتسامة ذابلة حتى جاء الفرج بعد أشهر عندما دخلت علينا أم سالم ظهراً ونحن مجتمعين نتناول طعام الغداء .. كانت تبكي فرحاً وهي تحمل قطعة قماش صغيرة عليها بقع من الدم.