يبدو أن فايسبوك هو المتنفّس الوحيد للشباب في غزة للتعبير عن رغبتهم في الحصول على وظائف رسمية تمكّنهم من الحصول على حياة أفضل، بعدما سئموا البطالة المقنّعة، فبدلاً من أن يتظاهر الشباب في الساحات العامة، ويرفعوا الشعارات المطالبة بحقهم في العمل، لجأوا إلى الإنترنت.واتجهوا لإنشاء مجموعات للتعبير عن واقع بائس يعيشوه، ولإيصال صوتهم إلى السلطات الحاكمة.


غزة: واحدة منالمجموعات الفلسطينية على فايسبوك، التي تطالب بإيجاد وظائف للشباب، كانت بعنوان quot;سيدي الرئيس أريد وظيفة منشان اللهquot;، أنشأها الشاب أحمد بدران عبد ربه 24 عامًا، حيث لم يخجل من طلبه الوظيفة، فقد كتب على صفحته quot;في البداية يتجاهلونك.. ثم يستهزئون بك.. ثم يحاربونك.. ثم تنتصرquot;، وكتب أيضًا quot;يا بنادمين.. إللى في إيدكم الوظائف.. إذا استدعتكم قدرتكم على ظلم الناس فتذكروا قدرة الله عليكمquot;.

quot;أحمد عبد ربهquot; أحد الشباب الذين يطالبون بوظائف عن طريق فايسبوك

شخص آخر كتب على صدر الصفحة quot;بدي أشتغل يا الله .. بدي أتجوز .. بدي أصرف عحالي .. بدي أبني مستقبلي .. بدي أعيش حياتي مرتاح.. بديش أطلع أتغرب عشان ألم شوية فلوس بالبهدلة.. بدي أتبهدل في بلدي عشان ما أتشرشح برة وأنذل للعالم، وأضاف quot;بعشق غزة وأهلها .. بس دخيل الله شغلونا يا عالمquot;.

وأشار آخر على الصفحة نفسها مستهزئًا بالحالة التي وصل إليها الفلسطينيون في توظيف الشباب فكتب: quot;إعلان وظيفة - مطلوب وزير سابق ليعمل لدينا سائق،متخرج حديث وخبرة لا تقل عن خمسين سنة في المجال.. ندعم فئة الشبابquot;.

صورتي تدل على مصداقيتي في طلب الوظيفة

quot;أحمدquot; 24 عامًا، هو واحد من عائلة بسيطة مكونة من 6 شباب و3 فتيات،ما زال يأخذ مصروفه الشخصي من عائلته quot;300 شيكل كل شهرquot;، وهو من معاش والده، الذي توفى عام 2009، تخرج أحمد من الجامعة عام 2008 في تخصص شبكات الحاسوب والإنترنت، إلتقته quot;إيلافquot; لتتعرف إلى الدوافع وراء إطلاقه هذه الصفحة.

فقال quot;كسرت حاجز الخوف، وأنشأت الصفحة، ووضعت صورتي الشخصية كي يكون هناك مصداقية، ولأنني أخذت الأمر بجدية، وكي لا يعتقد البعض أنها مثلاً من باب المزاح، لأنني فعلاً أحتاج وظيفة، وكثيرًا ما طلبت من أصحاب المؤسسات أن يختبروني في مقابلة على الأقل، كي أعبّر عن نفسي وخبراتي، وإن لم أصلح للعمل فليطردونيquot;.

وعن سبب تخصيصه الرئيس محمود عباس في طلبه الحصول على وظيفة، أوضح quot;لأنه رئيس الشعب الفلسطيني ويمثلنا في المحافل الدولية، وأحمد الله أن لنا رئيس واحد، وليس اثنين، كما هو حال الحكومتين، ولو خاطبت حكومة دون غيرها، فإنني بذلك أعزز الإنقسامquot;.

وبيّن أحمد أن لديه أخًا اسمه سهيل، 34 عامًا، حصل على شهادة بكالوريس في تخصص علم الإجتماع، ولديه خبرة طويلة في مجال دراسته، كما يقول، وهو الذي دفعه لإنشاء الصفحة على فايسبوك، لأنه عاطل من العمل كأخيه، رغم تقديمه أوراقه إلى كثير من المؤسسات على أمل الحصول على عملquot;.

وأكد أن شبح الخوف يسيطر عليه، فقال quot;أخشى أن يحدث معي كما حدث مع أخي، لأنني لم أحصل على فرصة حتى الآن، كي أؤسس نفسي على الأقلquot;.

غياب تفاعل الشباب بسبب إحباطهم ويأسهم

سألتquot;إيلافquot; عما إذا كان لأحمد خبرات تؤهله للعمل، فقال quot;لدي خبرات كثيرة، فقد عملت في شركة جوال لمدة 6 شهور في خدمة العناية بالزبائن، ضمن مشروع للإتحاد الأوروبي بعدما نجحت في الإختبار، وأثبتت كفاءتي، ولكن المشروع انتهى، رغم أن شركة الجوال خاصة، وبإمكانها توظيف المميزين ومن لديهم خبرة، ولكن ذلك لم يحدث لأنني اكتشفت أن العمل فيها هو من خلال الوساطة والعائلاتquot;.

صورة أخذها الفلسطينيون من المنتديات المصرية مع إضافةبعض اللمسات

وأضاف quot;عملت وتطوعت في الإتحاد العام للمراكز الثقافية كمدخل بيانات، وأيضًا في الجامعة الإسلامية لفترة وجيزة، وإنتقلت إلى العمل في مركز للكمبيوتر كمتدرب لمدة سنة كاملة، ولم يتم توظيفي بشكل رسمي في أي شيء، وكثيرًا ما كنت أتقدم إلى وظائف ولكنني لم أحصل عليها، ووجدت أن من يبحث عن وظيفة لا بد أن يكون لديه وساطة أو أي شخص يسانده أو حتى مصالح متبادلة، فمثلاً عندما تنشر المؤسسات غير الحكومية إعلانات وظائف، فإنها تنشرها كي تظهر مصداقيتها أمام المانحين، ولكن في الحقيقة تكون الوظائف محجوزة لأصدقاء وأقرباء العاملينquot;.

وتابع قائلا quot;الإنقسام كان ولا زال سببا أساسيا في عدم حصولنا على وظائف لأنه لو لم يكن هناك انقسام لما تطلعت فتح وحماس إلى الإنتماء السياسي في التوظيفquot;.

وأشار أحمد إلى أنه سيستمر في طرح موضوع الوظائف للشباب، وأكد أنه لن يغلق الصفحة على فايسبوك، حتى لو حصل على عمل، لأنه ليس الوحيد العاطل من العمل، بل حالة من الحالات، كما يقول، وأضاف quot;لقد طلبت من الشباب أن يكون مطلبنا للحصول على وظيفة بشكل مؤدب، ولهذا السبب خاطبت الرئيس قائلاً: سيدي الرئيس، ولم أقل أبو مازن أو محمود عباسquot;.

وبيّن قائلاً quot;لقد دعوت كل الشباب إلى النزول إلى الشارع في اليوم العالمي للعمال، للتعبير عن غضبنا والمطالبة بحقنا في الحصول على وظائفquot;.

ويلاحظ أحمد أن quot;الشباب لا تتفاعل مع الموضوع نظرًا إلى حالة الإحباط التي وصلوا إليها من كثرة التقديم على وظائف، واليأس وانعدام الأمل، فترى أحد الشباب يقول على الصفحة quot;والله لو إني بدور على واحد ضائع كان لقيتهquot;.

وقال أخيرًا quot;لو أن هناك نية لدى الرئيس والحكومتين أيضًا بأن يتابعوا شأن الشباب لوصولوا إلينا وسألوا عن أحوالناquot;.

quot;فايسبوكquot; هو المتنفس النهائي للشباب

الخبير الإقتصادي والمالي الدكتور خالد أبو القمصان قال في حديثه quot;لإيلافquot; quot;الفلسطينيون الآن أمام عوامل مهمة، أبرزها مستقبل الشباب، في الوقت الذي حوّلت فيه حالة الإنقسام على مدار السنوات الماضية المجتمع من مثقف إلى مجتمع أزمات، وأصبح المجتمع ينتقل بالفعل من أزمة إلى أخرىquot;.

ورأى أن quot;الحكومتين لا تأخذان في عين الإعتبار أعداد المتخرجين، وتدفقهم إلى سوق العمل، الذي يواجه مشكلة كبيرة، والذي يحتاج فعلاً استقرارًا سياسيًا، وهو غير مهيأ لذلكquot;.

وأشار قائلاً quot;كان هناك مشهد محزن آلمني شخصيًا عندما شاهدت طلابمتخرجين يصطفون طابورًا ينتظرون دورة بطالة يقومون من خلالها بتنظيف شوارع غزةquot;. وتابع quot;لا يمكن لأحد أن يبحث عن حلول، وذلك لعدم وجود برنامج ورؤية واضحة مستقبلية لدى الجميعquot;.

واستذكر أبو القمصان قائلاً quot;كان هناك 127 ألف عامل يعملون في إسرائيل، وكان ذلك مصدر رزقهم الوحيد، ولكن عندما جاءت السلطة، فاقت البطالة الحدود، واستمر تدهور الوضع إلى يومنا هذا، واصطف أبناؤهم إلى جانبهم، وأصبح الجميع من دون عمل أو معيلquot;.

وتوقع أن quot;تكون هناك أزمة حادة جدًا وأكثر تطرفًا، إذا لم يأخذ الجميع على عاتقه تشغيل هؤلاء الشباب، وبحث مستقبلهم ومقومات حياتهم، ويخشى أن يكون فايسبوك هو المتنفس النهائي للشبابquot;.

وأضاف quot;الهجرة إلى الخارج أزمة لا يمكن أن نغفل عنها أيضًا، فالشباب الفلسطيني أصبح يبحث عن بدائل خارج قطاع غزة، حيث إننا نتحدث عن 37 ألف فلسطيني هاجروا إلى الخارج، و20 ألف ينتظرون الخروج، و70 ألف يرغبون في الهجرة، وهؤلاء مسؤولية جماعية.

الفساد يلعب دورًا في تدهور الوضع أكثر

وبيّن أبو القمصان أنه quot;ما إذا ما كانت فتح وحماس جدية في المصالحة واستمر الإنقسام خلال السنوات العشرالمقبلة فإن ذلك سيخلق مشاكل اجتماعية خطرة جدًا، وأيضًا فإن عدم توظيف الحكومتين جهودهما لإعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني بشكل دقيق سيخلق تراكمات، وبالتالي سيزيد من المشكلةquot;.

وأوضح أن quot;الحكومة في غزة لديها منظور خاص بها، وكذلك الضفة، ولا شك أن الإنتماء السياسي يلعب دورًا في عملية التوظيف، ومع ذلك على الحكومة في رام الله أن تعي بأن الوطن واحد وغير منفصل، وأن المجتمع هو فلسطيني وليس سياسيًا في الأصلquot;.

وقال إن quot;الحكومتين في غزة والضفة تتحملان المسؤولية الكاملة عن المتخرجين من الجامعات، وأضاف quot;إذا استمرت الحكومتان بالتعنّت وعدم الوصول إلى حلول جذرية، وعدم دمج الشباب في المجتمع بحجة الموازنة المالية والأزمات المتتالية وإسرائيل وعملية السلام والوضع الدولي والعربي، فسيتأزم الوضع أكثرquot;.

وأكد أن quot;الإقتصاد الفلسطيني خصب وقابل للإنتعاش، لو كانت هناك خطط وبرامج، ولكن الأحداث المتلاحقة ووجود الفساد أدى إلى تدهورهquot;.

وأشار أبو القمصان إلى أن quot;الأزمات السياسية والثقافية، مهما استمرت، فإنها حتمًا ستنتهي مع الوقت. أما أزمة الثقافة فلا يمكن أن تنتهي، وهنا الكارثةquot;.

ليس كل الشباب ضباط وعساكر

الشاب فادي بخيت، وهو متخرج لغات وترجمة من جامعة 6 أكتوبر في مصر منذ عام 2004، لم يحصل على وظيفة حتى الآن، قال لـquot;إيلافquot; إن quot;الإنضمام إلى الصفحة التي أطلقها أحمد تعني أننا جميعًا نعاني المشكلة عينها، وأضاف quot;لقد تطوعنا في كثير من المؤسسات، ولكن دون جدوى في أن نحصل على وظيفة هنا أو هناكquot;.

وأشار بخيت إلى أن quot;بعض الشباب يضطرون إلى العمل في مجالات مختلفة عن تخصصهم، الذي درسوه في الجامعة كي تسير حياتهم، ولو بأقل القليلquot;. وأضاف quot;الوظيفة الوحيدة الموجودة والأكثر شهرة هي العمل في العسكرية، ونحن لا نريد العمل كعساكر وضباط، فيجب أن لا يعمل كل البلد في العسكرية، لأن هناك تخصصات ومجالات أخرى، ولدى الشباب مهارات، ولكن الفرص غير متاحةquot;.

ورأى أنهم أصبحوا ضحايا للوظائف والمشاريع المؤقتة بعقود غير ثابتة، حيث يقول quot;مدة هذه المشاريع غالبًا ما تكون شهر أو شهرين، وإن طالت تصل إلى 6 شهور، فأنا لم أعمل في مجال تخصصي سوى 3 شهور منذ عام 2005 وحتى 2011quot;.

واعتبر بخيت أن quot;هذه المشاريع هي مسكنات للشباب ودمار لمستقبلهم، في الوقت الذي أصبح فيه الشباب عالة على المجتمع وعلى الأسرة أيضًاquot;.